الأحد، 23 يناير 2022

شوفوا غيركم

 شوفوا غيركم

 أخر كلام

 
  • حسن العيسى
  • أفضل صورة لهذا العام للمصور التركي محمد أسلان، وقد تفاعلت المنظمة الدولية لجوائز الصور بسنا إيطاليا مع صورة أسلان، وهي تنقل للعالم مشهداً لأب من اللاجئين السوريين بتركيا فقد كامل ساقه اليمنى من جراء قنبلة في حرب الدمار السورية، وهو يحمل ابنه مصطفى (عمره 6 سنوات)، الذي فقد بدوره ساقيه الكاملتين، بعد أن تعرّضت أمّه لغازات سامّة أثناء حملها به، وكان علاجها سبباً أثّر في جينات مصطفى ليولَد بتلك الحالة المعاقة.

    الأب "النزل أو النزال" يرفع ابنه مصطفى الفاقد لنصفه الأسفل، ملاعباً إياه عالياً، بينما (الأب) كان متكئاً على عصا تسنده، براءة الطفولة الضاحكة تجلّت في أسمى معانيها على وجه الطفل مصطفى.

    الصورة نفضت وجدان العالَم بقوة، وأفردت لها جريدة نيويورك تايمز زاوية كبيرة بالصفحة الأولى، وقامت المنظمة الدولية لجوائز الصور بمجهود كبير لنقل العائلة السورية من تركيا لإيطاليا، لتركيب أطراف صناعية للأب والابن، مسألة غير صعبة للأب الذي ظل يردد بفرح "أنا أحب إيطاليا"، بينما ستكون عملية تركيب أطراف اصطناعية للطفل مصطفى بالغة التعقيد، وقد تكفلت مؤسسة كاثوليكية بنفقات العلاج والفيزا، كما تحمّلت نفقات أربعة آلاف لاجئ حول العالم، عمل خيري عظيم، لا يفرّق بين الهويات الدينية والعرقية، مثلما كان الراحل الكبير د. عبدالرحمن السميط يفعل حين كرّس حياته لمساعدة بؤساء إفريقيا.

    نفرح بأسى لفرصة الأمل لأسرة مصطفى، وقد يردد بعضنا هنا بثرثرة ببغائية وهم يوجّهون الوعظ المتعالي لأبنائهم المكتنزين شحماً وجدباً ثقافياً: "شوفوا غيركم وقولوا الحمد لله"!

    لكن ماذا عن آلاف وربما ملايين البشر الذين ابتُلوا من كوارث الحروب وتغيّرات المناخ ومؤامرات السياسة في اليمن وأفغانستان وإفريقيا، وليست هناك كاميرا تنقل بلاءهم؟ أين نبدأ وأين ننتهي كي نسع مواعظ "شوفوا غيركم" دون نهاية؟!

    نذكر صورة الطفل الكردي السوري قبل أعوام، الذي وجد ميتاً غرقاً على الشاطئ في تركيا، بعد أن غرق مركب اللاجئين الهاربين من جحيم الحروب والفقر، أو الطفل الفلسطيني محمد الدرّة حين قُتل في غزة بتبادل إطلاق نار، وهو يحتمي بأبيه، خلال "انتفاضة الأقصى" عام 2000.

    لا نهاية لعبثية الوجود، مصادفة المصور الذكي وكاميرته نقلتنا من عالم اللامبالاة والنسيان في قضايانا اليومية إلى دنيا غيرنا البائسة، ثم ننسى الحكاية بسرعة، ونردد بحكمة سعادة متغطرسة "الحمد لله... شوفوا غيرنا"!

    مَن يدري عن الغد لأبنائنا؟ "قد" يصبحوا "كغيرنا" بعالَم الفقر والمآسي، فالحياة مصادفات، والمستقبل مجرد احتمالات لا غير.

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق