الاثنين، 24 يناير 2022

إذا كان الله تعالى غنيًّا عن عباداتنا؛ فلماذا نصلّي ونصوم ونؤدّي العبادات؟

 إذا كان الله تعالى غنيًّا عن عباداتنا؛ فلماذا نصلّي ونصوم ونؤدّي العبادات؟



محمد خير موسى

في ظلّ هيمنة النّفعيّة الماديّة على الحياة العامّة تزداد الأسئلة عن الغاية النّفعيّة الماديّة من العبادات والشّعائر، وجزء من هذه الأسئلة يتوجّه إلى مدى انتفاع الله تعالى بعباداتنا.

تبرز هذه الأسئلة بصيغ استنكاريّة متعدّدة مثل: ألا تقولون إنّ الله غنيّ عنّا وعن عباداتنا فلماذا يأمرنا أن نعبده ونصلي له ونصوم ونحجّ؟ وإذا كان الله تعالى غنيًّا عن عباداتنا ولا يحتاج إليها، ألا تغدو هذه العبادات محض عبث لا طائل منه؟

وتفكيك هذا السّؤال والإجابة عنه في النّقط الآتية:

  إنّه “ربّ العالمين”

في أوّل آيةٍ تطالعك في سورة الفاتحة بعد البسملة وصف الله تعالى ذاته بأنّه “ربّ العالمين” ومعنى الربّ هو المربّي والمصلح والمدبّر لشؤون من يربّيهم.

ولو أنّ الله تعالى خلق البشر ثمّ تركهم دون أن يشرع لهم ما يربّيهم ويصلح شأنهم لكان خلقه لهم عبثًا لا يليق بإله كامل كمالًا مطلقًا.

وتشريع الله تعالى لعباده ما يربّيهم ويصلح شأنهم هو نوعٌ من تحقيق احتياجهم هم لا احتياجه هو جلّ وعلا.

تخيّل أنّ أبًا أو أمًّا في البيت يأمران أبناءهما في البيت بأوامر ويكلّفانهم بتكليفاتٍ لأجل تربيتهم وإصلاح شأنهم وتعويدهم على الفضائل وتنشئتهم على الخير؛ فهل يقول قائل: إنّ الأب والأم يقومان بهذه الأوامر وهذه التّكليفات لأنّهما محتاجان إليها، أم أنّ الجميع سيتفهّم أنّها تكليفات تربويّة يحتاج إليها الأبناء الذين ينفذون ولا يحتاج إليها الآباء والأمهات الذين يأمرون؟

ولله المثل الأعلى؛ فإنّ التكليفات الشّعائريّة من صلاة وصيام وزكاة وحجّ وغيرها تنطوي على تربية من الله تعالى لخلقه الذين خلقهم فلم يتركهم سدى، يحتاجون إليها هم في معاشهم ومعادهم ولا يحتاج إليها هو تعالى. فالعبث إذن يكون فيما لو تركهم دون أن يشرع لهم ما يربّيهم ويصلح أحوالهم وليس العبث في تشريع العبادات والشّعائر.

  المنطق التّكليفي ومنهجيّة التّعامل مع القوانين

الله تعالى خلق الخلق جميعًا ووضع قوانين لمخلوقاته من البشر وسائر مخلوقاته في الكون كلّه، وهذه القوانين تنقسم إلى قسمين؛ قسم لا اختيار للبشر فيه وهم يطبّقونه بغير اختيارٍ منهم، وقسم آخر يطبّقونه باختيارهم.

من أمثلة القسم الذي لا يتدخّل البشر في تطبيقه؛ قوانين الكون، وساعات اليوم، وأيّام السّنة، وحركة الأفلاك والكواكب، ونظام الشّروق والغروب، وغير ذلك.

ومن القوانين التي جعل الله تعالى للبشر الحريّة في تطبيقها؛ الأحكام الشرعيّة التكليفيّة ومنها العبادات ومقاديرها وعدد الرّكعات وعدد أيّام الصّيام وساعاته.

الذي فرض القوانين كلّها بنوعيها خالقٌ واحد وهو الله تعالى، ولكنّنا لا نجد من يسأل لماذا السّنة ثلاثمئة وخمسة وستون يومًا، ولماذا اليوم أربع وعشرون ساعة، ولماذا تشرق الشمس من الشرق وتغرب في الغرب؟ ولم يصف أحدٌ حركة الأفلاك ومقادير الشهور بأنها عبث.

وهذا يقتضي أن يتمّ التّعامل بسياق واحد مع جميع القوانين التي تصدر عن إلهٍ وخالق واحد، فعندما نعاين حكمة الله تعالى المطلقة في قوانين الكون التي لا نستطيع التّدخل فيها وفي سيرها ونوقن بها؛ فلا بدّ أن نوقن بحكمة الله تعالى في القوانين التي فرضها وجعل لنا حريّة الاختيار في تطبيقها ومنها العبادات الشّعائريّة؛ المنطق يفرض هذا.

وقد كلّف الخالق عباده بالتّفكر في قوانين الكون التي لا يدَ لهم فيها ولا يستطيعون التدخّل في تطبيقها، وكلّفهم أيضًا بأداء العبادات التي أوكل لهم حريّة القيام بها من عدمه، وهذا المنطق التّكليفي قائمٌ على حيثيّة أنّ الله تعالى يأمر خلقه بمقتضى ألوهيّته، والعباد ينفّذون التكليفات بمقتضى العبوديّة، وكما أنّ المنطق التكليفيّ في التفكّر بالقوانين الكونيّة التي لا يتدخّل الإنسان في تطبيقها لا يعني عند النّاس أيّ معنى من معاني احتياج الخالق لهذا التكليف، فالمنطق التّكليفي نفسه يفرض أن التّكليف بالعبادات الشّعائريّة أيضًا غير قائمٍ على أيّ معنى من معاني احتياج الخالق تعالى إلى خلقه.

 الاحتياج إلى العبادة فطرةٌ بشريّةٌ وحاجةٌ إنسانيّة

كثيرون من رجالات العلم التّجريبي والإنسانيّ لا يجدون غضاضة أبدًا في التّأكيد على أنّ التعبّد من خصائص الإنسان، ومن ذلك عبارة المؤرّخ الإغريقي الشّهير بلوتارك: “لقد وجدنا في التّاريخ مُدُنًا بلا مدارس، ووجدنا في التاريخ مُدُنًا بلا حصون، ووجدنا في التاريخ مُدُنًا بلا مستشفيات، ولكن ما وجدنا في التاريخ مُدُنًا بلا معابد”.

بل إنّ الأمر وصل اليوم إلى إيجاد علم النيوروثيولجيا “Neurotheology” أو “علم اللّاهوت العصبي” وهو العلم الذي يبحث في مدى العلاقة بين المظاهر الدّينية لاسيما الشّعائريّة والفلسفية وتأثيرها في المخ البشريّ من النّاحية الوظيفيّة وذلك بهدف التوصّل إلى الحلقة الواصلة بين ما هو روحاني تنتجه الشّعائر الدّينيّة؛ وبين ما هو مادّي بيولوجي في مخّ الإنسان.

فقد ثبتت حاجة الإنسان على مرّ الزّمان إلى العبادة، وأداء طقوس الدّين، وهذا ينسجم مع الطّبيعة التي خلقه الله تعالى عليها، والعاقل هو من رشّد أداء هذه الشّعائر على الوجه الذي شرعه الخالق وأراده الله تعالى من حيث الشّكل والمضمون، فهذا يزيد تأكيد أنّ الإنسان هو الذي بحاجة إلى العبادات وليس الله تعالى هو المحتاج إليها.

 طاقةٌ مفتوحةٌ للشّكر

الإنسان الذي خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، وكرّمه على الخلائق كلّها بالعقل والحريّة، وسخّر له الكون لخدمته؛ يحتاج إلى شكر الخالق على ما أنعم به عليه، وثقافة الشّكر ثقافة إنسانيّة لها صورها وأشكالها التي تختلف من بيئة إلى أخرى، وقد رسّخ التصوّر الإسلامي آليّات عديدة للشّكر منها العبادات الشّعائريّة.

وفي المنطق البشريّ فإن الشّكر هو حاجةٌ تبادليّة للشّاكر والمشكور، غير أنّها في التّعامل مع الله تعالى هي حاجةٌ للشّاكر إذ بيّن ربّنا تبارك وتعالى أنّ عوائد الشّكر تعود على العبد الشّاكر كما في سورة إبراهيم: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ”، وقد عبّر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن هذا المعنى بصورة جليّة عندما كان يزيد في العبادة كما في الصّحيحين “قَامَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فقِيلَ له: غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، قالَ: أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟”.

 لو أنّ أولكم وآخركم

ما دمنا نؤمن بأنّ الله تعالى هو الذي خلقنا، وهو الذي شرع لنا التّكليفات، فلا بدّ أن نؤمن أيضًا بما يخبرنا به عن هذه التّكليفات ومدى حاجته إليها وانتفاعه بها إن كان ذلك موجودًا بالفعل.

ولكنّ ربّنا تبارك وتعالى قد أخبرنا في مواضع كثيرة من كتابه الكريم بأنّنا نحن المحتاجون إلى هذه العبادات وهو الغنيّ عنها، وأنّ النّفع من القيام بها يعود على المكلّف الذي قام بها ونفّذها لا على من شرعها وأمر بها وهو الله جلّ في علاه.

ففي سورة النّمل يقول الله تعالى: “وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ”، وفي سورة العنكبوت: “وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ”، وفي سورة إبراهيم: “وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ”.

فهذه الآيات واضحةٌ في إخبار الله تعالى عباده بأنّه غنيّ عن أفعالهم وأنّ ما يقومون به تعود منافعه عليهم سواءً في الدّنيا أو الآخرة.

وفي الحديث القدسيّ الصّحيح بيّن الله تعالى بجلاءٍ أنّ عبادات الخلق جميعًا لا تزيد في ملكه عزّ وجلّ شيئًا، وكذلك طلباتهم لو أنّه أجابها لهم جميعًا ما نقص ذلك من ملكه جلّ وعلا شيئًا؛ ففي الصّحيحين قال الله تعالى في الحديث القدسيّ: “يا عِبَادِي إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ”.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق