الجمعة، 27 يناير 2023

قيمة اللون الأسود حوارات الدين والطب و السياسة

 قيمة اللون الأسود

حوارات الدين والطب و السياسة


دكتورمحمد الجوادي 

بعد يومين اثنين من أحد الانتخابات التي لم يوفق فيها أستاذي كنا سنحتفل في القسم بإحدى المناسبات الاجتماعية، وكنا في حيرة كيف نوفق بين المناسبة الاحتفالية وبين عدم توفيق الأستاذ، وطمأنت زملائي إلى أنني أفكر في كلمة تتجاوز الموقف وتحل المشكل… وأخذت أفكر حتى هداني الله إلى فكرة من أفكار البيان والتعبير، وهي أن التجارب الحزينة في حياة أستاذي السياسية والعامة تمثل ذلك اللون الأسود، الذي لابد من وجوده في اللوحة الفنية، وأن هذا اللون جزء مكمل لعناصر الجمال، وأن الجمال لا يمكن أن يتحقق إذا استبعدنا اللون الأسود من اللوحة مادام أحد عناصرها ذا لون أسود.. 

وألقيت الكلمة التي دارت حول هذا المعنى، فإذا بأستاذي يسألني على الملأ: هل سبقك أحد إلى هذه الفكرة العبقرية؟

قلت: على ما أعلم لا.

قال: وعلى ما أعلم لا.

قلت: فلماذا السؤال؟

قال: إنما قصدت أن أعترف لك بالفضل، لأن الفكرة أعجبتني وبهرتني.

قلت: الفضل لك.

قال: كيف ذلك؟ هل أنا الذي كتبت لك الكلمة؟ هل غششتك؟

قلت: لا.. بل أنت الملهم.

قال: الله أكبر( وكانت هذه عادته ) ، وأين الإلهام فىّ أو مني؟

قلت: ألست أنت الذي خضت المعارك وتحملت وطيسها ونتائجها؟

قال: بلى.

قلت: وأنت الذي أوحيت لي بما تأملته فيها فخرجت به؟

قال: بلي.

قلت: فأنت الملهم.

قال: لو سمعك واحدًا من المتنطعين لسفك دمك.

قلت: هل تعلم أن هناك مصطلحا فنيا يدور حول ملهمات الفنانين المشاهير؟

قال: نعم أدرك المعني دون المصطلح.. أوتريدني أن أكون منهم على آخر الزمان؟

قلت: هذا إذا أصبح لي شأن.

قال: بل لقد تأكد هذا لك منذ زمن بعيد.

قلت: إنها مجاملة مشكورة.

قال: لماذا تأبى أن تعترف بقدرك؟ أهو تواضع؟

قلت: بل أقلدك.

قال: في ماذا إن شاء الله؟

قلت: في اعتذارك عن فكرة أن تكون ملهمي.

قال: إذا كان الأمر كذلك فأنا ملهمك في هذه اللوحة! أيرضيك هذا؟

قلت: نعم.

***

يجدر بي هنا أن أروي ما حدث في انتخابات مجلس الشعب 1987 حين هنأنا أستاذنا بالنجاح في الانتخابات، لأنه كان على رأس قائمة تحالف الإخوان المسلمين مع حزبي العمل الاشتراكي والأحرار، وهي القائمة التي تسمى في الأدبيات  أحيانا  بتحالف حزب  العمل ، وأحيانا أخرى بتحالف الإخوان المسلمين.

وقد حصلت قائمة حزب العمل على نسبة أصوات تؤهل للحصول على واحد فقط من المقاعد الانتخابية عن دائرة الزقازيق، وهكذا فهمنا وفهم الناس جميعًا أن هذا المقعد سيكون من نصيب أستاذنا، لأن اسمه كان أول اسم في القائمة، وهكذا أعلنت الجماهير واللجان الإدارية فوز أستاذي، وانهالت عليه تلغرافات التهنئة، لكن وزير الداخلية العتيد والعنيد في ذلك الوقت صمم على التفسير القانوني الذي يجعل هذا المقعد من نصيب مرشح العمال تطبيقا لقاعدة أن للعمال 50% على الأقل من المقاعد.

وهكذا أصبح أستاذي ومعه أكثر من عشرين آخرين في دوائر أخرى في جميع أنحاء الجمهورية فائزين خاسرين، فهم الأوائل ولكن قرار وزير الداخلية جعل الثواني من حزبهم هم الفائزين، وقد أقام هؤلاء دعاوى قضائية وقاموا بمسيرات إلى مجلس الشعب، لكن المجلس نفسه حل كما نعرف وأجريت الانتخابات مرة أخرى عام 1990.

في كل الأحوال فإن كثيرين قدموا التهاني بصور مختلفة لأستاذي في وقت نجاحه، كما ذكرت، لكنهم لم يعرفوا بقية ما حدث بعد هذا، وكيف يعرفون القصة وهم قد أرسلوا له برقيات التهنئة (أو بوكيهات الورد ، وبالفصحى : طاقات الورد ، حتى لا يقال : إن عضو مجمع الخالدين لا يستخدم الفصحى )  وتلقوا شكره على التهنئة، وكنت أقص على أستاذنا بعض قصص هؤلاء من أساتذة كليات الجامعة الأخرى فيبتسم لهذا الحظ الذي جعله عضوا في البرلمان في نظرهم رغم أنف وزير الداخلية، إلى أن جاء يوم سبت كنت قد ذهبت فيه إلى أستاذي مبكرا جدا لأصطحبه في سيارتي إلى الزقازيق، وكان ذلك اليوم هو اليوم الأول في امتحانات الدراسات العليا، ومن ثم فلابد من وجودنا في اللجنة قبل التاسعة لتوزيع ورقة الامتحان على طلاب الدكتوراة، وبعد أن اتصلت بشقة أستاذي من خلال الإنتركوم فوجئت في مواجهتي بنقيب المحامين الأشهر الأستاذ أحمد الخواجة يخرج من باب المصعد ليتوجه إلى سيارته، وكان لي شرف معرفته، كما أنه كان يعرف علاقتي بأستاذي، وإذا بالنقيب يسألني بطريقة مجاملة: آه.. اليوم السبت.. عندكم مجلس، ومن حسن حظي أنني ظننت أن النقيب يتحدث عن مجلس القسم فإذا بي في تلقائية شديدة أقول له: بل اليوم هو أول أيام امتحانات الدراسات العليا، ولابد من الوجود مبكرا، فإذا بالنقيب يقول: على كل حال الامتحانات أهم من مناقشات البرلمان البيزنطية.. ربنا يعينكم ويوفقكم، واستقل سيارته التي كان السائق منتظرا بجوار بابها الأيمن حتى يجلس النقيب وانطلق.

وبعد هنيهة فكرت فيما قاله النقيب فاكتشفت أنه كان يقصد بالمجلس مجلس الشعب لا مجلس القسم، وإذًا فنقيب المحامين الأشهر جار أستاذي في العمارة لا يزال يعتقد، مثله مثل آخرين كثيرين، أن أستاذي قد فاز بعضوية مجلس الشعب وأنه يمارس حقوق هذه العضوية، ولم يكن هناك ما يمنع من أن يظل الأستاذ الخواجة على هذا الاعتقاد، شأنه في هذا شأن أساتذة الكليات الأخرى الذين لم يلتفتوا إلى حقيقة أن أستاذي لم يدخل البرلمان على الرغم من هذا الفوز(!!).

بعد دقيقة أخرى كان أستاذي قد جاء، فقد كان كعادته منتظرًا بكامل ملابسه، فلم يستغرق الأمر غير نزوله بالمصعد، وفي حب شديد وتهذيب واضح، وتمثيل أوضح، وكما لو كنت سائقا حقيقيا انصرفت إلى الباب الأيمن الخلفي ففتحته على الرغم من أن أستاذي لم يكن يركب إلا في المقعد الأمامي حتى لو لم أكن أنا الذي أقود السيارة، كان يجلس بجوار السائق ويقول لي: هذا مكاني، وأركب أنت في مقاعد الوزراء، وهكذا فإنه فوجئ بهذه الحركة المسرحية، وقد قلت له: حضرتك تحب تذهب إلى الكلية أم إلى مجلس الشعب؟

فقال: ماذا نفعل في مجلس الشعب؟

قلت: اليوم السبت بداية جلسات هذا الأسبوع البرلماني (افتح قوسا لأذكر للقارئ أن المجلس يجتمع ثلاثة أيام أو أربعة في أسبوع ثم يترك الأسبوع التالي ويعود للاجتماع في السبت الثالث، أي أنه لا يجتمع كل سبت بل سبتا بعد سبت).

ضحك أستاذي وقال: هل عينوك عضوا من العشرة المبشرين؟

قلت: لم يخل بعد مكان أحد من المعينين.

قال: فلم نذهب؟

قلت: لأن جارك يعتقد أنك تحضر الجلسات.

قال: مَنْ تقصد؟

قلت: الأستاذ النقيب!

قال: كيف ذلك؟

فقصصت عليه ما حدث.

قال أستاذي: معني هذا أنه لا يزال حتى يومنا هذا على هذا الاعتقاد؟

قلت: وربما يطلب منك خدمة تؤديها لأحد أتباعه باعتبارك نائبا ذا سطوة ونفوذ.

قال أستاذي: الله أكبر.

وكانت هذه عادته حين يصل إلى النشوة في المفارقة في القصة التي تروى له!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق