الثلاثاء، 31 يناير 2023

نادر جداً: مقالة للواء محمد نجيب بمجلة لايف الأمريكية 1952 ترجمة: أحمد الأقطش

نادر جداً: مقالة للواء محمد نجيب بمجلة لايف الأمريكية 1952 ترجمة: أحمد الأقطش

Life Magazine, August 25 , 1952

خـــلــع المـلـك
أحـــرج ســـت سـاعــات
زعيم مصر الجديد يكشف قصة الانقلاب الذي أطاح بفاروق

بقلم اللواء محمد نجيب
بناءً على حواره مع دافيد دوجلاس دنكان
ترجمة / أحمد الأقطش






في يوم 26 يوليو فاجأ العالم اللواء محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة المصرية بإعلانه عزل الملك فاروق. وفي حواره مع مجلة لايف كشف اللواء نجيب النقاب عن قصة تلك المجموعة الصغيرة من ضباط الجيش وكيف تمكنت من الإطاحة بطاغية مستبد. 
ومجلة لايف إذ تعرض حديث نجيب باعتباره وثيقة تاريخية، فإنها تشير بالطبع إلى أن هذه هي رواية النخبة العسكرية للقصة، وهي تعكس في جوانبها الروح الوطنية لأصحابها، كالإشارة إلى إسرائيل مثلاً على أنها "عدو يهدد حدودنا الشرقية".
وفي خلال الفترة القصيرة منذ الانقلاب بدأت بالفعل حكومة نجيب الجديدة الوفاء ببعض وعودها. 
فقد تم العمل في برامج الإصلاح الزراعي وتخفيض الأعباء الضريبية على الفقراء وتطهير النظام البائد من الفساد، كما صدرت وعود بإجراء انتخابات عامة في فبراير المقبل. ولكن في الأسبوع الماضي ظهرت مؤشرات على ما يواجه القادة الجدد من مشاكل؛ فقد أدى أحد الإضرابات في بعض مطاحن القطن بالقرب من الإسكندرية إلى نشوب أعمال عنف وشغب، مما دفع اللواء نجيب إلى إعلان حالة الطوارئ جزئياً بعد أن كان أنهاها عقب الانقلاب.

لدينا في القرآن قوله تعالى: "وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي .. وقيل بعداً للقوم الظالمين". 
إن بذور كفاحنا من أجل الحرية قد ألقيت منذ سنوات بعيدة، وها هي الآن بعد كل هذا الانتظار تؤتي ثمارها.
لقد كنا مجموعة من الرجال الذين امتلأت قلوبهم إيماناً، لكننا أيضاً كنا رجالاً يملؤهم الخزي والهوان من جراء حرب فلسطين. فقد لبينا نداء الواجب كجنود لأمتنا ووطنا عبر صحراء سيناء. وانطلقنا كمصريين وطنيين لمقاتلة عدو يهدد حدودنا الشرقية فيما وراء السويس. ثم علمنا، أثناء قتالنا على رمال الصحراء الحارقة، أن العدو الذي كان يكمن لنا ليلاً ليس موجوداً فقط أمامنا، ولكنه أيضاً كان متغلغلاً في عقر دارنا من خلفنا ـ وهم الخونة من بني جلدتنا . 
فقد تم تسليم الأسلحة لقواتنا، ولكن الأجزاء الحيوية كانت منزوعة منها. 
ولما وصلت إلينا إمدادات الذخيرة أخيراً، فوجئنا بأنها لم تكن تطلق النار! 
والإمدادات الطبية لجرحانا، والذين كانت أعدادهم كثيرة، لم تأتِ إلينا إلا بكميات هزيلة. 
أما عناصر المعدات الميدانية التي كان المقاتلون بحاجة ماسة إليها فإنها لم تصل أبداً! لقد حوصرنا بالفعل. إن المخاوف التي لم نكن نشعر بها في فترات السلم التي سبقت الحرب، ها هي تصبح واقعاً. لقد صرنا الآن متأكدين من أن الذين كانوا يديرون شئوننا في الحرب ليسوا سوى رجال باعوا للشيطان نفوسهم وأبناء وطنهم بل وحتى أبناءهم!

إن الخسة التي تربوا عليها هم وأرواحهم الشريرة كانت دافعاً لهم على خيانة وطنهم. إلا أنها كانت سبباً ولأول مرة في ظهور مجموعة صغيرة من الضباط الذين توحدوا في مواجهة الخونة. إنهم رجال مصر الذين أخذوا على عاتقهم الثأر لرفاقهم وتخليص وطنهم من قبضة فئة تخلت عن شرفها وعن أرواح بني وطنها.

لقد شعرنا بمرارة ونحن نرى بلادنا مطروحة في التراب. فقررنا أن نكرس أنفسنا لإحياء كرامتها وبعثها من جديد. لكن محاولاتنا في ذلك الوقت كانت منصبة على تغيير الأمور قبل أن نبدأ بالتحرك. فقمنا بتوزيع منشورات تظهر للشعب مدى القتامة التي وصل إليها تاريخنا. وحاولنا مراراً تحذير الملك من أن يستبد برأيه. ولكنه بكل نفوذه، وبكل الشر الذي كان يقف خلفه ـ الشر الذي دفع به إلى الهاوية ـ سعى الطاغية جاهداً إلى إخماد جذوة الوطنية، وواصل رجاله الغاشمون التمادي في غيهم. فقد كانوا يحاربون الفضيلة، ويدافعون عن الفجور، وأصبح النظام رمزاً للفساد والانحلال والفسق. فما كان منهم إلا أن لوثوا سمعة مصر فصارت معروفة لدى العالم بأنها منطقة غير صالحة للاستقلال أو الحياة الشريفة الطاهرة.

ومع ذلك استمر صوتنا الضعيف يعلو دفاعاً عن بلدنا، وكلنا تصميم وعزم على مواجهة قوى الشر والقضاء عليها. ولكن للأسف كانت أذن الطاغية صماء، حتى إنه سخر من هذه التحذيرات داعياً أصحابها "بالأطفال".

بعد ذلك وقع حدث ليس على قدر عال من الأهمية، فقد تم إجراء انتخابات اللجنة العامة لنادي الضباط. إلا أن الملك حاول أن يهيمن حتى على ذلك الجزء من حياتنا. وكان مرشحه، اللواء حسين سري عامر، يعتبره الجميع شخصاً غير كفء بالمرة لارتداء زيّنا العسكري. فقد تردد اسمه مراراً وتكراراً مقترناً بتهريب المخدرات والبيع المحظور لأراضي الدولة. وقد تساءل كثير من الضباط عن صلته بفضيحة الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين. لقد رفضناه .. هو والملك.
حينها غضب الملك وشعر بأن كرامته قد جرحت، إذ كيف يتسنى لمجموعة من الرجال في مصر أن تحد من نفوذه! فما كان منه إلا أن سعى في اصطياد هؤلاء الجنود للإيقاع بهم والتخلص منهم. فأصدر أوامره إلى الجمعية العمومية لأعضاء نادي الضباط بتعديل لائحة النادي بما يتناسب مع ما يريده ويرتئيه. وهنا تعرض للهزيمة الثانية، وعندها فقد إحساسه بالتوازن. فحاك المؤامرات ضد جميع الذين عارضوا أوامره. ومن منطلق السخط، قام بحل اللجنة العامة لنادي الضباط التي نجحت في الانتخابات بنزاهة. ومع أن هذه الواقعة لم تكن سوى أمر بسيط، إلا أنها كانت بمثابة بداية النهاية.
فتطلعنا إلى السماء نحن جنود مصر، ودعونا الله أن يفيض علينا من نوره ويهدينا إلى الطريق الصحيح. وعندها تجهزنا لما هو أكبر. 
ثم توجهنا إلى الله من جديد وسألناه قائلين: يا رب متى يكون يوم نضالنا وتحريرنا؟
في كل صباح كنا نقوم في الوحدات بتدريباتنا وأعمالنا الروتينية. أما في المساء فكان الأمر مختلفاً. كانت مجموعات صغيرة من الضباط تلتقي ليتباحثوا في الدور الذي يتوجب على كل واحد منهم القيام به عندما تحين اللحظة الحاسمة. كانت الخطة بسيطة وسهلة، ولكنها قوية وحاسمة. لقد أخذت كل الاستعدادات لإحباط أية خطوات يمكن للطاغية أن يأخذها. فقد حاول في المرة التالية أن يفرض إرادته الحمقاء الأنانية على مصالح البلد، لكننا كنا على أهبة الاستعداد. فعندها أخذنا على أنفسنا عهداً أن نحرر الأمة من الاستبداد والذل والمهانة ـ أو نموت!
وأطلقنا على أنفسنا اسم "الضباط الأحرار". 
وباستثنائي وحدي، لم يكن هناك أي واحد يحمل رتبة أعلى من رتبة بكباشي (مقدم)، فقد كانت الغالبية من صغار الضباط. كما لم يكن لأحد منهم أية علاقة بأي حزب سياسي أو جماعة دينية كالإخوان المسلمين. وتمت مناقشة خطط الانقلاب معي، وبعدها تمت إحالتها إلى تسعة ضباط يُسمّون "اللجنة التأسيسية". حتى إنني لم أكن أعرفهم جميعاً، على الرغم من أنني علمت لاحقاً ـ بعد أن دُعيت لتولي منصب القائد العام ـ أن رجل المعلومات الخاص بي كان واحداً من أعضاء اللجنة. وكانت الاحتياطات الأمنية لدينا على أعلى درجة مع علمنا بانتشار جواسيس الطاغية في مكان. لكننا هذه المرة لم نقسم على السرية لحماية أنفسنا وخطتنا، بل اعتمدنا على شرف وكرامة كل ضابط فينا.
ومع نمو الحركة كنا نتحقق جيداً من كل شخص قبل أن نمنحه ثقتنا الكاملة. وكما هي الحال في جميع الأمم والجيوش، كان هناك بعض لا يمكن الاعتماد عليهم إلا بعد أن يتأكدوا من إمكانية النصر. بل إنه حتى فيما يخص ثورتكم أيها الأمريكيون في عام 1776 مكتوب أنه لم يصمم على القيام بالتمرد المسلح إلا ثلث سكان المستعمرات فقط!
لم يكن الاتصال على المستويات الدنيا يتم إلا بشكل غير مباشر مع رجالنا. ولم يكن هناك أي ذكر لأية خطة فعلية أو لضباط اللجنة التأسيسية الذين كانوا في هذه اللحظة يخططون لكيفية تنفيذ كل التحركات عند سنوح الفرصة. بل كانت جهودنا متجهة إلى شحن الرجال وجدانياً، وإعدادهم أخلاقياً لليوم الذي يكون في وسعهم المساعدة في تحطيم قبضة الطاغية الذي كان يحارب مهنتنا وشعبنا.
تضمنت الخطة الفعلية للتحرير التي صاغتها اللجنة التأسيسية عدداً محدوداً من الرجال، لأنه لم يكن هناك عدو حقيقي كما في المعارك الحربية. فالأمر لم يكن سوى استيلاء على النقاط الهامة في الجيش وعزل الضباط ذوي الرتب العالية والمشكوك في ولائهم واستبدال آخرين بهم يتم اختيارهم بعناية. كما توجب عزل النقاط الأخرى داخل مدينة القاهرة في نفس اللحظة لحماية قواتنا. وفي هذا الوقت، كان لدينا أيضاً لجان محلية يعمل بها ضباط مخلصون، وكان عددهم محدوداً لمقتضيات الضرورة، موزعون على فروع القوات المسلحة. وتم تمثيل كل سلاح (المدفعية والفرسان والمشاة)، إضافة إلى سلاح الطيران والبحرية. وكان الجميع على أتم استعداد في انتظار اللحظة الحاسمة.


أزمات تعجل بالانقلاب
أصاب البلاد أزمتان في تلاحق سريع. فقد طلب الملك من حسين سري (باشا سابقاً؛ فكل هذه الألقاب ألغيت الآن)، وكان أحد المعتدلين الحقيقيين في الحياة المصرية العامة، طلب منه أن يتولى منصب رئيس الوزراء ويقوم بتشكيل حكومته. كان هذا في الثاني من يوليو. وربما بسبب علمه بالميل العاطفي الذي يكنه لي بعض الرجال في جيشنا، وبخاصة الذين شاركوا في حرب في فلسطين، طلب من الملك أن يقوم بتعييني وزيراً للحربية في حكومته. لكن السراي رفضت الطلب. فما كان من حسين سري إلا أن رفض القيام بمهامه الرسمية، وسقطت حكومته في 21 يوليو.

في هذا اليوم نفسه طلبت السراي من أحمد نجيب الهلالي (باشا سابقاً) أن يتولى رئاسة الوزراء ويقوم بتشكيل حكومته. ومن العجيب أنه اختار لشغل منصب وزير الحربية إسماعيل شرين صهر الملك وهو مدني تم فرضه على الجيش برتبة قائمقام (عقيد). وهنا شعر أعضاء اللجنة التأسيسية أن هذه ليست سوى علامة على اقتراب اللحظة الحاسمة.

فصدرت الأوامر من اللجنة التأسيسية إلى جميع فرق الضباط الأحرار في القوات المصرية. وتم ضبط ساعة الصفر على 1 : 30 صباح يوم 24 يوليو. إلا أن الشائعات التي انتشرت في جميع أنحاء مصر على مدار ثلاثة أو أربعة أيام حول وجود قلق في الجيش أدّت إلى إصدار قرار بتقديم ساعة الصفر يوماً كاملاً، إلى 1 : 30 صباح يوم 23 يوليو. والله هو الذي هدانا لهذا بالطبع.

ووضعت الخطة الرئيسية في حيز التنفيذ، وبدأ شباب مصر في التحرك بشكل دقيق. فبدأوا بالوصول إلى معسكراتهم بشكل فردي، مع تلقيهم أوامر بأن يكونوا في وضع الاستعداد عند الساعة 2330 ليل الثلاثاء 22 يوليو. ثم في الساعة 2300 تلقت اللجنة التأسيسية معلومات يفيد بأن هناك شبه تأكد من أن الخطة قد انكشفت. وقصة ذلك أن أحد الضباط الشباب عند مغاردته منزله لمحه اثنان شك في هويتهما. فأوقفاه للحظة عندما وجدا أنه مسلح. وقد أكّد أنه في أوج انفعاله لم يعطهما أية إجابات شافية عن أسئلتهما المحددة. وكان محقاً. في هذه اللحظة، كان المخبرون على اتصال بالفريق حسين فريد رئيس هيئة الأركان بالجيش. لكن ضباط اللجنة التأسيسية كان لديهم ثقة في خطتهم وإيمان بالله، فانتظروا ساعة الصفر التي كانت على مقربة منهم. وأصدروا تعليماتهم بانتشار جماعات صغيرة من الضباط في جميع أنحاء القاهرة، وكان الجميع في ترقب.

في الخطة الرئيسية تم تقسيم مدينة القاهرة إلى أربعة قطاعات. وعينت اللجنة التأسيسية لكل قطاع فريقاً مكوناً من أربعة ضباط واثنين من المجندين. وكان لكل فريق سيارة جيب وشاحنة مغلقة عالية الحمولة. ونظراً لأن أول هدف من أهداف الخطة كان الاستيلاء على قيادة قوات الجيش، وبالأخص سلاح الفرسان (المدرعات)، كان على كل فريق أن يلقي القبض على الضباط المعيّنين في قطاعه. وقد تراوحت أعداد هؤلاء الضباط ذوي الرتب العالية من 8 إلى 10 ضباط لكل قطاع. وبالوصول إلى منزل كل ضابط، كان اثنان من الضباط الأحرار يقتحمان المنزل ويقومان بالقبض، بينما يمكث الاثنان الآخران والمجندون في الخارج لتغطية الشارع. وبالقبض على كل ضابط فإنه يوضع تحت الحراسة في الشاحنة المغلقة إلى أن يتم اعتقال باقي الضباط المعينين في القطاع. وبعد إخلاء القطاع يتم أخذهم إلى قسم الثكنات في الكلية الحربية حيث يظلون هناك إلى أن يتم تنفيذ الخطة بتمامها. وعندما دقت ساعة الصفر تم القيام بهذه الخطط على الوجه الأكمل.

كانت هناك وحدات أخرى تتحرك في نواحي القاهرة عندما حانت ساعة الصفر، وكانت المرحلة الأولى قيد التنفيذ. فقد تم نشر كردونات من القوات المختارة وأحاطت بكل الثكنات العسكرية. وتم تدعيمهم من قبل السيارات المدرعة التي كانت على اتصال لاسلكي ببعضها البعض. وكانت التعليمات هي أن يتم منع الضباط من الوصول إلى قواتهم حيث يكون بإمكانهم إعطاء الأوامر. القوات نفسها لم تكن تعلم أن الأوامر التي كانوا يتلقونها وينفذونها إنما هي صادرة عن الضباط الأحرار وأنهم كانوا مشاركين في الانقلاب! وقام سلاح المشاة مدعوماً بالسيارات المدرعة باحتلال محطة الإذاعة المصرية، ومصلحة التليفونات والتغراف، ومحطة سكة حديد القاهرة، والمقرات الرئيسية للجيش المصري. وتم استدعاء الدبابات للسيطرة على النقاط الاستراتيجية في المدينة، وأيضاً للقيام باستعراض للقوة. ولم تكن المقاومة متوقعة، ومع ذلك كان من الحكمة استعراض القوة وتعزيز سلاح المدرعات لمنع حدوث أية اضطرابات محتملة.

وقام سلاح المشاة بمحاصرة مطارات القاهرة، مدعوماً أيضاً بالسيارات المدرعة. فقاموا بإغلاق المداخل لمنع أي أشخاص غير مرغوب فيهم من الدخول إلى المطارات. ولم تقع هناك أية حوادث وتراجعت القوات في الساعة 1000 ذلك الصباح بعد أن قامت بإغلاق المطارات أثناء ساعة الذروة في الصباح الباكر.

ضربة حظ عظيمة

في هذه الأثناء حصلنا على أول ضربة حظ عظيمة. فرئيس الأركان الفريق حسين فريد عند حصوله على معلومات من المخبرين كلّف الأميرالاي (العميد) حسن حشمت قائد سلاح المدرعات بالتحقق من أية اضطرابات محتملة بين رجاله. وبدلاً من الاتصال الهاتفي، أو إصدار أي تنبيه أو تحذير، جاء الأميرالاي بقدميه إلى مصيره. وهكذا تم اعتراض حشمت بمجرد وصوله إلى ثكنات سلاحه، فقبض عليه وأودع في غرفة تحت الحراسة. كما تم القبض على قائد قسم القاهرة اللواء علي نجيب شقيقي بنفس الأسلوب. بل إن رئيس الأركان نفسه تم القبض عليه في مقر قيادته العامة بعد أن أظهر حراسه مقاومة رمزية. فلم ينجم عن ذلك إلا اثنان من الجرحى إصابتهما طفيفة، ولم يتم إطلاق أية نيران أخرى عند الاستيلاء على القاهرة.

وقد تسببت إحدى الحوادث في المرحلة الأولى في مشكلة كبيرة لضباط اللجنة التأسيسية فور علمهم بتنفيذ خطتهم. فقد أرادوا إبلاغ السفارات الأجنبية في القاهرة بأنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق، وأن ما يجري ليس سوى عملية تطهير تنفذها القوات المسلحة المصرية. ونظراً لكونهم من صغار الضباط، فلم يكن لأي منهم أية علاقة مباشرة بأي من الأجانب. إلا أن أحد الضباط تذكر أحد الأمريكيين كان قد قابله بشكل ودي في وقت سابق. وهكذا كان الملحق الجوي المساعد المقدم ديفيد إيفانز من السفارة الأمريكية هو أول أجنبي تقوم اللجنة التأسيسية للانقلاب بإبلاغه. وكان معلوماً أن السيد جيفرسون كافري السفير الأمريكي متواجد في الإسكندرية العاصمة الصيفية. ولو أنه كان في القاهرة، على الرغم من أننا لا نعرفه، لكنا نصحناه شخصياً لنطمئنه، لأنه كان واحداً من الرجال الذين وهبوا حياتهم لعملهم هنا في مصر، وأصبح من المعروف ـ في رأيي ـ أنه أفضل سفير أمريكي عهدناه



الدعوة التي جاءت متأخرة
حادثة أخرى أكثر إثارة وقعت في الساعة 0400 في صباح يوم الأربعاء 23 يوليو. فقد تلقيت مكالمة هاتفية في مكتبي من ضباط اللجنة التأسيسية. كانوا يطلبون مني أن أتولى منصب القائد العام للقوات المسلحة المصرية. وما أن وافقت حتى رنّ تليفوني من جديد. لقد كانت مكالمة بعيدة من الإسكندرية من مرتضى المراغي وزير الداخلية في حكومة أحمد نجيب الهلالي. قال إنه سمع تقارير عن أنشطة غريبة تحدث في القاهرة، واستسمحني في الخروج لرؤية ما إذا كان هناك شيء يمكن اعتباره خطيراً ثم أقوم بإبلاغه إذا استدعى الأمر. فأكدت له قائلاً: "حاضر أفندم". وما أن أنهيت المكالمة حتى خرجت لتولي قيادة الانقلاب! لقد كان فعلاً من المضيعة أن أعود وأهاتفه، فقد تم إسقاط حكومته بعد ظهر هذا اليوم.

وبدا واضحاً في الساعة 0720 يوم الأربعاء 23 يوليو أن الخطة قد نجحت. فقد وقعت القاهرة تحت السيطرة التامة للضباط الأحرار، وكان كل شيء هادئاً. وعلى هذا تم إذاعة بيان باسمي في محطة الإذاعة المصرية أبلغ فيه المواطنين بالانقلاب، وأحذر أي أفراد قد يقومون بإثارة الفوضى بأن لدى قوّاتي أوامر بإطلاق النار على أي فرد يقوم بالسلب أو إحداث فتن أهلية، وأؤكد للأجانب بالقاهرة أن أمنهم وسلامتهم محفوظة ومصونة. وتأكيداً لإحكام سيطرتنا، كلّفنا السلاح الجوي بعمل استطلاعات متواصلة فوق القاهرة، وكانت كل الطرق المؤدية إلى المدينة، من الصحراء والدلتا، تحت المراقبة الشديدة. وكانت تحلق في السماء ستة قاذفات ثقيلة، وأسراب المقاتلات النفاثة تدوّي فوق مآذن المدينة. لقد كان استعراضاً للقوة، تماماً كما فعلنا بالدبابات. وكانت الطائرات هي الأخرى مسلحة بالكامل وجاهزة لأية مواجهة، وبذلك انتهت المرحلة الأولى.

وهنا بدأت المرحلة الثانية فوراً. فقد تم تسليم عدد من المطالب إلى السراي الملكي، كان من أهمها تولي علي ماهر (باشا سابقاً) رئاسة الوزراء، لأنه الوحيد القادر على تطهير حكومتنا. كما تتضمن أيضاً أن يتم القيام بتطهير المستويات العليا من الجيش، وأن تتم مراعاة الدستور وتطبيقه، وتطرد الحاشية الملكية.

لم تكن السراي على هذه الدرجة من الاهتمام من قبل عند التعامل مع الجيش. وسقطت حكومة أحمد نجيب الهلالي بعد ظهر هذا اليوم بأقل من 24 ساعة من توليها المنصب، وتم تكليف علي ماهر بتولي رئاسة الوزراء. حينها أدركنا، ولأول مرة، أن نفوذ الطاغية قد ضرب في مقتل. وفي هذه الليلة من يوم 23 يوليو والساعات المبكرة من يوم 24 يوليو، قررت أنا واللجنة التأسيسية القيام بآخر خطوة لتخليص مصر من آلامها وذلك بالذهاب إلى المنبع مباشرة. فقررنا الذهاب إلى الإسكندرية وعزل فاروق عن العرش.

في الساعة 0700 في صباح الجمعة يوم 25 يوليو، توجه الضابط المسئول عن الخطط والعمليات في اللجنة التأسيسية إلى الإسكندرية ليستكشف الوضع في إمكانية حصار المدينة. ولم يكن معلوماً وقتها في أي القصرين الملكيين يوجد الملك، في المنتزه أم رأس التين. حتى إنه تم التحقق من إمكانية وجوده في الجناح الملكي في مستشفى فؤاد (حيث كان يمكث أحياناً للترويح). لكنه كان موجوداً في قصر رأس التين، ومع ذلك وللتأكد من عدم حدوث أية ثغرة في اللحظات الأخيرة، تم التخطيط لمحاصرة كلا القصرين.

وبدأت المرحلة الثالثة، فسافرت جواً إلى الإسكندرية، وكان علي ماهر قد أدى اليمين كرئيس للوزراء. وكانت قواتي تصل تباعاً من القاهرة بالسكة الحديد والطريق العادي. وصارت حامية الإسكندرية معنا، ولم يكن هناك أي تخريب أو تدخل من أي نوع. وتم تحديد ساعة الصفر بعد ظهر هذا اليوم، ولكن بعض القوات تأخرت على الطريق الصحراوي من القاهرة، فتم ترحيل التوقيت إلى 0730 يوم السبت 26 يوليو. وفي تلك الليلة 25 يوليو صاغ ضابطان من اللجنة التأسيسية مسودة الإنذار النهائي لفاروق. وكان مزمعاً تسليمه إليه بعد أن تقوم قواتي بمحاصرة قصره في الصباح التالي.

ساعة الصفر يوم السبت 26 يوليو، كانت قواتي في مواضعها حول قصري المنتزه ورأس التين. وكان فاروق في رأس التين كما أبلغنا ضابط العمليات. وكانت الخطة أن تتمركز دباباتي في مواجهة أسوار القصر، مدعومة من المشاة ومن المدفعية. هكذا كان المخطط وهكذا كان تنفيذه إلا في خطأ صغير ولكنّ وقعه كان حسناً!

فقد أساء أحد الضباط فهم الأوامر الصادرة إليه، فخرج بمن معه من رجال المشاة إلى أمام دباباته. لكن الأسوأ من ذلك أنه ظل يتقدم برجاله حتى كاد يصل إلى جناح الحريم في القصر حيث التفت حراس القصر في نقطة المراقبة وشاهدوا الجنود المتقدمين. فما كان منهم إلا أن اندفعوا وقاموا بإطلاق بعض الطلقات، ربما اعتباطاً، على الضابط ورجاله، الذين قيل إنهم اختبئوا كثعابين الصل في الرمال. وسرعان ما تطاير صوت الرصاص إلى نوافذ القصر. وأخيراً أوقف الضابط إطلاق النار، فالأمر لم يكن سوى مقاومة رمزية. كان لديهم ست إصابات ولدينا إصابتان كلها طفيفة. ولكن الأهم في الأمر هو أنه لم يعد هناك شك لدى فاروق في طبيعة الدعوة التي وجهناها له ذلك الصباح.

وكانت نقطة قيادتي أثناء هذا الصباح الأخير في مقر القيادة العامة الصيفية في ثكنات مصطفى باشا. وكنا على اتصال دائم بقواتنا لاسلكياً وعبر الهاتف. ومنذ ساعة الصفر 0730 تم فصل جميع خطوط التليفون حتى لا يتم القيام بأية مكالمة من القصر دون علمنا. وكان يجب تسليم إنذارنا النهائي على يد رئيس الوزراء علي ماهر في الساعة 0900 هذا الفاصل الزمني المتمثل في الساعة والنصف كان مقصوداً، فقد شعرنا أنه مفيد نفسياً لفاروق حتى يأخذ قدراً كافياً من الوقت في التفكير.

كانت طائراتنا تحلق في الأجواء فوق القصرين، وكان هناك تحكم راديو أرض جو في جميع الأوقات. شعرنا أنه قد يفكر في الهروب إما بحراً أو عن طريق الصحراء إلى ليبيا. أما في حالة هروبه جواً، فهناك سرب من طائرات Hawker Furies في حالة الاستعداد للقيام بأي اعتراض. ولكنه ظل في قصره.

عند الساعة 0900 دعوت رئيس الوزراء في محل إقامته الرسمي في الإسكندرية لإعطائه الإنذار لتوصيله إلى الملك. فذهب علي ماهر إلى قصر رأس التين حيث التقى بالملك فوراً. وعند الساعة 0915 يوم السبت 26 يوليو عدت إلى نقطة قيادتي في انتظار رد رئيس الوزراء. وجاءتني مكالمته في الساعة 1100 . لقد وافق الملك فاروق وقام بالتوقيع على إنذار الضباط الأحرار الذي طالب بالآتي : (1) أن يتنازل عن عرش مصر في موعد أقصاه الساعة 1200 ظهر ذلك اليوم؛ (2) وأن يغادر مصر إلى الأبد في موعد أقصاه الساعة 1800 مساء ذلك اليوم. فذهبت مباشرة إلى مقر رئاسة الوزراء لفحص التوقيع الخاص بقبول الإنذار، وكان حقيقياً وسليماً. لم يعد فاروق بعد الآن طاغية مصر.

وكان قبل الرجوع بالإنذار إلى مقر الرئاسة، أنّ رئيس الوزراء علي ماهر جلس مع فاروق في "باب الملك" بقصر رأس التين. وحدث شيء مفاجئ في الشارع الخارجي. كان يحاول شاب أمريكي يُدعى روبرت سيمبسون مساعد السفير كافري، أن يقتحم بسيارته كردوناتي حول القصر. فأصدرت أوامري بالسماح له بالمرور، وكنا نعلم أنه سينطلق فوراً إلى باب الملك. وكان منظر فارق حينها منهزماً بشكل واضح. كنا على علم بأن فاروق وماهر يجلسان بمفردهما جنباً إلى جنب عندما التفت فاروق إلى الأمريكي وقال: "تعال، تعال. لم يعد يسرني أن أرى أحداً في حياتي. ليس لدينا متسعاً من الوقت. إن عندي شيئين أريدك أن تبلغهما لسفيرك". وكان علي ماهر في جلسته ولم ينطق بكلمة، لقد كان يعلم أن آخر موعد عند الساعة 1200 نهائي.

ثم أضاف فاروق: "اسأله إن كان بإمكانه أن يفعل كل ما يمكنه لإنقاذ حياتي. ولو فعل، فأرجو أن يأتي ليودعني". ثم انصرف الأمريكي، وعاد رئيس الوزراء علي ماهر إلى مقره لإعداد أوراق التنازل. إن الأمر يبدو عجيباً، فقد تذكرنا كيف كان شعورنا تجاهكم أيها الأمريكيون عندما كان كثير من مواطنيكم يقومون بإرسال المال والسلاح لإسرائيل، والآن يتوجه إليكم كل من السراي والضباط الأحرار!

وداعاً أيها العرش
لأن فاروق كان ملك مصر حتى الساعة 1200 ذلك اليوم، قررنا أن يكون خروجه كريماً ليس بسببه كشخص، ولكن بسبب احترامنا للعرش. في الساعة 1735 أرسل فارق الملكة ناريمان وبناته الثلاث وابنه الملك فؤاد الثاني إلى يخته الملكي "المحروسة" الذي كان بالانتظار. وظل فاروق في رأس التين حيث وقف منتظراً دقائقه الأخيرة في مصر. كان بصحبته رئيس الوزراء علي ماهر والأميرة فايزة وزوجها علي رؤوف، والأميرة فوزية وزوجها إسماعيل شرين، والسفير الأمريكي السيد جيفري كافري، ممثلاً عن كل السفارات الأجنبية في مصر، ومساعده روبرت سيمبسون. أما نحن فلم نقم بأي مجهود لوضع ضباط في المقر الخاص بالملك ساعتها.

ودّع فاروق شقيقاته أثناء وجوده في القصر، ثم توجه هو ومن معه إلى المصعد فنزل إلى الدور الأرضي ومشى إلى الرصيف الملكي حيث كان في انتظاره الزورق الذي سيقلّه إلى "المحروسة". وتم تنكيس العلم الملكي وعزفت الفرقة الملكية نشيدنا الوطني وهو يسير على الرصيف. وبسبب الطبيعة المصرية الأصيلة، أقام خدم القصر المخلصون مناحة تصم الآذان! وقامت 21 بندقية بإطلاق النار تحية لوداع الملك.

وأدى ضباطي التحية أثناء مروره ببطء على الرصيف. وفي آخر المطاف وقف وحيداً مرتدياً زيه البحري الساطع، ولم تبدُ عليه أية مشاعر أثناء وقوفه هناك. كانت عيناه على ساعة يده. وعند تمام الساعة 1800 رفع عينيه، وصعد إلى متن الزورق وتم نقله إلى "المحروسة". وعند الساعة 1804 وصلت إلى رأس التين. وكان في انتظاري الزورق الذي سيقلني إلى اليخت الملكي، وهناك ودّعت الملك فاروق إلى الأبد


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق