‏إظهار الرسائل ذات التسميات ركابي حسن يعقوب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ركابي حسن يعقوب. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 أغسطس 2026

إذا انفصل إقليم دارفور فستقع هذه الكوارث الست عربيا وأفريقيا

 إذا انفصل إقليم دارفور فستقع هذه الكوارث الست عربيا وأفريقيا

يقع إقليم دارفور في الجزء الغربي من السودان في مساحة تقدر بحوالي 510 آلاف و888 كيلو مترا مربعا، ويبلغ عدد سكان الإقليم نحو 9.5 ملايين نسمة، وتسكنه قبائل عديدة من أصول أفريقية وعربية لكن من أبرز المكونات السكانية في الإقليم قبائل الفور، والمساليت، والزغاوة، والرزيقات، والداجو.

ويزخر الإقليم بموارد وإمكانيات اقتصادية هائلة ومتنوعة، زراعية وتعدينية ورعوية، مثلما يتميز بكثافة سكانية عالية، حيث يشكل الريف في دارفور موطنا لنحو 75% من السكان.

وتغلب على جغرافيا دارفور تضاريس السهول الواسعة، وتتخللها سلاسل جبال أشهرها سلسلة جبل "مرة" التي تتميز بخصوبتها العالية، وتحده من الشمال الغربي ليبيا، ومن الغرب تشاد، ومن الجنوب دولة جنوب السودان، ومن الجنوب الغربي جمهورية أفريقيا الوسطى.

يتميز إقليم دارفور بتاريخ ثريّ ومجيد يعود إلى عصور ما قبل التاريخ حيث سادت في الإقليم ممالك الداجو والتنجر، وعقب دخول الإسلام قامت في الإقليم ممالك وسلطنات إسلامية عريقة، أبرزها سلطنة الفور التي أسسها السلطان سليمان سولونغ.

وازدهرت السلطنة في عهد أسرة "كيرا"، واستمرت ككيان مستقل يحكم دارفور حتى أوائل القرن الـ20، واستمر حكمها للمنطقة عدة قرون.

بعد استقلال السودان عام 1956 عانى إقليم دارفور من مشكلات نقص التنمية كغيره من أقاليم السودان الحدودية في الشمال والشرق والجنوب، وفي إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا وفي مناطق جبال النوبة

ضم الإقليم للدولة السودانية

عقب قيام الثورة المهدية أصبح الإقليم جزءا من الدولة المهدية، ثم بعد هزيمة المهدية خضع إقليم دارفور لسلطة بريطانيا ومصر، وتم ضمه رسميا للدولة السودانية في عام 1916 إثر هزيمة ومقتل السلطان علي دينار، حاكم الإقليم وآخر سلاطين الفور.

وبعد استقلال السودان عام 1956 عانى إقليم دارفور من مشكلات نقص التنمية كغيره من أقاليم السودان الحدودية في الشمال والشرق والجنوب، وفي إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا وفي مناطق جبال النوبة.

إعلان

والسبب أن المستعمر البريطاني كان قد اهتم بتركيز التنمية في الوسط، وفي نطاق ضيق جدا يتيح له إحكام قبضته على البلاد، وضمان انسياب الموارد الخام التي كان ينقلها إلى إنجلترا لتحريك الصناعة والتجارة وخدمة الاقتصاد البريطاني.

ونتيجة لتركيز المستعمر على الأجزاء الوسطى من السودان ازدهرت الحياة في هذه الأجزاء، وغلبت عليها مظاهر التنمية والرفاهة الاقتصادية مقارنة ببقية الأقاليم في الشمال والشرق والجنوب.

ومما كرس لهذا الوضع المختل، استمرار الحكومات الوطنية المتعاقبة على ذات نهج المستعمر مع فارق ضئيل، فصرفت اهتمامها إلى الوسط والعاصمة الخرطوم أكثر من باقي أجزاء السودان، فحدثت فجوة في التنمية ما بين الوسط وبقية أقاليم السودان الطرفية، وهي فجوة أخذت في الاتساع مع تعاقب الحكومات واستمرارها في ذات النهج.

لم تتأثر أقاليم الوسط بهذه التغيرات وتداعياتها بنفس المستوى مقارنة بالأقاليم الطرفية، وكانت النتيجة هي بروز اتجاهات وأصوات مطلبية في هذه الأقاليم تنادي بتحقيق التوازن في التنمية ما بين هذه الأقاليم والوسط، تطورت إلى حركات احتجاج سياسية، ثم تولدت عنها حركات مسلحة

وذلك بالإضافة إلى الأثر الضار الذي أحدثته التغيرات المناخية والتي تسببت في أكبر موجة جفاف وتصحر ضربت دارفور وشرق السودان وشمال السودان وصلت حد المجاعة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وامتدت آثارها طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، حيث ساهمت هذه التغيرات الطبيعية في توسيع الفجوة في التنمية.

ولم تتأثر أقاليم الوسط بهذه التغيرات وتداعياتها بنفس المستوى مقارنة بالأقاليم الطرفية، وكانت النتيجة هي بروز اتجاهات وأصوات مطلبية في هذه الأقاليم تنادي بتحقيق التوازن في التنمية ما بين هذه الأقاليم والوسط، تطورت إلى حركات احتجاج سياسية، ثم تولدت عنها حركات مسلحة خاصة في إقليم دارفور، وذلك في بداية الألفية الثالثة.

وقد كان رد الفعل في بقية الأقاليم متباينا وأقل حدة من دارفور، ففي الجنوب ارتأت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق أن تضع السلاح وتجنح للسلام والتسوية السياسية، وانتهى الأمر بها بنيل حق تقرير المصير واختار شعب الإقليم الانفصال عن الدولة باتفاق سلام بموجبه انفصل جنوب السودان وتحول إلى دولة مستقلة ذات سيادة.

أما الشمال الذي تمثله الآن ولايتا "نهر النيل" و"الشمالية" فلم يحذُ حذو دارفور والجنوب ولم تنشأ فيه حركات مطلبية مسلحة، واقتصر رد الفعل فيه على أدوات ووسائل العمل السياسي السلمي على مر العهود منذ الاستقلال.

وبالنسبة لشرق السودان وبالرغم من وجود أكثر من خمس حركات مؤتلفة في تكتل عسكري واحد، فإنها لم تقم بمصادمة الحكومات المركزية في عمليات قتالية مباشرة ضد الجيش.

باستثناء تلك التي انضوت تحت لواء الجناح العسكري لتنظيم التجمع الوطني الديمقراطي المعارض لنظام البشير في حقبة التسعينيات، وهو جناح كان يأتمر بإمرة الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي قام بالهجوم على شرق السودان أواخر عام 2000، وقد كان انضمام هذه الحركات للحركة الشعبية تحت دعاوى التهميش.

بالنسبة لشرق السودان وبالرغم من وجود أكثر من خمس حركات مؤتلفة في تكتل عسكري واحد، فإنها لم تقم بمصادمة الحكومات المركزية في عمليات قتالية مباشرة ضد الجيش

أجندة الحركات المسلحة في دارفور

عند اندلاع التمرد المسلح في دارفور بصورته الأعنف الذي حدث في عام 2003، لم يكن الانفصال حاضرا في أجندة الحركات المتمردة، حيث استندت هذه الحركات في تبرير تمردها وحملها السلاح ضد الحكومة المركزية إلى ما أسمته بالمظالم التاريخية التي وقعت على الإقليم والتهميش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وغياب التنمية المتعمد، واحتكار السلطة والثروة من قبل المركز في العاصمة وما حولها.

إعلان

كذلك بررت هذه الحركات تمردها بمزاعم عن وقوع عمليات تطهير عرقي مورس ضد المكونات العرقية التي تنتمي إليها من قبل مجموعات عرقية مناوئة لها بضوء أخضر من الحكومة، لكن لم يتضمن خطابها السياسي والاحتجاجي المطالبة بفصل دارفور عن الدولة السودانية، وإنما جوهر خطابها كان رفع المظالم والتهميش وإعمال معايير العدل والمساواة في التنمية في إطار سودان واحد موحد.

دارفور وحرب 15 أبريل/نيسان

لم يكن التمرد الذي قاده زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ضد الحكومة السودانية ذا صلة لا من قريب ولا من بعيد بأي دعاوى تهميش لإقليم دارفور، أو مظالم تاريخية لحقت بالإقليم، ولا بمطالب بتحقيق التنمية المتوازنة بين أقاليم السودان المختلفة، وهذا للتاريخ.

وإنما كان تمرده بدافع واحد لا ثاني له: وهو الاستيلاء على السلطة والحكم بقوة السلاح ضمن خطة شاركت في وضعها جهات خارجية حسبما اتضح لاحقا، مع تطاول أمد الحرب بحجة القضاء على هيمنة التيار الإسلامي على مفاصل السلطة، بالرغم من أن هذا التيار قد أطاحت بسلطته ثورة شعبية قبل أربع سنوات من تمرد قائد الدعم السريع.

كما تم إبعاد رموز النظام من الإسلاميين عن مفاصل السلطة من قمة هرمها إلى أدناه، حيث تم فصل كل من يشتبه بانتمائه لهم من وظائفهم في الخدمة المدنية والعسكرية فيما يشبه التطهير، وشُكلت لهذا الغرض لجنة رفيعة ذات صلاحيات عريضة سميت بلجنة إزالة التمكين.

ومع فشل محاولة الاستيلاء على السلطة وتمدد المواجهات مع الجيش وانكشاف الدوافع الحقيقية للمحاولة، سارعت الدعم السريع إلى الدفع بمبررات جديدة ورفع شعارات أخرى لاحقة.

فمن محاربة الإسلاميين، إلى دعاوى التهميش، ثم إلى محاربة سكان شمال السودان "الشماليين" والوعيد بالانتقام منهم، ثم دعاوى استعادة الحكم المدني الديمقراطي… إلخ.

وقد أسهم هذا التخبط في الخطاب مقرونا بالفظائع والانتهاكات في حق المدنيين والدمار الواسع الذي طال كل شيء في دفع السودانيين إلى مساندة الحكومة والجيش ضد الدعم السريع.

ومن المفارقات في هذا الشأن أن حركات الكفاح المسلح الدارفورية التي حملت السلاح في السابق ضد الحكومة المركزية انحازت لصف الحكومة والجيش السوداني في مواجهة الدعم السريع تحت إمرة قيادة الجيش، ورفضت الانخراط في صف الدعم السريع وهي ترفع شعار جيش واحد شعب واحد، وتنادي بوحدة السودان، وترفض دعاوى فصل دارفور أو أي إقليم آخر.

لم يكن التمرد الذي قاده زعيم الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) ضد الحكومة السودانية ذا صلة لا من قريب ولا من بعيد بأي دعاوى تهميش لإقليم دارفور، أو مظالم تاريخية لحقت بالإقليم، ولا بمطالب بتحقيق التنمية المتوازنة

الحكومة الموازية آخر الأوراق

نتيجة للهزائم الميدانية المتتالية التي ألحقها الجيش بقوات الدعم السريع وفقدانها لمعظم قياداتها الميدانية وإخراجها عنوة من ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض ومن العاصمة الخرطوم وأجزاء واسعة من كردفان، لاذت بدارفور وتحصنت بها، ومن ثم بدأت في الإفصاح عن مشروعها الانفصالي حيث شكلت ما سمي بالإدارات المدنية في مناطق سيطرتها للقيام بمهام السلطة والحكم.

وقامت بتطوير الفكرة بالتنسيق مع جناحها المدني السياسي الذي يترأسه رئيس الوزراء الأسبق المستقيل عبد الله حمدوك، فيما عرف بالحكومة الموازية، ثم حكومة "تأسيس" التي أنشئت في فبراير/شباط 2025.

وتم تشكيل هياكل لهذه الحكومة الافتراضية شغلتها شخصيات من قوى سياسية وحركات مسلحة مناهضة للجيش، ويتسنّم المجلس الرئاسي فيها قائد الدعم السريع حميدتي.

ومؤخرا عينت محافظا للبنك المركزي للحكومة المزعومة، وقضاء وشرطة وجيش (قوات الدعم السريع)، وهي ماضية في استكمال هياكل وأجهزة الحكم.

فرص نجاح الدعوة للانفصال

حتى الآن لم تطرح فكرة انفصال دارفور بصورة رسمية وواضحة لا من الدعم السريع وجناحها السياسي ولا من القوى الإقليمية والدولية الداعمة لهما، ولم يطرح أيضا في أي منبر من المنابر على أي من المستويات الإقليمية والدولية.


فعلى المستوى الداخلي حركات الكفاح المسلح في دارفور التي تقاتل في صف الجيش ترفضها بشدة، والحقيقة أن الانقسام القبلي الحاد الحادث وسط المكونات القبلية في دارفور الذي تعمق بفعل مذابح الدعم السريع والإبادة الجماعية التي ارتكبتها في حق بعض المكونات القبلية تجعل من المستحيل أن تقبل هذه المكونات العيش تحت سلطة من مارس ضدها الإبادة.

وعلى المستوى القومي فالفكرة لا تلقى رواجا ولا ينظر إليها باعتبارها حلا ناجعا، بل يراها الكثيرون أنها مدعاة لتفتيت السودان وتشظيته تحقيقا لمصالح قوى أجنبية.

وقد قوبل الإعلان عن الحكومة الموازية في أبريل/نيسان 2025 برفض محلي وإقليمي ودولي واسع، ولم تجد أي اعتراف علني من أي دولة في العالم حتى الآن، مما يجعل فرص النجاح لها ضئيلة للغاية.

ولكن لا يمكن الجزم باستحالة بروزها إلى العلن بفعل الأمر الواقع في عالم سمة السياسة الدولية فيه التقلب والاضطراب وسرعة تبدل وتغير المصالح.

ونموذج أرض الصومال قريب إلى الأذهان حيث لم تنل أي اعتراف دولي منذ 1991 باستثناء اعتراف إسرائيل بها مؤخرا أواخر عام 2025، وبعض الدول تتعامل معها دون اعتراف رسمي بها.

في حال الانفصال ستكون اليد العليا والغلبة في الدولة الجديدة للمكونات القبلية الداعمة للدعم السريع، وبذلك تكون المكونات الأخرى المناوئة لها تحت رحمتها بكل تاريخها القاتم الملطخ بجرائم الإبادة الجماعية

ماذا لو انفصل إقليم دارفور؟

بعبارة أكثر تفصيلا: ما الآثار التي يمكن أن يترتب عليها انفصال إقليم دارفور على مستوى الدولة السودانية، وتأثير ذلك على القارة الأفريقية، والعالم العربي؟

وهو سؤال إن كانت الإجابة عنه تبدو بديهية بالنسبة للسودان، إلا أنها بالنسبة لأفريقيا والعالم العربي ليست كذلك، وفيها شيء من التعقيد وتحتاج للغوص إلى أعماق بعيدة لمعرفة الأثر الذي يمكن أن يخلفه انفصال دارفور على الواقع في هذين العالمين.

والفرضية بخصوص هذا التأثير المحتمل هي أن الموقع الجغرافي للسودان يمثل جسرا رابطا ما بين أفريقيا والعالم العربي ليس بحكم الموقع والجغرافيا فحسب، ولكن بفضل التلاقح المثالي بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية، وذلك المزيج النادر بين الغابة والصحراء، نتيجة هجرات موغلة في القدم تمت من أفريقيا شرقا وغربا، وجنوبا ومن مختلف البقاع من الجزيرة العربية والشام ومصر والمغرب العربي.

أثر انفصال دارفور على الداخل السوداني

  • انكماش المساحة وفقدان الميزة الجيوسياسية

في حال انفصال دارفور فإن مساحة الدولة السودانية ستنكمش بمقدار الخُمس، وتفقد بالتالي ميزة جيوسياسية مهمة ساهمت تاريخيا في تماسك السودان وامتداد نفوذه صوب غرب أفريقيا وجزء من المغرب العربي.

  • فقدان موارد اقتصادية وديمغرافية مهمة

كما يفقد السودان أراضي زراعية شديدة الخصوبة وثروات معدنية يزخر بها باطن أرض دارفور. وفوق ذلك وهو الأهم إنسان دارفور الذي يتميز بأنه منتِج، وله إسهام كبير في الاقتصاد السوداني، كما يفقد عددا هائلا من الثروة الحيوانية ظلت ترفد الخزينة العامة بإيرادات معتبرة.

  • اهتزاز دعائم الوحدة الوطنية

حيث يؤثر انفصال دارفور سلبا على التماسك الوطني والوحدة الوطنية، خاصة أن تجربة انفصال جنوب السودان لا تزال آثارها ماثلة بعد مرور 15 عاما، ويظهر الدولة السودانية بمظهر الهشاشة، والعجز عن بسط سلطتها على كامل أراضيها.

  • تشظي الدولة السودانية

وذلك على أساس نظرية تساقط قطع الدومينو، خاصة أن هناك أقاليم ظروفها مشابهة وربما تجد في حالة دارفور ومن قبلها جنوب السودان أسوة وحافزًا لها نحو المضي في نفس الطريق والمسلك، وتحت نفس الدعاوى والشعارات ودائما هناك قوى أجنبية على استعداد لتبني ودعم التوجهات الانفصالية خدمة لمصالحها، مما يفتح الباب لتحول السودان إلى دويلات متناحرة.

  • تحول تهديد المليشيا إلى تهديد دولة

وهو الأثر الأكثر خطورة على الإطلاق، حيث يتحول مصدر الخطر والمهدد الأمني للسودان من مليشيا تفتقر إلى الكثير من عناصر القوة، إلى دولة تمتلك كل عناصر القوة بفضل الدعم الهائل الذي ستتلقاه من القوى الداعمة لها، والتي تقف وراء فكرة الانفصال للاستمرار في العدوان على السودان، وشن حرب نظامية لتحقيق أهدافها التي عجزت عن تحقيقها حال كونها مليشيا متمردة لا تجيد غير حرب العصابات.

  • تعميق الأزمة الإنسانية والاجتماعية
إعلان

في حال الانفصال ستكون اليد العليا والغلبة في الدولة الجديدة للمكونات القبلية الداعمة للدعم السريع، وبذلك تكون المكونات الأخرى المناوئة لها تحت رحمة هذه المكونات بكل تاريخها القاتم الملطخ بجرائم الإبادة الجماعية.

والأرجح أنها ستستمر في ذلك من أجل إحداث تغيير ديمغرافي باستقدام مكونات جديدة من خارج الحدود، هي امتداد للمكونات الحاضنة للدعم السريع.

وبالتالي سيشهد العالم فصلا آخر جديدا من التطهير العرقي والتهجير القسري أكثر فظاعة وبشاعة حيث ينفرد الجلاد بالضحية، ويمكن أن يمتد ذلك لبقية أجزاء السودان.

معظم الدول الأفريقية تعاني من مشاكل تتعلق بالانقسام بين مكوناتها السكانية، وهي معضلة مزمنة في أفريقيا خلقها الاستعمار وخلفها وراءه بعد خروجه. وبالتالي -في حال انفصال دارفور- قد ينفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الانفصالية على مستوى القارة للمطالبة بالانفصال طوعا أو كرها، وهذا بالطبع سيخلق إضطرابا كبيرا داخل القارة

أثر انفصال دارفور على أفريقيا

  • يتسبب في موجة من الانفصالات

معظم الدول الأفريقية تعاني من مشاكل تتعلق بالانقسام بين مكوناتها السكانية، وهي معضلة مزمنة في أفريقيا خلقها الاستعمار وخلفها وراءه بعد خروجه.

وبالتالي قد ينفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الانفصالية على مستوى القارة للمطالبة بالانفصال طوعا أو كرها، وهذا بالطبع سيخلق اضطرابا كبيرا داخل القارة، وموجة جديدة من التناحر القبلي والصراعات السياسية العنيفة، مما يؤدي لانتكاسة جديدة في بعض الدول التي بدأت في التعافي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

  • ازدياد الخلافات والصراعات الحدودية

حيث ستؤدي عمليات إعادة رسم الحدود إلى نشوء صراعات حدودية بسبب التعقيدات الديمغرافية و التداخل الجغرافي بين الإثنيات والمجموعات السكانية في كثير من دول أفريقيا.

فهناك مجموعات مهاجرة قد تجد نفسها خارج التقسيم بسبب إعادة رسم الحدود، ومن شأن ذلك خلق صراعات جديدة لم تكن قائمة من قبل.

  • التسبب في موجة من الهجرة والنزوح واللجوء

بسبب التغير في التركيبة السكانية وتفكك النسيج المجتمعي داخل كل دولة، تضطر كثير من المجموعات السكانية إلى ترك موطنها والنزوح إلى مناطق أخرى داخل الدولة، أو اللجوء إلى دول أخرى طلبا للأمن ولحياة أفضل.

وبعضهم قد يضطر للهجرة خارج حدود القارة ولما لذلك من آثار سالبة عليهم وعلى مجتمعاتهم.

  • أثر انفصال دارفور على العالم العربي

نفس الآثار المتوقع حدوثها في أفريقيا المذكورة أعلاه، خاصة في الدول التي تعاني من مشكلات انقسام ووجود أقليات داخلية أو أقاليم متنازع عليها، وتلك التي تشهد صراعات مذهبية وطائفية، وتعاني من اتجاهات انفصالية مزمنة.

  • تهديد الأمن القومي العربي

بفضل موقعه الجيوسياسي وامتداد سواحله على البحر الأحمر، يلعب السودان دورا محوريا في استقرار الدول العربية، وأي تفكك فيه يؤثر سلبا على العالم العربي بما يحدثه من فراغ أمني يتم استغلاله من القوى المعادية للأمة العربية.

بامتلاكه أراضي زراعية شاسعة، ومياها وفيرة، يعتبر السودان سلة غذاء رئيسية للعالم العربي، وأي اختلال أمني يحدث فيه ويؤدي لتعطيل هذه المقومات ينعكس أثره السالب على الأمن الغذائي العربي.

  • ازدياد نشاط تجارة البشر والهجرة غير الشرعية

ففي ظل الفوضى التي ستعم إقليم دارفور أو الدولة الجديدة فيه إذا ما تم الانفصال، فإن ذلك سيترتب عليه نشاط مكثف لتجارة البشر والهجرة غير النظامية، وتجارة المخدرات والتهريب وغسل الأموال، وسيكون أول المتأثرين بها دول الجوار العربي خاصة المطلة على البحر المتوسط.

لكل تلك الأسباب وغيرها فإن المطلوب من الدول العربية والأفريقية أن تنتبه إلى خطورة ما بدأ يتردد من دعوات واتجاهات آخذة في التزايد بتسويق فكرة انفصال دارفور باعتباره حل يمكن أن يوقف الحرب.

وعليها أن تتخذ خطوات جادة نحو المساهمة في دعم وحدة السودان وأمنه واستقراره، لأن في استقراره ضمانا لأمن واستقرار محيطه العربي والأفريقي، والعكس صحيح.

الخميس، 30 يوليو 2026

حميدتي".. هل الهزيمة باتت قريبة جدا؟

 حميدتي".. هل الهزيمة باتت قريبة جدا؟


ركابي حسن يعقوب
صحفي وكاتب سوداني.

مع أول خيوط فجر يوم الأحد الماضي، أعلن الجيش السوداني استعادة عدد من المدن والمواقع المهمة بولاية شمال كردفان كانت في قبضة قوات الدعم السريع، وهي مدن: جبرة الشيخ، وبارا، وأم سيالة، وهي مدن ومناطق إستراتيجية للغاية، ويمثل استردادها مكسبا كبيرا للجيش السوداني، وخسارة فادحة للدعم السريع.

وكان لهذا الحدث وقعه الكبير في نفوس السودانيين، تمثل في خروجهم إلى الشوارع -خاصة في ولاية شمال كردفان- وهم يهتفون بهتافات تساند وتدعم الجيش؛ تعبيرا عن فرحتهم بما اعتبروه نصرا مؤزرا جاء بعد معاناة طويلة قضوها وهم تحت سيطرة وعسف قوات الدعم السريع، وانتهاكاتها بحقهم، وتنفس سكان مدينة الأبيض الصعداء بعد أسابيع تحت حصار الدعم السريع، والمخاوف من تكرار تجربة الفاشر.

حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطابه عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا

وجاء هذا التقدم الكبير للجيش السوداني والقوات المتحالفة معه بعد قتال عنيف مع الدعم السريع، سبقته معارك بأسابيع على محور إقليم النيل الأزرق الواقع جنوب شرقي السودان، كبد فيها الجيش السوداني قوات الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري.

وفي أعقاب هذا النصر الذي أحرزه الجيش السوداني والقوات المساندة له، وفي مساء الاثنين الماضي بُث خطاب عبر السوشيال ميديا لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي".

وقد حفل خطاب حميدتي بعدد من الإشارات الخطيرة التي رصدها المحللون السياسيون والمختصون بالشأن العسكري والإستراتيجي، وقد شاب خطاب حميدتي عدد من الملاحظات لعل أبرزها نبرة الغضب والحنق التي حاول إخفاءها عبثا ولم يفلح، كذلك فقد سمى خطابه بـ"الرسالة"، وهو مسمى لا يستخدم في العرف العسكري من قبل قائد عسكري لقواته وهي في وضع القتال في الميدان، وقال لهم "ما قصرتوا" بمعنى أنكم أديتم واجبكم العسكري.

إعلان

وهو ما يناقض الواقع على الأرض، حيث منيت هذه القوات بهزيمة مؤلمة، وفرّ من تبقى منها نجاةً بأنفسهم مخلفين وراءهم أسلحتهم وعتادهم العسكري المتقدم، حيث يتضمن صواريخ وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع جوي وعربات قتالية مصفحة مع أنظمة اتصالات حديثة، وكميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والخفيفة، والكثير من صناديق الذخيرة. كذلك من مفارقات خطابه مطالبته قواته بتغيير ما سمّاه "اللعبة"، بينما العسكريون يستخدمون لفظ الخطة.

وغني عن القول أن القادة العسكريين لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي قد لا يعرف الكثير في هذا المجال، وربما كان هذا هو السبب فيما لحق بقواته من هزائم ظلت تترى عليهم تباعا منذ إخراجهم من ولاية الجزيرة، وبعدها من العاصمة الخرطوم.

ترك حميدتي لقادة قواته الميدانيين أن يقوموا بتصفية من يشكون في ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع

وفيما يلي أبرز الإشارات الخطيرة التي حفل بها خطاب حميدتي ووردت في عبارات تبدو عفوية، لكنها انطوت على دلالات خطيرة:

ن اليوم فكينا الرسن"

وهي عبارة ربما يظن منها رفع القيود وإطلاق العنان، وقد تفسرها قواته تفسيرا خاصا بأن يقوموا بالهجوم ويجتاحوا المدن، ويطلقوا المسيرات بلا قيود ودون رجوع للقيادات، أو التزام بأي قواعد وضوابط عسكرية أو أخلاقية. فهل يفهم أنها "صك على بياض" للقتل والنهب والسلب والاغتصاب والإبادة الجماعية، والتصفية الجسدية للأسرى والمعتقلين، وتدمير الأعيان المدنية والمرافق الخدمية.

"غيروا الطريق الماشين فيه دا"

إن هذه الدعوة ربما تعني أن الخطط السابقة هي التي أوردتهم هذا المورد البائس، وهو ما قد يوحي بأنها لم تكن على المستوى المطلوب، وبالتالي فربما كان المقصود هو التصعيد للحدود القصوى، كما قد يكون إشارة تحمل في ثناياها تحريضا على الانتقام.

"من اليوم نوم ما في.. نكون أو لا نكون"

قد يصف هذا القول حال قواته بأنها قد انتقلت من طور الهجوم لكسب أراض ومواقع جديدة لتقوية وضعها العسكري والإستراتيجي إلى طور "الدفاع"، وهي نقلة كبرى ربما تعني في جوهرها الهزيمة، فالحرب الوجودية يكون فيها الخطر أو المهدد قاب قوسين أو أدنى، وأنه أصبح وشيكا وفي نطاق "المسافة صفر"، بحيث يصبح احتمال الوجود مساويا للعدم.

"نضفوا الطابور الخامس"

وربما كانت الدلالة الأكثر بؤسا في هذه الإشارات والأكثر خطورة، حيث قد يفهم منها أن حميدتي ترك لقادة قواته الميدانيين أن يقوموا بتصفية من يشكون في ولائهم ومن يظنون أنهم يتخابرون مع الجيش السوداني والقوات المساندة له، مما قد يفتح الباب على مصراعيه لتصفية الحسابات بين الفئات المكونة للدعم السريع وتركيبتها القبلية التي تتسم بالتعقيد الشديد.

وهي ربما وصفة لوقوع مزيد من الشرخ والتصدع الداخلي وسط هذه القوات، خاصة أن كثيرا من العناصر داخل الدعم السريع أصبح لديها قناعة بعدم جدوى القتال، وتعيش هذه القوات منذ فترة حالة من التوهان، واعترت مجموعاتها القتالية حمى الانسلاخ من صفوف الدعم السريع، والانضمام للجيش السوداني، طواعية وبكامل عتادها العسكري.

إعلان

وقد بدأت موجة الانشقاقات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 بانسلاخ القائد الميداني أبو عاقلة كيكل، ومعه قواته والذي كان له دور كبير بعد ذلك في تحرير العديد من المدن والمناطق، ومنها بارا وجبرة الشيخ، ولا يزال في الميدان.

وجاء انشقاق القائد الميداني اللواء النور القبة في أبريل/نيسان الماضي، وانضمامه للجيش السوداني ضربة قوية لقوات الدعم السريع هزت أركانها، ثم تبعه القائد الميداني "السافنا"، ولم يتوقف تدفق سيل المنشقين عن الدعم السريع حتى الأسبوع الماضي، حيث استسلم 280 عنصرا من هذه القوات بعتادهم للجيش.

القادة العسكريون لا يعطون الأوامر والتعليمات الخاصة بالمعارك عبر أثير السوشيال ميديا، ولا يلقون عليهم عبء التخطيط للمواجهات بهذه الطريقة الغريبة التي تشي بوضوح أن هذه القوات لا علاقة لها بالنظم والقواعد والتراتبية العسكرية، وأن قائدها حميدتي قد لا يعرف الكثير في هذا المجال

"اللعبة ستتغير وسأكون معكم في الخطوط الأمامية"

وهو وعد قد لا يستطيع حميدتي الوفاء به، ويأتي ربما في سياق رفع الروح المعنوية، وأنه يدرك فداحة الهزيمة التي تلقتها قواته وخسارته ترسانة أسلحة متطورة ومقاتلين لا يمكن تعويضهم، بعد أن نفدت وجفت الروافد التي كانت تمده، حيث التهمتهم الحرب وقضت عليهم إما بالقتل وإما بالإعاقة والعاهات المستديمة، ومعظمهم من الشباب صغار السن، وفيهم أطفال يافعون تم تجنيدهم قسرا وعلى عجل والزج بهم في أتون الحرب.

وبخصوص تغيير اللعبة فكل المؤشرات في الوقت الراهن لا تشير إلى إمكانية إحداث تغيير داخلي إيجابي. ويبقى السؤال ملحا يا ترى ماذا يعني بتغيير اللعبة؟ هل يعني أن الجهات الداعمة له ولقواته قد تعهدت بتصعيد أكبر وأشمل؟ أم ماذا؟

عموما ليست هذه هي المرة الأولى التي يلوح بها حميدتي بالتصعيد، فهو وعيد مكرر لم يستطع تحقيقه على مر سنوات تمرده على الدولة السودانية.

الاثنين، 11 مايو 2026

السودان وإثيوبيا على شفا حرب رهيبة

 السودان وإثيوبيا على شفا حرب رهيبة

صحفي وكاتب سوداني.


نُذر مواجهة تبدو وشيكة بين السودان وإثيوبيا على خلفية اعتداءات إثيوبية على مناطق وبلدات ومنشآت داخل العمق السوداني، من بينها مطار الخرطوم الدولي.

وقد أعلن السودان على لسان وزير خارجيته محيي الدين سالم في مؤتمر صحفي 5 مايو/أيار 2026 عن استدعاء سفيره لدى إثيوبيا للتشاور؛ متهما أديس أبابا بالضلوع في هجوم بطائرات مسيرة استهدف مطار الخرطوم الدولي، يوم الاثنين 4 مايو/أيار الجاري.

وأكد الوزير السوداني أن مطار الخرطوم الدولي منشأة مدنية محمية بموجب القانون الدولي، واستهدافه يشكل انتهاكا صريحا للقانون الدولي، مضيفا أن لدى السودان أدلة قاطعة تثبت أن الهجوم على المطار انطلق من داخل الأراضي الإثيوبية، معتبرا ذلك "سلوكا عدائيا من دولة يفترض أن تكون شقيقة".

وفي السياق ذاته، أعلن الجيش السوداني امتلاكه أدلة موثقة على تورط أديس أبابا في الهجوم، وقال الناطق الرسمي باسم الجيش إن مسيرات انطلقت من مطار "بحر دار" الإثيوبي، منفذة طلعات عدائية داخل الأجواء السودانية، استهدفت مواقع عسكرية ومدنية من ضمنها مطار الخرطوم الدولي، مؤكدا أن الهجوم يمثل عدوانا مباشرا على سيادة السودان و"لن يمر دون رد".

وبالمقابل فقد أصدرت وزارة الخارجية الإثيوبية بيانا يوم الثلاثاء 5 مايو/أيار، ردا على الاتهامات السودانية نفت فيه صحتها، معتبرة أنها لا أساس لها، ومضت أبعد من النفي ووجهت اتهامات صريحة للسودان بتقديم الأسلحة والدعم المالي لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي" الإثيوبية المعارضة للنظام الإثيوبي، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن السودان أصبح "مركزا للعديد من القوى المعادية لإثيوبيا"، على حد تعبير البيان.

ويأتي هذا التصعيد من الجانب الإثيوبي متزامنا مع تقدم الجيش السوداني والقوات المساندة له على جبهة القتال ضد قوات الدعم السريع التي تشهد تصدعا وانهيارا وخلافات داخلية وانشقاق قيادات عسكرية ميدانية رفيعة، أضعفت موقفها القتالي بشكل غير مسبوق.

كذلك يأتي هذا التصعيد في وقت شهدت فيه العاصمة السودانية الخرطوم استقرارا وتطبيعا للحياة فيها، وعودة الأمن وتلاشي مظاهر وآثار الحرب، وتزايد عودة المواطنين السودانيين إليها من داخل السودان وخارجه، وفتح مطار الخرطوم أمام الملاحة الدولية.

وكانت طائرة تابعة للخطوط الجوية الكويتية قد هبطت بمطار الخرطوم  في 28 أبريل/نيسان الماضي، وهي تقل على متنها أكثر من 300 مواطن عائدين إلى السودان، وكانت هي أول رحلة دولية تحط بالمطار منذ بدء الحرب.

وشهدت العلاقات السودانية الإثيوبية محطات عديدة من الخلافات والمواجهات العسكرية منذ تولي آبي أحمد منصب رئيس وزراء إثيوبيا، 2 أبريل/نيسان 2018.

وقد تركزت الخلافات بين البلدين في عهد آبي أحمد حول ثلاث قضايا رئيسية، هي قضية النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة السودانية، وقضية سد النهضة الإثيوبي وموقف السودان منه، والقضية الثالثة هي الموقف الإثيوبي المنحاز لقوات الدعم السريع في الحرب بالسودان.

ولطالما اتهم السودان إثيوبيا بالتدخل في الشأن الداخلي دعما لقوات الدعم السريع، عبر فتح أراضيها لقادتها العسكريين والسياسيين، وتوغلات الجيش الإثيوبي داخل الأراضي السودانية على الحدود.

ومنذ بداية الحرب منتصف أبريل/نيسان 2023، دائما ما كانت إثيوبيا ترد على اتهامات السودان لها بمساندة قوات الدعم السريع بالنفي، رغم أن الوقائع على الأرض تؤكد الاتهامات السودانية.

بيد أن إثيوبيا كثيرا ما كانت تلوذ بالعبارات الدبلوماسية الناعمة من قبيل عمق العلاقات بين البلدين، ومتانة الروابط التاريخية والثقافية بين الشعبين الشقيقين، وغيرها من القوالب الجاهزة التي تغلف بها إنكارها الاتهامات السودانية.

ودائما ما كان السودان يتقبل الاعتذارات الإثيوبية ويتجاوز عنها؛ تفاديا للتصعيد، وحفاظا على أمن واستقرار المنطقة من عواقب مواجهات يمكن أن تدخل القرن الأفريقي كله في أتون حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر.

وقد جاءت زيارة رئيس الوزراء آبي أحمد للسودان في يوليو/تموز من العام 2024 في هذا السياق، حيث جدد حينها ما ظل يردده من قبلُ: أن بلاده تنظر بعين الاعتبار لعلاقاتها مع السودان، وأنه يتطلع إلى بناء علاقات تعاون مشترك بين البلدين في مختلف المجالات.

ويومها استبشر السودانيون والجالية الإثيوبية الكبيرة بالسودان خيرا بالزيارة وتصريحات آبي أحمد وتعهداته باتخاذ موقف حيادي إيجابي تجاه الحرب في السودان، على أمل أن تكون نقطة انطلاق نحو علاقات طيبة تضع حدا للتوترات المتكررة بين البلدين.

ولكن لا شيء مما تعهد به تم، ولم يحدث أي تغير في موقف إثيوبيا المنحاز لقوات الدعم السريع، وما لبثت أن عادت التوترات بين البلدين إلى الواجهة مرة أخرى.

وفي فبراير/شباط من هذا العام كشفت وكالة "رويترز" عن تقارير استخبارية وصور أقمار صناعية عن معسكر سري في إقليم "بني شنقول" الإثيوبي المتاخم للسودان (32 كيلومترا) من الحدود السودانية لتدريب حوالي 4300 مقاتل تابعين لقوات الدعم السريع.

وبحسب التقارير التي نشرتها "رويترز"، فإن أعمال إنشاء المعسكر بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ويضم بداخله مركز تحكم بطائرات مسيرة في مطار "أصوصا" القريب من المعسكر.

ويقول التقرير إن المعسكر يتسع لتدريب نحو 10 آلاف مقاتل، ويضم فنيين أجانب في تشغيل أنظمة إطلاق الطائرات المسيرة، ووفقا لـ"رويترز" فإن المعسكر يوفر خطوط إمداد عسكري ولوجيستي مستمر لقوات الدعم السريع، التي تربطها روابط تعاون وتحالف مع "الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال" (جناح الحلو)، وهي حركة متمردة على الدولة السودانية، ومنشقة عن الحركة الأم بقيادة زعيمها الجنوبي الراحل جون قرنق.

ورغم وضوح الوثائق وصور الأقمار التي أوردتها "رويترز"، فإن الحكومة الإثيوبية نفت ذلك، ووصفت التقارير بأنها عارية من الصحة.

لكن ما أعلنت عنه الحكومة والجيش السوداني أخيرا يتطابق إلى حد كبير مع محتوى تلك التقارير، حيث يقول الجيش السوداني إن الطائرات المسيرة التي استهدفت مطار الخرطوم ومناطق عدة بالعاصمة، انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، وتحديدا من إقليم "بني شنقول"، وهو الإقليم الذي يقع فيه المعسكر الذي كشفت عنه "رويترز" قبل أكثر من شهرين.

وتعد هذه الواقعة التطور الأبرز على صعيد التوتر الحادث في العلاقات السودانية الإثيوبية والأكثر سخونة فيها، ويتوقع أن يأخذ التصعيد منحى تصاعديا لم تشهده علاقات البلدين من قبل، وينذر بتوسع النزاع وتحوله ليأخذ طابعا إقليميا، فيما لو وقع أحد السيناريوهات الثلاثة التي من المحتمل أن تترتب على هذا التطور الخطير.

السيناريو الأول: 

الحرب بين البلدين وهو سيناريو، وإن بدا بعيدا بعض الشيء في الوقت الراهن، إلا أنه لا يمكن استبعاده في التحليل لعدة أسباب:

  • أولا، أن الهجوم انطلق مباشرة من داخل الأراضي الإثيوبية مستهدفا بصورة متعمدة العاصمة السودانية ومطار الخرطوم الدولي، إذ إن نظام إطلاق الطائرات المسيرة يقوم على تحديد الأهداف مسبقا.

وطبقا لما ذكره الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني فإن الدفاعات الجوية للجيش أسقطت إحدى الطائرات المسيرة، وبتحليل بياناتها اتضح أنها انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية، مما يشكل عدوانا مباشرا.

  • ثانيا، تأكيد الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني أن "العدوان الإثيوبي لن يمر دون رد"، ورغم أنه لم يذكر ماهية الرد بصورة محددة، لكن يرجح أن يكون الرد عسكريا بناء على الحق الذي يكفله القانون الدولي في مثل هذه الحالات.
  • ثالثا، أن السودان ظل يقود حملة عسكرية قوية ومتواصلة ضد قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب، وتوشك هذه الحملة أن تبلغ منتهاها بالقضاء على تمرد الدعم السريع.

وبالتالي فإن الحكومة السودانية على الأرجح لن تسمح بفتح جبهة عدوان على حدودها الشرقية تساند تمرد قوات الدعم السريع، وتساعدها على توسيع نطاق عملياتها واستمرار معاناة الشعب السوداني من فظائع هذه القوات التي شهد عليها العالم كله.

السيناريو الثاني:

هو أن تلجأ الحكومة السودانية إلى التعاطي مع الحدث عبر الوسائل الدبلوماسية في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين.

وهو سيناريو ضعيف وغير مرجح، فما بين البلدين ما صنع الحداد، وقد أعلنت الخارجية السودانية عن استدعاء سفير السودان في أديس أبابا للتشاور، وهو إجراء دبلوماسي يعبر به عن بالغ الاستياء من موقف معين صادر من الدولة المضيفة، وإن كان في جوهره لا يعني بالضرورة قطع العلاقات، ولكن يعتبر مقدمة لاتخاذ إجراءات أكثر حدة، وهو ما لا يوفر مناخا مناسبا لمعالجة دبلوماسية في الإطار الثنائي.

السيناريو الثالث:

يزاحم السيناريو الأول في الأرجحية، وهو أن تلجأ الحكومة السودانية إلى المسار القانوني عبر المنظمات والهيئات الإقليمية والدولية، خاصة أنها تؤكد أن بحوزتها الكثير من الأدلة الموثقة الكافية لإقامة الحجة على إثيوبيا وإثبات تورطها وعدوانها، وتثبيت حق السودان في اتخاذ ما هو مكفول له بالقانون الدولي من رد يراه مناسبا ومحققا لصون سيادته، ورد كرامته.


وهذا السيناريو هو الأقرب إلى التحقق في تقديري بالنظر إلى السلوك الذي انتهجته الحكومة السودانية في السابق في ملفات أخرى شبيهة وفرت لها خبرة في إدارة الأزمات بالأدوات القانونية، فضلا عن كون هذا المسار القانوني يوفر مرجعية صلبة فيما لو اختارت الحكومة السودانية السيناريو الأول؛ سيناريو الحرب.

ورغم النجاحات التي حققتها الحكومة السودانية في ملفات أخرى بهذا المسار، فإن الحقيقة التي تظل الماثلة للعيان أن العدالة الدولية أصبحت بعيدة المنال، وأن كثيرا من قواعد القانون الدولي قد انتهكت ولم تعد لها القدرة على تحقيق العدالة، وأن السائد في الوقت الراهن العدالة الانتقائية وقانون الغاب، حيث البقاء للأقوى، والقوي هو من يحدد قواعد العدالة بحسب رؤيته ومصالحه، وأن أجهزة العدالة الدولية أصبحت نمورا ورقية!

غير أن هذا السيناريو الثالث محكوم بسلوك الجانب الإثيوبي، بمعنى أنه لو تمادت أديس أبابا في توجيه الضربات إلى الأراضي السودانية وإرسال المسيرات واستهداف المنشآت السودانية فإن السودان بطبيعة الحال- وحسبما أكد الناطق الرسمي باسم الجيش- سيرد، وهو رد عسكري بالضرورة.

أما إذا توقفت إثيوبيا عن توجيه طائراتها المسيرة، فإن ذلك أدعى إلى التهدئة والسير في المسار القانوني، وامتصاص التصعيد، وخفض التوتر.

وهو اتجاه يعزز من فرص الوصول إلى حلول دبلوماسية تجنب البلدين الانزلاق في مواجهة وحرب استنزاف لن تعود على الشعبين إلا بمزيد من الخراب، والدمار، وعلى المنطقة بالاضطراب، وعدم الاستقرار.

إن ضبط النفس الحالي الذي التزمت به الحكومة السودانية إزاء الضربات الإثيوبية، وعدم تسرعها في الرد بنفس الطريقة وبصورة مباشرة، يعطي إشارة إيجابية، وعلى أديس أبابا التقاطها على الفور، وإلا فإن الحرب ستكون حتما مقضيا.. والكرة في الملعب الإثيوبي.