‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاالات سعدية مفرح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقاالات سعدية مفرح. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2026

اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك!


اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك!
سعدية مفرح

نؤجل أشياء كثيرة لأننا ننتظر اللحظة المناسبة. نؤجل الاعتذار حتى تهدأ نفوسنا، والكتابة حتى تصفو أفكارنا، والبدء حتى تتهيأ الظروف، وأحيانا نؤجل علاقتنا بالله حتى نشعر أننا أصبحنا أفضل مما نحن عليه الآن. كأن علينا أن نرتب حياتنا أولا، ونصلح أخطاءنا، ونستعيد توازننا، ثم نطرق باب الله بقلب مستعد.

وهنا يقع أحد أكثر الالتباسات قسوة: أن نظن أن الطريق إلى الله يحتاج منا أن نصلح أنفسنا قبل أن نسير إليه، مع أن السير إليه هو أحد أبواب إصلاح النفس.

كم مرة قال أحدنا في داخله: سأنتظم حين تستقر حياتي، وسأقترب أكثر حين أتخلص من هذه العادة، وسأبدأ من جديد حين أهدأ، وحين أتجاوز هذا التعب الذي يثقلني؟ تمضي الأيام، وتبقى تلك البداية مؤجلة إلى موعد لا يأتي. وكلما طال الانتظار ازداد شعورنا بأن المسافة اتسعت، مع أن الباب لم يغلق.

الله لا يطلب منا قلبا لم يعرف الارتباك، ولا نفسا لم تتعثر، ولا حياة خالية من الأخطاء. نحن نأتي إليه بما لدينا، بما استطعنا أن نحمله من ضعفنا، وبما بقي في داخلنا من رغبة في النجاة. قد تأتي الخطوة الأولى مترددة، وقد تأتي الصلاة بعد انقطاع، وقد تأتي التوبة بعد عودة متكررة إلى الخطأ، وقد يكون الدعاء جملة قصيرة يقولها شخص أنهكه كل شيء ولم يعد يعرف كيف يشرح ما به.

المهم أن يبدأ.


هناك قسوة خفية في انتظار الكمال، لأن الكمال الذي ننتظره قد يتحول إلى حجة نختبئ خلفها. نقول لأنفسنا إننا سنبدأ عندما نصبح أكثر انضباطا، وأكثر صفاء، وأكثر قدرة على الالتزام، ثم نكتشف بعد سنوات أننا كنا ننتظر نسخة أخرى من أنفسنا كي نسمح للنسخة الحالية بالاقتراب من الله.

والقرب لا يشترط هذه النسخة المثالية.

قد يذهب شخص إلى الله وهو يحمل أخطاء يعرفها جيدا، ويحمل أسئلة لم يجد لها جوابا، ويحمل قلبا متعبا من خيباته ومن نفسه أيضا. وقد تكون خطواته متقطعة، فيمشي يوما ويتراجع أياما، ثم يعود. هذه العودة نفسها معنى عظيم. فالطريق الروحي لا يشبه سباقا يصل فيه الجميع إلى النهاية بالسرعة ذاتها، وإنما يشبه علاقة طويلة بين قلب وخالقه، فيها الإقبال وفيها الفتور، وفيها لحظات صفاء تضيء الطريق، ولحظات أخرى يمشي فيها صاحبه على قدر ما يستطيع.

ولهذا تبدو لي العبارة المشهورة “سيروا إلى الله عرجا ومكاسير” شديدة القرب من حقيقة التجربة البشرية. فهناك من يمشي إلى الله بقلب كامل، وهناك من يمشي إليه بقلب مكسور، وهناك من لا يملك في يومه كله سوى خطوة صغيرة. والفرق قد يكون في صدق الخطوة، لا في جمالها.

ربما كانت أجمل البدايات تلك التي لا نملك لها كثيرا من الترتيب. شخص يرفع يديه بعد غياب طويل، وامرأة تستعيد سجادة الصلاة بعد سنوات من الفتور، وشاب يقرر في لحظة عابرة أن يترك ذنبا أتعبه، وقلب يهمس في آخر الليل بكلمة واحدة لأنه عجز عن قول أكثر منها. 
هذه الأشياء تبدو صغيرة حين نقيسها بمقاييسنا البشرية، لكنها قد تكون عند صاحبها بداية حياة جديدة.

نحن نعرف كيف نحاسب أنفسنا على التقصير، وننسى أحيانا أن الرحمة هي التي تجعل العودة ممكنة. 
نعرف عدد المرات التي أخطأنا فيها، ونحصي أيام ابتعادنا، ونستعيد صورا قديمة لأنفسنا فنشعر أن الطريق صار طويلا. 
ثم نكتشف أن الله لا يحتاج منا إلى استعراض الماضي، وإنما يحتاج إلى صدق الحاضر.

ابدأ من المكان الذي أنت فيه.

إن كنت متعبا، فاذهب إليه بتعبك. وإن كنت مرتبكا، فاذهب إليه بارتباكك. وإن كنت قد أخطأت كثيرا، فاجعل الخطأ سببا للعودة، لا سببا لمزيد من الهجر. وإن كنت لا تستطيع سوى القليل، فافعل القليل الذي تستطيع، واجعله صادقا.

فكم من خطوة ظن صاحبها أنها عرجاء، وكانت هي الخطوة التي أعادته إلى نفسه، وكم من بداية صغيرة فتحت في القلب بابا لم يكن يعرف أنه ما زال موجودا.

الطريق إلى الله لا يحتاج أن نصل إليه ونحن مكتملون. يكفي أن نكون صادقين في رغبتنا في الوصول، وأن نتحرك من مكاننا، ولو ببطء، ولو بعد تعثر، ولو بقلب ما زال يتعلم كيف يمشي.

اذهب إليه الآن، بالقلب الذي لديك. فربما كانت المسافة التي تخيفك أقصر مما تظن، وربما كانت الخطوة التي تؤجلها منذ سنوات هي كل ما يحتاجه قلبك كي يبدأ.

من قرّر شكل حياتنا من دون أن نعرفه؟

 من قرّر شكل حياتنا من دون أن نعرفه؟


سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، 


من قرّر أن يكون مقبض الباب بهذا الارتفاع؟ ومن اختار أن تكون الورقة في هذا المقاس؟ ومن قال إنّ المسافة بين درجة وأخرى ينبغي أن تكون هكذا تحديداً؟ 

أسئلة تبدو عابرةً، حتّى نتوقّف عندها قليلاً. وراء كلّ تفصيل مألوف قرار بشري قديم، اتخذه شخص ربّما لم يخطر بباله أنّ اختياره الصغير سيعيش بعده عقوداً، وربّما قروناً.

نعرف أصحاب القرارات الكُبرى؛ من رسموا الحدود، وأشعلوا الحروب، ووقّعوا المعاهدات، وأصدروا القوانين. ووسط هذه الأسماء الكبيرة، هناك جيش من المجهولين صنع جزءاً من حياتنا بقرارات صغيرة لم تجد طريقها إلى كتب التاريخ.

قد يكون مهندساً قرّر ارتفاع الدرج، أو عاملاً في مطبعة اختار مقاس الورق، أو مصمّماً حدّد ارتفاع الكرسي وعرض الطاولة. ثمّ جاءت الصناعة وكرّرت اختياراتهم آلاف المرّات، حتّى صار الجسد يتعامل معها كأنّها حقائق طبيعية.

وهنا تكمن المفارقة: أشياء كثيرة نعدّها طبيعيةً بدأت في الأصل اختياراتٍ.

نحن نعيش داخل قرارات أشخاص لا نعرف أسماءهم. حين نعبر شارعاً، نعبر أيضاً فوق قرارات مهندس ومخطّط وعامل رصف. وحين نجلس على مقعد، تتعامل أجسادنا مع قياسات وضعها شخص آخر. وحين ندخل مبنى، فإنّ ارتفاع الأبواب واتساع الممرّات ومواقع السلالم والمصاعد تحدّد، بصمت، كيف ينبغي أن نتحرّك داخله.

وقد يجعل التصميم المكان سهلاً لفئة، وصعباً لفئة أخرى. درَج طويل عند مدخل مبنى قد يكون طريقاً عادياً لشخص سليم الحركة، لكنّه يصبح حاجزاً أمام مستخدم كرسيّ متحرّك أو شخص يدفع عربة أطفال. ورصيف بلا منحدر قد لا يلفت انتباه معظم المارّة، لكنّه يجبر شخصاً آخر على البحث عن طريق أطول أو طلب المساعدة. وخطّ صغير قد يكون واضحاً لمن يرى جيّداً، لكنّه يجعل المعلومة شاقّةً على كبار السنّ أو ضعاف البصر.

لا يعني هذا دائماً أنّ أحداً قصد الإقصاء. أحياناً يكون السبب افتراضاً ضيّقاً عن الجسد الطبيعي، أو عن الطريقة التي ينبغي للناس أن يستخدموا بها المكان. لكنّ النتيجة قد تبقى واحدةً: طريق مفتوح لفئة، ومتاهة صغيرة لفئة أخرى.

ومع تكرار هذه القرارات تفقد شكلها الأوّل. تتحوّل إلى معيار، ثمّ إلى عادة، ثمّ إلى شيء يصعب التفكير في إمكانية تغييره. ننسى أنّ أحداً اختارها ذات يوم، وأن اختياراً آخر كان ممكناً.

لهذا تحمل التفاصيل قدراً من السلطة يفوق حجمها. فالسلطة لا تظهر دائماً في القانون أو القرار الرسمي. أحياناً تكفي سنتيمترات قليلة لتحديد حركة جسد، أو ترتيب مقاعد لتوجيه علاقة بين الناس، أو تصميم مكان يجعل طريقاً سهلاً لفئة وصعباً على فئة أخرى.

التفاصيل تصنع سلوكنا بقدر ما تعكسه. وهذا يجعل سؤال "لماذا؟" أكثر أهمّيةً ممّا يبدو. لماذا هذا الارتفاع؟ لماذا هذا المقاس؟ لماذا هذه المسافة؟ لماذا اعتدنا أن نفعل الأمر بهذه الطريقة تحديداً؟ 

قد يقود السؤال إلى اكتشاف بسيط: ما نراه ثابتاً كان في لحظة ما قابلاً للاختيار. ونحن لا نعيش فقط داخل اختيارات من سبقونا، وإنّما نضيف إليها كلّ يوم اختياراتنا الصغيرة: قرار في مدرسة، تعديل في مؤسّسة، طريقة جديدة لتنظيم شارع، فكرة في كتاب، اقتراح في مكان العمل، أو تصميم شيء يجعل حياة الآخرين أسهل.

قد يعني هذا منحدراً إلى جانب الدرج، أو مساحةً كافيةً لدوران كرسي متحرّك، أو خطأ أكبر، أو إشارات تجمع بين النصّ والصوت والصورة. قد تبدو هذه التعديلات صغيرةً لمن لا يحتاج إليها، لكنّها قد تغيّر تجربة المكان كلّها لمن كان يواجهه بوصفه حاجزاً.

ربما لا يذكر أحدٌ اسمَنا بعد سنوات، وربما لا يعرف أحد أنّنا كنّا أصحاب الفكرة. ومع ذلك قد يبقى الأثر. فالتاريخ الذي نعرفه كتبته القرارات الكُبرى، أمّا التاريخ الذي نعيشه كلّ يوم، فقد صنعته أيضاً تفاصيل صغيرة تركها وراءهم أناس مجهولون.

وربّما يستحقّ الأمر أن ننظر إلى العالم من حولنا مرّة أخرى: إلى الباب، والورقة، والكرسي، والنافذة، والسلّم، ونسأل عن اليد التي اختارت شكلها الأوّل. ثمّ نسأل سؤالاً أكثر أهميةً: ما القرار الصغير الذي نتّخذه اليوم، وقد يأتي بعدنا من يعيشه وكأنّه كان دائماً جزءاً من العالم؟

الخميس، 7 مايو 2026

العجز أسلوب حياة

 العجز أسلوب حياة

سعدية مفرح 
كاتبة وصحفية كويتية

يستيقظ كثيرون، كلّ صباح، وهم يعرفون مسبقاً أنّ هذا اليوم سيضيف خبراً جديداً إلى قائمة الأحداث التي لا يستطيعون فعل شيء حيالها. 

صورة طفل تحت الأنقاض، أمّ تنتظر ابنها عند باب سجن، مدينة تُقصف على الهواء مباشرة، أو موظف يعود إلى بيته منهكاً بعدما اكتشف أن راتبه صار أقلّ من احتياجات أسبوع واحد. 

ومع ذلك، تستمرّ الحياة بكامل وقاحتها، تُطالب الجميع بالاستيقاظ والعمل، والردّ على الرسائل، والابتسام أحياناً، كأنّ الخراب مسألة جانبية يمكن تأجيل التفكير فيها.

هذا الشعور تحديداً هو ما يرهق الناس أكثر من المصائب نفسها؛ شعور بأنّ القلب ممتلئ بالعاطفة والغضب والخوف، بينما اليد قاصرة إلى حدٍّ مؤلم. كأنّ المرء يعيش داخل قاعة طوارئ ضخمة، يسمع الاستغاثات كلّها، ويقف عاجزاً عن إسعاف أحد.

المشكلة أنّ قلّة الحيلة لا تظهر دائماً في صورة واضحة؛ ترتدي أحياناً هيئة تعبٍ عابر، أو سخريةً زائدة، أو فتوراً مفاجئاً تجاه الأخبار، أو رغبةً متكرّرةً في الانسحاب من النقاشات العامة. 

وبعض الناس يبدون طبيعيين تماماً بينما هم في الداخل يجرّون شعوراً ثقيلاً بأنّ العالم يتحرّك بطريقة لا تسمح لأصحاب الضمير بالنجاة بسلامهم النفسي.

هناك مَن تعلّم مع الوقت كيف يطفئ حساسيته كي يتمكّن من العيش. يمرّ على المآسي مروراً سريعاً، يغيّر القناة، يضحك، يتابع يومه، يقنع نفسه بأنّ هذه هي الحكمة. بينما آخرون ظلّوا محتفظين بتلك القابلية الخام للتأثّر، يدفعون ثمنها كلّ يوم من أعصابهم ونومهم وقدرتهم على الاحتمال. وهؤلاء تحديداً يعيشون معركةً صامتةً؛ لأنّهم يدركون أنّ التعاطف وحده لا يغيّر شيئاً، لكنّهم عاجزون أيضاً عن التحوّل إلى كائنات باردة.

أقسى ما في العجز أنّه يُشعر صاحبه أحياناً بالذنب؛ كأنّ مجرّد الجلوس في بيت آمن بينما أحدهم يُقتل في مكان آخر تهمة أخلاقية تحتاج إلى تبرير. 

وكأنّ الحياة اليومية نفسها صارت فعلاً مشبوهاً. كيف يمكن لشخص أن يشرب قهوته بهدوء بينما هناك أمٌّ تبحث بين الأشلاء عن طفلها؟ كيف يكتب شاعر قصيدة حبّ بينما مدينة كاملة تُمحى؟ 

وكيف يذهب موظّف إلى دوامه، كالمعتاد، بعدما قضى الليل يتابع صور المجاعة؟

لكنّ الحياة لا تمنح أحداً رفاهية التوقّف الكامل. الناس يكملون أيامهم لأنّ عليهم أن يكملوها، لا لأنّهم بخير. وهذه نقطة كثيراً ما يُساء فهمها. 

استمرار البشر في تفاصيلهم الصغيرة لا يعني أنّهم اعتادوا الألم، وإنّما يعني أنّهم وجدوا طريقة مؤقّتة للتعايش مع عجزهم حتى لا ينهاروا تماماً.

والمفارقة أنّ أكثر الناس إحساساً بقلّة الحيلة هم أولئك الذين يملكون حسّاً أخلاقياً مرتفعاً. 

أمّا القاسي فلا يشعر بالعجز أصلاً، لأنّه لا يشعر بما يكفي ليتألّم. 

لذلك يبدو أصحاب الضمير مرهقين دائماً، كأنّهم يحملون فوق أرواحهم وزناً إضافياً لا يراه أحد. 

إنّهم يفكّرون كثيراً، ويتأثرون كثيراً، ويحاسبون أنفسهم أكثر ممّا ينبغي، ثم يكتشفون في النهاية أنّ العالم لا يكافئ هذه الحساسية، بل يعاقبها أحياناً.

ورغم ذلك تبقى هناك قيمة خفية لهذا الألم كلّه. فالعجز الذي يُبقي القلب حيّاً أقلّ خطراً من القوّة التي تقتل الإحساس بالتدريج. والذين ما زالوا يتألّمون أمام الظلم، وما زالوا يشعرون بالاختناق كلّما رأوا الإهانة البشرية تتكرر، يملكون شيئاً نادراً حتى لو بدا متعباً: قدرتهم على رفض التواطؤ الداخلي.

قد لا يغيّر أحدهم خريطة حرب، ولا يوقف مجاعة، ولا يعيد قتيلاً إلى أمّه، لكنّه يحتفظ بشيء مهمّ وسط هذا الخراب الهائل: رفضه اعتبار القسوة أمراً عادياً. وهذه ليست مسألة بسيطة كما تبدو. 

فالكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتحوّل الاعتياد إلى موقف أخلاقي، وعندما يصبح الألم خبراً عابراً بين إعلانين.

ربّما لا يستطيع البشر إنقاذ العالم كما يحلمون، لكن بوسعهم على الأقلّ ألّا يسمحوا للعالم بأن يسلبهم قدرتهم على الحزن النبيل. وهذا وحده يحتاج إلى شجاعة طويلة النَّفَس.

الاثنين، 23 مارس 2026

صلاة تحت صوت الصواريخ!

صلاة تحت صوت الصواريخ!

سعدية مفرح


 أتى العيد هذه المرّة مثقلاً بشيء لا يُرى، كأن الهواء نفسه تعلّم أن يحمل الارتباك، وكأن الفرح اضطرّ أن يعيد ترتيب معناه قبل أن يطرق الأبواب. لا أحد يدخل هذا اليوم بالبراءة القديمة ذاتها، ولا أحد يملك ترف الاحتفال الخالص كما كان يحدث في سنوات مضت، ومع ذلك فإن شيئًا خفيًا يصرّ على البقاء، على أن يقول إن الفرح لا يُلغى، بل يتبدّل، ويتخذ لنفسه هيئة أخرى أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا.

نفرح، نعم، ولكن بطبقة إضافية من الوعي، نفرح لأن الإيمان ما زال قادرًا على الوقوف في وجه كل هذا الجنون، ونكبّر لأن القلب يحتاج إلى ما يعلو فوق الخوف، ونرفع الدعاء لأن في الأرض جراحًا لا يكفيها التعاطف العابر، بل تحتاج إلى رحمة تلامسها من الداخل وتعيد ترتيب ما تكسّر، أو تمنحنا القدرة على احتماله. 
يصبح الدعاء في مثل هذه اللحظات فعلًا حقيقيًا، لا طقسًا عابرًا، ويغدو العيد مساحة لامتحان المعنى أكثر من كونه مناسبة للفرح العابر.

وهذه السنة تحمل ما هو أبعد من التبدّل الشعوري، تحمل حدثًا يكاد يعجز العقل عن استيعابه، إذ يغيب صوت صلاة العيد في الأقصى للمرة الأولى منذ عقود طويلة، كأن قطعة من الروح تُنتزع من مكانها، وكأن فراغًا واسعًا يُفتح في ذاكرة الجماعة.

وفي الجهة الأخرى، في الكويت وفي الخليج، لم تكن صلاة العيد بعيدة عن هذا الارتباك، كانت تقام بينما نسمع أصوات صفارات الإنذار، وتحلّق المسيّرات فوق الرؤوس كأنها تذكير دائم بأن الواقع لم ينسحب ولو لساعة واحدة. 

مشهد يكاد يبدو متناقضًا، مصلّون يرفعون التكبير، وأجهزة تنذر، وسماء مزدحمة بما لا يُرى، وخليط يضع الروح أمام اختبار غير مألوف، اختبار يعلّمنا كيف نُصلّي ونخاف في اللحظة ذاتها، وكيف نحافظ على تماسكنا من دون أن ننكر ما يحدث حولنا.

وفي غزة، هناك عيد آخر يُكتب بملامح مختلفة تمامًا، عيد تُقاس فرحته بقدرة البيوت على البقاء، وبعدد القلوب التي ما زالت تنبض رغم كل ما مرّ عليها، عيد لا يطلب الكثير، يكفيه أن يتنفس أهله صباحًا من دون فاجعة جديدة، وأن يجدوا في الدعاء ما يسند يومهم ولو قليلًا.

ومع ذلك، فإن هذا التداخل نفسه يكشف شيئًا عميقًا، يكشف أن الإيمان لا يحتاج إلى ظروف مثالية كي يظهر، وأن الفرح ليس حالة خارجية مكتملة الشروط، بل قرار داخلي يُصاغ رغم النقص. يتعلّم المرء هنا أن الفرح ليس نقيض الحزن، بل رفيقه في أحيان كثيرة، وأن القدرة على الابتسام لا تعني غياب الألم، بل تعني القدرة على حمله من دون أن يتحوّل إلى سيطرة كاملة. هذا العيد يقدّم درسًا صعبًا، ولكنه صادق، درس في إعادة تعريف ما نعتبره بدهيًا.

تبدو التفاصيل الصغيرة أكثر وضوحًا في مثل هذه الأيام، سلام عابر يتحوّل إلى معنى كبير، دعاء قصير يحمل ثقلًا غير متوقّع، نظرة صامتة تختصر كثيرًا من الكلام، وتتراجع المظاهر إلى الخلف، وتقترب المعاني من سطح التجربة، ويصبح العيد أقرب إلى لحظة تأمّل جماعية، لا احتفالًا صاخبًا، وكل شيء يميل إلى البساطة، ولكنها بساطة محمّلة بوعي كثيف.

وهنا تتغيّر أيضًا وظيفة الذاكرة، إذ لا يعود العيد مجرد استعادة لما كان، بل يصبح مساحة لمساءلة ما سيكون، سؤال مفتوح عن قدرة هذا العالم على أن يتعافى، وعن حدود ما يمكن احتماله، ومع كل ذلك يظل الدعاء حاضرًا كخيط دقيق يربط بين الممكن والمأمول، كأن الكلمات المرفوعة إلى السماء تحاول أن تعيد ترتيب الأرض بطريقة ما.

اللهم اجعل هذا العيد سكينة على القلوب، وأمنًا للأوطان، وفرجًا لكل من أثقلته الحرب، واجعل هذا التناقض الذي نعيشه اليوم طريقًا لفهم أعمق، لا مجرد عبور عابر، ففي مثل هذه اللحظات لا يُقاس العيد بما يُرى، بل بما يبقى في الداخل، بما ينجح في الصمود، وبما يرفض أن ينطفئ مهما تغيّرت الظروف.

الخميس، 9 أكتوبر 2025

مبادئ في مزاد المصالح

 مبادئ في مزاد المصالح

سعدية مفرح


‏أقسى الخيبات أن تكتشف أن من ظننتهم أولاً في صفّك، باعوا مبادئهم عند المزاد الأول للمصالح، فتكتشف أن الأخلاق عند بعضهم مجرّد بطاقة دخول لا أكثر. ثمّة لحظةٌ قاسيةٌ لا ينجو منها المرء مهما ادّعى القوة. لحظة يشهد فيها انكسار شيءٍ ما في داخله، شيء لا يُرمّم ولا يُنسى. 

لحظة يتبدّد فيها يقينُه بالوجوه التي أحاطته، ويكتشف أن بعض الوجوه التي كانت تلوّح له من الصف الأول لم تكن سوى أقنعة ملساء، تُبدّل ملامحها وفق حرارة الضوء واتجاه الريح. 

يكتشف أن الوفاء عند بعضهم ليس سوى ظرف زمني مؤقّت، وأن المواقف تُدار في كواليس خفية، حيث ينعقد المزاد الأكبر؛ مزاد المبادئ.

إنه المزاد الذي تُباع فيه القيم بأثمان رمزية أحياناً، وبالمجان أحياناً أخرى. كلٌّ يرفع لافتته الخاصّة، ويقدّم ما تبقّى من ضميره في علبة مغلّفة بالمبرّرات.

 وحين تنتهي الصفقة، يتصافح الجميع بابتسامات مصطنعة، كأن شيئاً لم يحدث. 

لكن شيئاً حدث فعلاً: 

تهاوى جدار الثقة، وتلوّثت الأرض التي كانت يوماً صلبة تحت أقدامك. 

لا أحد يعلّمنا كيف نواجه الخيبة حين تأتي من الجهة التي لم نكن نتوقّع منها الطعنة. 

لا أحد يخبرنا أن الخذلان لا يأتي من الخصوم، بل من أولئك الذين شاركونا الموقف والخبز والسرّ، أولئك الذين ظننا أنهم يشبهوننا في نقاء النيات وصلابة المبادئ. نكتشف متأخّرين أن بعض القلوب لا تحتمل اختبار الصدق، وأنها تنهار عند أول ضغطٍ من مصلحةٍ أو وعدٍ عابرٍ بالوجاهة أو النفوذ.

الخيبة، في أصل معناها، ليست مجرّد حزنٍ أو صدمة. إنها اهتزاز داخلي يغيّر ترتيب الأشياء فينا. بعدها لا نرى العالم كما كنّا نراه، ولا نقرأ الوجوه بالطريقة نفسها. نصبح أكثر صمتاً، وأكثر حذراً، وربّما أكثر عزلة. 

نكتشف أن الطيبة تحتاج إلى درع، وأن الثقة ينبغي أن تُمنح بوعي لا بعاطفة. ومع ذلك، تبقى في داخلنا رغبة عنيدة في تصديق أن النقاء ممكن، وأن الصدق لا يزال يملك مكاناً صغيراً في هذا العالم المزدحم بالأقنعة.

من يبع مبدأه مرّة، يسهُل عليه أن يبيعه ألف مرّة. 

لأنّ البيع الأول هو السقوط الأصعب، وبعده يصبح كل شيء مبرَّراً. 

يبدأ التنازل بتبرير صغير، بموقف رمادي، بابتسامة مجاملة على حساب الحقّ، ثمّ تتوالى التنازلات حتى يفقد المرء ملامحه الأخلاقية تماماً. 

يصبح نسخة من ذاته القديمة، لكن بلا جوهر، بلا روح، كتمثال جميل فقد قلبه. ولعلّ أقسى ما في الخيبة أن المرء لا يستطيع محاسبة أحد عليها سوى نفسه. إذ يبدأ في مراجعة كل لحظة، كل إشارة، كل حديث سابق، ليكتشف أنه هو من بالغ في حسن الظنّ، وأنه هو من منح الولاء بسخاء لمن لم يستحقّه. 

الخيبة في جوهرها درسٌ في البصيرة، لكنّها درس قاسٍ لا يُدرّس في أيّ مدرسة.

ورغم ذلك كلّه، لا يمكننا أن نعيش من دون الإيمان ببعض القيم التي تمنحنا المعنى، حتى حين يُخذل المرء من أقرب الناس، يظلّ بحاجة إلى أن يتمسّك بما يراه صحيحاً، لأن التنازل عن المبدأ انتقام خفي من الذات، وليس من الآخرين. لا شيء يعوّض خسارة الكرامة الأخلاقية. 

المصلحة قد تمنح المرء وجاهةً وقتيةً، لكنّها تسلبه احترامه الداخلي، والاحترام الداخلي هو ما يجعلنا نستطيع النظر في المرآة من دون شعور بالخجل.

كم من وجوهٍ كانت يوماً مضيئةً ثم انطفأت، لا لأنها فشلت في الوصول، بل لأنها اختارت الطريق الأقصر، الطريق المعبّد بالصفقات الصغيرة والتنازلات المتدرّجة. وكم من وجوهٍ بقيت في الظلّ، لكنّها احتفظت بضوءها الداخلي صافياً لا يعكّره الطمع ولا تلمّعه المصلحة. هؤلاء لا يتصدّرون الصفوف عادة، لأن الصفوف الأولى لا تقاس اليوم بالمواقف، بل بالمكاسب.

ومع ذلك، ثمّة عزاء صغير يهبنا القدرة على الاستمرار، أن الخيبة، مهما كانت موجعة، تُنقّي القلب من الزيف، وتُعيد ترتيب دوائرنا، وتعلّمنا كيف نرى ما وراء الوجوه. إنها توقظ فينا حسّ التمييز بين من يرافقنا حبّاً في الطريق، ومن يرافقنا حبّاً في الوصول.

ليس علينا أن نغدو قساةً بعد الخذلان، بل أن نغدو أكثر وعياً. أن نفهم أن الأخلاق ليست بطاقة دخول إلى مجتمع أو منصب أو صفقة، بل هي جوهرٌ نعيش به ومعه، حتى وإن خسرنا كل شيء آخر. 

لأنّ من يربح ضميره لا يخسر أبداً، ومن يبع مبادئه فلن يكسب مهما بدا رابحاً. 

هكذا فقط نفهم أن الصفّ الأول الحقيقي ليس الذي يصفّق لنا في حضورنا، بل الذي يبقى على مبدئه في غيابنا. 

وأن الخيبة، مهما كانت مرّة، ليست نهاية الطريق، بل بدايته الجديدة، حين نختار أن نواصل السير بأقل عدد من الرفاق، وأكثر قدر من النقاء.

الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

ليست خيبةً واحدةً وحسب

 ليست خيبةً واحدةً وحسب

سعدية مفرح

يظلّ المرء أحياناً أسيراً لمشاعر متشابكة لا يعرف لها حدوداً واضحةً، ولا يجد لها تفسيراً إلا في صمت الذات ومساءلات القلب. الثقة، تلك الهبة الدقيقة التي يمنحها المرء من دون قيد أو تحفّظ، تحمل في طياتها كل جمال العلاقة الإنسانية، وكل خطر الانكسار المفاجئ.

حين يفتح المرء قلبه ويمنح الآخر امتداد وجوده الداخلي بلا تحفّظ، لا يكون ذلك الامتداد مجرّد مساحة من العاطفة، بل هو رقعة عرضة للخطر، مساحة تتربّص بها خيبات محتملة لا يراها إلا من اختبرها بعين اليقين. 

الإنسان بطبيعته كائن يتوق إلى الأمان النفسي، يبحث عمَّن يثق فيه ليخفّف عنه وطأة الوحدة، ويشارك معه فرحاته الصغيرة كبيرة الأحلام، لكنّه في الوقت ذاته يحمل خوفاً عميقاً من الخذلان.

ليست الخيانة حدثاً عابراً، بل هي لحظة مركّبة من خيبة الثقة، ومفاجأة الروح بما لم يكن في الحسبان. فهي تأتي غالباً من مكان كان يظنّه المرء مقدّساً، من قلب منحته الحرية بلا شروط، ومن عقل أطمأن إلى وعودٍ لم يصدّق أنها يمكن أن تتبدّد.

تتعدّد وجوه الخيانة، وتختلف تفاصيلها، لكنّها جميعها تتشارك عنصراً واحداً: المسافة بين الثقة والواقع.

كلّما كانت الثقة أكبر، كان الانكسار أكثر عمقاً، وحمل المرء ألماً أثقل. وفي هذا الامتداد من الثقة، يُولد الألم الكبير، الألم الذي يترك أثره في الذاكرة، ويعيد تشكيل تصوراتنا عن البشر وعن أنفسنا. 

المرء، بعد تجربة الخذلان، لا يعود نفسه السابقة، بل يصبح أكثر حذراً، وأكثر قدرة على قراءة نيّات الآخرين، وأحياناً أكثر وحدةً في عالم يبدو، من زاوية الخيبة، أقربَ إلى الفجوة التي خلّفتها الثقة المهدورة.

على الرغم من هذه التجارب، تبقى الثقة قيمةً لا يمكن استبدالها. 

هي ليست مجرّد فعل من أفعال الحياة، بل هي لغة الروح وجسر يمتدّ بين القلوب، مهما عُرض لهذا الجسر من الانكسار. 

فالثقة، حتى حين تؤدّي إلى خيبة، تعلمنا شيئاً عميقاً عن طبيعة البشر وعن طبيعتنا نحن؛ عن هشاشتنا، وعن شجاعتنا، وعن قدرتنا على البقاء رغم التجارب المؤلمة. 

تلك الدروس، مهما كانت مرارتها، تمنحنا فرصة إعادة اكتشاف أنفسنا، وفرصة إعادة بناء علاقتنا بالعالم حولنا.

الخيانة في جوهرها ليست مجرّد فعل ضدّ شخص، بل هي فعل ضدّ فكرة أسمى، ضدّ تصوّرنا عن الأمن النفسي وعن الامتداد البشري الذي اعتدناه. 

لذلك، يبدو الألم أكثر كثافةً حين يأتي من قلب كان يعرفنا، ويعرف تفاصيلنا الصغيرة، ويقرأ فينا ما لا نجرؤ نحن على قوله. كل خيبة من هذا النوع تصبح ذكرى مضاءة بالحزن، لكنّها أيضاً تصبح مرجعاً لا يمكن تجاهله لتقدير قيمة الثقة، ولإدراك هشاشتها.

ربّما يكون الحلّ في موازنة الثقة، ليس بحجبها أو تقليصها، بل بفهم أنها ليست امتداداً مطلقاً للوجود، بل هبة قابلة للتقدير، تستحقّ الحذر والمراقبة. 

المرء الذي يفهم هذا الفارق يعيش بعينَين مفتوحتَين، يرى الآخرين كما هم، لا كما يتمنّى أن يكونوا، ويمنح قلبه ما يستحق، ويحميه من الانكسار غير الضروري.

ومع ذلك، يظل القلب شفافاً، يرفض أن يصبح صخرةً قاسيةً أمام الجميع، لأنه يعرف أن في كل قلب هناك ما يستحقّ الثقة، وأن العلاقات الإنسانية، مهما كانت محفوفةً بالمخاطر، تبقى نسيجاً حيوياً لا غنى عنه في حياتنا.

تجربة الثقة بمواجهة الخيانة ليست مجرّد سلسلة أحداث، بل هي رحلة اكتشاف للذات وللآخر، رحلة تعلمنا أن نعطي بلا شروط، ولكن أيضاً أن نحمي ما نمنحه. 

إنها حكاية مستمرّة، لا تنتهي بخيبة واحدة، بل تمتدّ لتعلّمنا الانفتاح بحذر، والحذر بانفتاح، لتصبح الثقة فعلاً واعياً، لا مجرّد نزوة عابرة. فالثقة، في النهاية هي مرآة الرحمة والجرأة الإنسانية، وهي الاختبار الحقيقي لما نملك من قوة داخلية تسمح لنا بأن نحبّ ونعطي، حتى حين نعلم أن الطريق قد يحمل لنا ألماً لا يمكن تجنبه.

الاثنين، 9 يونيو 2025

لابوبو.. وعقلية القطيع!

 لابوبو.. وعقلية القطيع!

سعدية مفرح

دمية بلا ملامح واضحة، لا ذكاء في تصميمها، ولا جمال في صناعتها، ولا حتى قصة خلفها تُروى. ومع ذلك، اجتاحت الأسواق كالإعصار، واقتحمت أرفف المحال، وتسللت إلى غرف الأطفال، بل حتى إلى قلوب الكبار. اسمها؟ لابوبو. وما لابوبو هذه إلا مجازٌ صارخ لعقلية القطيع في أبهى تجلياتها.

في البدء، لم تكن “لابوبو” شيئًا يُذكر. دمية عادية، برأس كبير وجسد صغير، لا تمتاز بشيء سوى أنها ظهرت في الوقت المناسب، وسط جيل يبحث عن ضجة تُخرجه من صمته، أو نكتة يتداولها ليشعر بوجوده. شيئًا فشيئًا، بدأت تنتشر. 
لم يكن انتشارها نتيجة إعلان ذكي، ولا حملة تسويق عبقرية، بل بفعل التقليد الأعمى وحده. 
شخص ما التقط لها صورة، كتب تعليقًا ساخرًا، ثم شاركها… ففعل الآخرون مثله. وهكذا بدأت الدمية تتحول إلى ظاهرة.

لكن أيّ ظاهرة هذه؟ وما الذي يجعل الناس يحتشدون حول منتج لا يملك أي قيمة جمالية أو فكرية أو حتى ترفيهية تُذكر؟ 
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية… حكاية عقلية القطيع.

عقلية القطيع ليست مفهومًا نفسيًا مجردًا فحسب، بل هي سلوك يومي نراه يتكرر في المشهد الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، وحتى الاستهلاكي. 
إنها لحظة يتخلى فيها الإنسان عن فردانيته، عن حسّه النقدي، عن بصيرته، ليذوب في اختيارات الجماعة، خوفًا من أن يُقال عنه: “غريب”، أو أن يُتهم بأنه لا يواكب “الترند”. ولأننا نعيش في زمن تهيمن فيه خوارزميات الشهرة على قراراتنا، يصبح اللاشيء، فجأة، كلّ شيء!

اللافت أن “لابوبو” لم تدخل قلوب الناس من باب الحاجة، بل من باب الضحك والاندهاش. 
شيءٌ يُشترى فقط لأن الجميع اشتراه، ويُهدى فقط لأن الجميع أهداه. 
وكأن لسان حال الناس يقول: “لا نعرف لماذا نحبها، لكن لا نريد أن نكون وحدنا خارج الدائرة”. 
وفي هذا الاختيار التافه، تكمن مأساة كبرى: لقد صار الذوق الجمعي هشًّا، يُقاد كالغنم، يلهث خلف أي “صرعة” جديدة دون مساءلة، دون تأمل، دون تفكير.

قد يرى البعض أن الموضوع بسيط، وأن الأمر لا يعدو كونه موضة تافهة ستمرّ كما مرّ غيرها. 
لكن المسألة أخطر من ذلك بكثير. “لابوبو” ليست مجرد دمية. 
إنها تجلٍّ صارخ لعصر يتعطل فيه العقل أمام “الترند”، وتُستبدل فيه الأسئلة الجادة بتفاهات الشاشة، ويصبح السائد مقدّسًا لمجرد أنه سائد.

اللافت أيضًا
أن هذا النوع من الظواهر ينجح دومًا في المجتمعات التي تعاني من فراغ روحي أو ثقافي. فحين يغيب المشروع الثقافي الحقيقي، تملأ الفراغ دمية. 
وحين تغيب القدوة، يصبح أي شيء محط أنظار. 
في غياب المعنى، تصبح “لابوبو” هي المعنى!

أليست هذه مفارقة؟ أن نخاف من أن نُتّهم بالاختلاف، فنتماهى مع “دمية” خاوية، وأن نشتريها لا لأننا نحبها، بل لأننا لا نريد أن نبدو وحدنا؟ أليس هذا قمة القطيعية؟

لكن لا شيء يُخيف “القطيع” أكثر من الفرد الحر. 
ذلك الذي لا يشتري لأن الآخرين اشتروا، ولا يضحك لأن الجميع يضحك، ولا يصفّق لأن الصفّ كله يصفّق. 
الفرد الحر ليس بالضرورة غريبًا، لكنه يتمسك بحريته في الرؤية والاختيار. 
يراقب من بعيد، يبتسم أحيانًا، يعارض غالبًا، ويصمت حين يكون الصمت موقفًا.

وهكذا صارت “الدمية” رمزًا، والمعنى زينةً سطحية، فأصبح التفكير فعلًا ثوريًا. أن تقول “لا” حين تصرخ الجموع بـ ”نعم” هو الشجاعة بعينها. أن تتأمل قبل أن تنفعل، أن تسأل قبل أن تُساير، أن تتريّث قبل أن “تشارك”… 
كلّ ذلك مقاومة راقية لعقلية القطيع.

لسنا ضد الضحك، ولا نُحرّم التسلية، ولا نجرّم الظواهر الطريفة. 
لكننا نخاف أن يتحوّل المرح إلى فخ، والموضة إلى سجن، والدمية إلى مرجعية. 
نخاف من لحظة يصبح فيها الإنسان مجرد مستهلك لما يُقدَّم، دون أن يسأل نفسه: لماذا؟ ولأجل مَن؟ وماذا بعد؟

لابوبو ليست العدو، لكنها الجرس.

والجرس لا يُخيف إلا النائم.

فهل نُفيق؟ أم نُكمل الحكاية… كدمى؟

الأربعاء، 22 يناير 2025

غزّة الآن... البوصلة والمرآة

 غزّة الآن... البوصلة والمرآة

سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية  

لا هي خرافة ولا أسطورة، لكنها حقيقة تتجلّى كل يوم.

غزّة، تلك البقعة الضيقة التي تكاد تضيق بما وبمن تحمل، لكنها تسع ما لا يسعُه الخيال. 

اليوم، وبعد طوفان الأقصى، تبدو كما كانت دوماً: حاضرة كخنجر في خاصرة الاحتلال، وغائبة عن ترف الزمن العربي، لا تعرف التراخي، ولا تملك رفاهية الانتظار.

غزّة، التي لا تهدأ، تنبض بالحياة وسط ركام الموت، فتكتب بدمائها تاريخاً لا يجرؤ أحد على نسيانه. هي مرآة للكرامة، وشاهد على أن الشعوب حين تقرر الحياة، تنتزعها من بين أنياب المستحيل. 

وغزّة التي خرجت من تحت الحصار لا تكتفي بالنجاة، بل تبعث رسائل إلى العالم أجمع، تقول فيها إن الحرية تُنتزع ولا تُمنح، وإن الكبرياء ليس شعاراً يُرفع، بل قصة تُروى بأرواح الشهداء، وصبر الثكالى، وصلابة المقاومين.

بعد "طوفان الأقصى"، وقبله، ودائماً، تبقى غزّة غارسة جذورها في الأرض، تواجه الزلازل بأطفالها الذين يحملون الحجارة كأنها رايات، وبنسائها اللواتي يعلّمن العالم أن البطولة ليست حكراً على الرجال، فهي المدينة التي لا تُقاس بمساحتها، بل باتّساع قلبها وقدرتها على حمل جرحها الكبير من دون أن تنحني.

في كل عدوان، تُثبت غزّة أنها ليست مجرّد رقم في نشرات الأخبار، ولا هامشاً في خطب السياسيين. بل قلب القضية، وروحها التي تنبض، رغم كل محاولات الخنق، وحكاية المقاومة، تلك التي لا تموت لأن الأمل يسكنها، ولأن الإيمان بعدالة الحق يُضيء طريقها حتى في أشد اللحظات عتمة.

غزّة، إذن، ليست مدينة على الهامش، إنها المركز الذي يدور حوله العالم، فمن أزقّتها التي ضاقت بالوجع، ومن شوارعها التي امتزجت بدماء الشهداء، تولد الحكايات التي تنقل للآخرين خارجها أن القوة ليست في السلاح وحسب، بل في الإرادة التي لا تعرف الانكسار. 

ولذلك ستبقى كما كانت دوماً، خارجة من بين الأنقاض كالعنقاء، شاهدة على أن الحرية تُستحق بقدر ما تُقاوم من أجلها.

وربما لهذا كله، بقيت غزّة وحدها في وجه العاصفة، لا تكترث بما يُحاك ضدها من الأعداء، ولا تلتفت إلى خناجر الأعدقاء التي تُغرس في ظهرها. 

هي تعرف جيداً أن الصمود ليس سلعة تُباع أو تُشترى، بل هو إرث الكرامة الذي لا يفرّط فيه الشرفاء. 

لا تُزعزعها أصوات التشكيك التي تتحدّث عن الخراب والدمار، ولا تُضعفها المقارنات الظالمة التي تختزل نصرها الأسطوري بعدد الشهداء وآثار الدمار. ذلك أنها تدرك أن الطريق إلى الحرية مليء بالأشواك، وأن من يقيس النصر بمقدار الألم، لم يفهم أبداً معنى التضحية.

وهكذا تصيغ معادلتها كبوصلة؛ حين ينفض العالم يديه، وحين يحاول بعضهم تقزيم صمودها إلى مجرّد مأساة، تقف لتقول: "أنا لست مأساة، أنا ملحمة".

هي تعرف أن الحصار ليس فقط على الأرض، بل هو حصار فكري وروحي، تُفرض عليها أسواره من القريب والبعيد. ومع ذلك، تأبى أن تكون جزءاً من معادلات الاستسلام، أو أن تتخلى عن مبادئها في مقابل القليل من الراحة. تُحاصَر، لكنها تحاصِر بدورها كل محاولات النسيان، وكل رغبة في قتل الحلم الفلسطيني الذي يسكن قلوب الأحرار.

غزّة ليست معنية بإرضاء العالم الذي ينظر إليها بعين الشفقة أو الغضب. 

هي لا تنتظر الإنصاف ممن لا يفهمون أن حرّيتها أغلى من حسابات الخسائر والأرباح. في وجه الحصار، تبني قوتها. وفي وجه التجاهل، تصرخ بأفعالها قبل كلماتها، أن النصر الحقيقي لا يُقاس بموازين الأرض، بل بقدرة الروح على البقاء حرة، رغم كل محاولات الانكسار.

وغزّة، التي لا تتراجع، أصبحت مرآة تكشف الوجوه الحقيقية. 

في صمودها العنيد، فضحت كل من تخلّى، ومن أدمن الشعارات الفارغة من دون أن يخطو خطوة واحدة نحو الفعل. 

في وقتٍ اجتمع فيه العالم ليطوّقها بالمؤامرات والحصار، كشفت عن معدنها الأصيل، وعن هشاشة من يدّعون الصداقة وهم يلتفون عليها كالأفاعي، يثرثرون عن الحلول بينما يتجاهلون دماء أبنائها التي تُسطر الحرية حرفاً حرفاً.

غزّة بوصلة لكل من ضلّ الطريق، تخبر المقاومين أن النصر ليس لحظة عابرة ولا صورة تُلتقط. 

النصر هو القدرة على الصمود رغم كل الخذلان، أن تبقى واقفاً حين يظنّ الجميع أنك ستنهار. 

في وقت سقط فيه أصحاب النفس القصير، الذين تاجروا بالمقاومة وجعلوها ورقة في جيوبهم، تواصل غزّة معركتها بروحٍ طويلة، لا تساوم ولا تتنازل، مؤكدة أن الحرية لا تُجزّأ، وأن الكرامة لا تُباع على موائد المفاوضات.

أما الذين ظنّوا أن صمود غزّة سيجعلها تهرع لطلب الرضا، فقد خابت حساباتهم. 

غزّة لا تنتظر وساماً من أحد، ولا اعترافاً من الذين باعوا قضيتهم على أبواب العواصم الباردة. 

هي تعرف جيداً أن معركتها ليست فقط مع الاحتلال، بل مع النيات الخبيثة التي تحاول تسريب اليأس إلى قلبها. ومع كل عدوان، ومع كل مؤامرة، تظل غزّة تصرخ في وجه العالم: 

"أنا الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها، وأنا الطريق الذي لن يضلّه إلا من اختار الخيانة".

الأربعاء، 15 يناير 2025

كلنا كذّابون

 كلنا كذّابون.


سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية 

يا عزيزي كلنا كذّابون.

قد يبدو هذا الادّعاء صادماً، لكنه يحمل، في أعماقه، حقيقة مريرة ومثيرة للتأمل، حقيقة تمشي بيننا خفيةً، تتسلّل إلى ألسنتنا وأفعالنا من دون استئذان، وكأنها جزءٌ من الطبيعة البشرية لا فكاك منه. فلماذا يكذب الإنسان؟ ما الذي يدفعه إلى الانحراف عن درب الحقيقة، ذلك الدرب الذي ندّعي جميعاً أننا نسلكه؟ وهل الكذب فعل شنيع محض، أم أنه أحياناً وسيلة دفاعية تبررها الحياة بكل قسوتها وتعقيداتها؟

الكذب هو الطفل الأول للخوف. منذ اللحظة التي يخشى فيها الإنسان العقاب أو المواجهة، تنبثق الكذبة الأولى كحبل نجاة. الطفل الذي ينكر ما اقترفته يداه، والعاشق الذي يخفي ضعف قلبه تحت قناع القوة، والسياسي الذي يجمّل الحقائق ليخفي وراءها خيباته. كلهم يشتركون في شيء واحد: الخوف من الحقيقة، تلك الحقيقة التي قد تحمل في طياتها ألماً لا يُحتمل أو حكماً قاسياً من الآخرين. والخوف أقدم أعداء الإنسان وأكثرهم قدرة على صناعة الأكاذيب.

لكن الكذب لا يولد فقط من رحم الخوف، بل يخرُج أحياناً من عمق الرغبة. الرغبة في أن نكون أفضل مما نحن عليه، أن نحصل على الحب والإعجاب والقبول. حينها يتحوّل الكذب إلى صورة أقرب ما تكون إلى الفن، لوحة مرسومة بحرفية لنخدع بها الآخرين، وربما أنفسنا أيضاً. 

كم مرّة كذبنا لنبدو أجمل، أذكى، أكثر نجاحاً؟ وكم مرّة غلفنا كذبنا بورقة شفافة من الأحلام، لنقنع أنفسنا بأن ما نقوله حقيقة مؤجلة؟

وفي أحيان أخرى، نجد الكذب وقد لبس عباءة الفضيلة، ليصبح سلاحاً يُستخدم بحجّة حماية الآخر. الزوج الذي يخفي مرارة فشله عن زوجته، الأم التي تتظاهر بالسعادة لتمنح أطفالها دفء الاطمئنان، الصديق الذي يكتم حزنه في وجه صديقٍ آخر مثقل بالهموم. هنا، يتحوّل الكذب إلى تضحية غريبة، إلى جسرٍ يُبنى من الأوهام ليحمي الأحبة من الغرق في الحقيقة المؤلمة.

لكن، هل يمكننا حقاً تبرير الكذب؟ قال أفلاطون يوماً إن الحقيقة هي الفضيلة الكبرى، وأن الكذب ينتمي إلى عالم النقص والضعف. بينما ذهب نيتشه إلى أبعد، واعتبر الكذب من فنون الإنسان، ضرورة تُمكّنه من التعايش مع واقع قاسٍ يعجز عن مواجهته. وبين هذين الرأيين، تقف فلسفة الكذب متأرجحة. هل الكذب ملاذ الجبناء أم لعبة العباقرة؟

إننا حين نتأمل حياة البشر نجد الكذب حاضراً في كل زاوية.

حتى الأدب، هذا العالم السحري الذي يُفتن به الإنسان، أليس إلا شكلاً آخر من أشكال الكذب؟ الروايات التي نحبّها، الشعر الذي يسحرنا، كلها حكايات قد لا تحمل شيئاً من الحقيقة، لكنها تلامس أرواحنا وكأنها أصدق ما يكون. هل نلوم الكاتب لأنه كذب علينا، أم نشكره لأنه أعاد تشكيل العالم بطريقة أكثر احتمالاً؟

ولكن مهما بدا الكذب ضرورة في بعض الأحيان، فإنه يحمل في طياته كلفة باهظة. كذبة واحدة قد تهدم علاقة بُنيت على الثقة، وقد تترك جرحاً غائراً في قلب من صدّقها. الكذب، مهما كانت دوافعه، يترك وراءه أثراً لا يُمحى، أشبه بنُدبةٍ على وجه الحقيقة.

وإذا ما فكّرنا في عالم بلا أكاذيب، يبدو لنا حلماً بعيد المنال. الحقيقة ثقيلة، والكذب أحياناً مجرّد محاولة للتخفيف من وطأتها. لكن الإنسان الذي يختار الكذب يضع نفسه في مأزق أبدي، بين راحةٍ مؤقتةٍ وألم دائم. إننا نكذب لأننا بشر، ضعفاء، خائفون، طامحون، عاشقون للقبول، راغبون في حياة أجمل مما نعيشها.

الكذب، إذن، ليس سوى انعكاس لهشاشتنا الإنسانية. إنه مرآةٌ نرى فيها خوفنا من المواجهة، شوقنا للحب، ورغبتنا في النجاة من قسوة الحقيقة. لكن المرآة ذاتها تدعونا إلى التأمّل: هل نملك الشجاعة لترك الكذب جانباً؟ هل يمكننا أن نصمت عند رغبتنا في الكذب، ونسمح للحقيقة أن تتحدّث بدلاً منا؟

قد يبدو الكذب حلاً سريعاً، لكنه يظلّ ندبة غائرة في ضمير المرء. وكلما حاولنا تبريره ازدادت المسافة بيننا وبين الحقيقة. ربما نحن جميعاً كذابون، بنسب متفاوتة، لكننا أيضاً، في أعماقنا، باحثون عن حقيقةٍ ما، حقيقة تنقذنا من أنفسنا. في لحظة صدق نادرة، ندرك أن الخطوة الأولى نحو الحقيقة تبدأ من الاعتراف: أننا ضعفاء، أننا نخاف، لكننا، في النهاية، نسعى، بكل ما نملك من شجاعة، إلى أن نكون صادقين.


الخميس، 2 مايو 2024

"قناع بلون السماء"... جائزة بطعم المُقاومة

"قناع بلون السماء"... جائزة بطعم المُقاومة

CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح



كتب باسم خندقجي روايته "قناع بلون السماء"، وهو في السجن، بعيداً عن أعين سجّانيه الصهاينة، على ما تيسّر له من قصاصات ورقية وكرتونية، وهرّبها صفحةً بعد صفحة، لتنشرها دار الآداب في بيروت، ثمّ لتفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر). وبدلاً من أن يتسّلم جائزته حُرّاً ويفرح بها بين أهله ومُحبّيه وقُرّائِه، استدعته في ذات الليلة إدارة السجن، الذي يقبع فيه منذ 20 عاماً، لتحكُم عليه بسجنٍ انفرادي، إضافة إلى غرامة ماليّة جديدة، عقاباً له على الكتابة ثم الفوز (!)

عندما أُعلن فوز الرواية بالجائزة، متفوّقةً على 133 رواية تقدّم أصحابها للجائزة، خَشيتُ أن يكون الفوز لأسبابٍ تتعلّق بظروف كاتبها المُعْتَقَل، باسم خندقجي، والتعاطفِ معه في ظلّ ما تمرّ به القضية الفلسطينية من مُنعطفاتٍ قاسيةٍ وحادّةٍ مُتمثّلةً في العدوان على غزّة، منذ نصف سنة، لأنّي لم أكن قد قرأت الرواية بعد، مع أنّي قرأت الروايات الأخرى التي وصلت إلى القائمة القصيرة معها، ولهذا اتجهت منذ إعلان النتيجة إلى قراءتها، فانتهيتُ منها خلال جلستين، لأصل إلى أنّه فوزٌ مُستحقٌّ، بغض النظر عن ظروف الكاتب ومنعطفات القضية، فقد ذهب خندقجي بفكرة الرواية بعيداً، وخارج أسوار سجنه، ليحلّق في خيال التجريب الذي حوّل من خلاله شابّاً فلسطينياً إلى شابّ "إسرائيلي"، بواسطة بطاقة هوّية وجدها في معطفٍ اشتراه من سوق للأغراض المُستعمَلَة، فمضى بتلك الهوّية يجرّب أن يعيش الآخر بكل جوارحه تقريباً، وأن يغوص في التاريخ بعيداً جداً حتى يصل إلى حقيقةٍ تُلقي بظلالها على ما يعانيه الفلسطيني اليوم في وطنه المُحتلّ. ومما يثير الدهشة أنّ المراجعات التاريخية الناقدة لخندقجي في الرواية دقيقة وواعية جداً، وهي ما تعكس حتماً حجم الجهد الكبير الذي بذله في القراءة في ظروف السجن الصعبة، طوال عقدين، ليصل بالفكرة التاريخية لروايته إلى هذا الحدّ من الأصالة والعمق.

وأتّفق مع لجنة التحكيم، التي وصفت الرواية بأنّها "متعدّدة الطبقات، يميّزها بناء الشخصيات، والتجريب واسترجاع التاريخ وذاكرة الأماكن". وأتفق مع رئيس لجنة التحكيم، الروائي والناقد الكبير نبيل سليمان، حين يقول: "يندغم في (قناع بلون السماء) الشخصي بالسياسي، في أساليب مبتكرة. روايةٌ تغامر في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مُفكّكاً الواقع المُعقّد المرير، والتشظّي الأسري، والتهجير والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبضُ الإنسانيُّ الحارُّ ضدّ التخوين، كما توقّدت فيها صبوات الحرية والتحرّر من كل ما يشوّه البشر، أفراداً ومجتمعاتٍ. إنّها رواية تُعلن الحبّ والصداقة هوّيةً للإنسان فوق كل الانتماءات".

وباسم خندقجي، المحكوم بالسجن المؤبّد لدى الاحتلال، مرّات ثلاث، بتهمة المشاركة في عملية أدّت إلى مقتل ثلاثة صهاينة، اعتقل وهو في آخر سنة دراسية له في كلّية الإعلام والصحافة، في 2004، لكن الاعتقال لم يكسر حُلُمَه ولم يقتلْ موهبته في الكتابة، فسبق أن كَتَبَ كُتُبَاً عدّة، خرجت إلى الحرّية بينما بقى مُبْدِعُهَا داخل السجن، منها ديوانان: "طقوس المرّة الأولى" (2010)، و"أنفاس قصيدة ليلية" (2013)، وأربع روايات: "مسك الكفاية" (2014)، و"نرجس العزلة" (2017)، و"خسوف بدر الدين" (2019)، و"أنفاس امرأة مخذولة" (2020)، إضافة إلى الرواية الفائزة "قناع بلون السماء" (2003). وهو ما يُؤكّد أنّ الكتابة لدى خندقجي ليست مجرّد هواية أو موهبة، وإنّما أداةَ مقاومةٍ ونضالٍ حقيقيّ ضدّ الاعتقال والاحتلال والعزلة والنسيان. الحرّية والمجد لك يا باسم.


الأربعاء، 24 أبريل 2024

ما الذي فعلته نعمت شفيق؟

 

ما الذي فعلته نعمت شفيق؟

سعدية مفرح

ما الذي يحدُث في أروقة جامعة كولومبيا الأميركية وساحاتها هذه الأيام؟... كما هي عادة الطلاب الأحرار في كلّ زمان ومكان، ينتفض طلابُ هذه الجامعة العريقة للتضامن مع غزّة في محنتها الراهنة، والمستمرة منذ "7 أكتوبر" (2023)، تنديداً بالعدوان الإسرائيلي وتبعاته القاسية. ورغم أنّ حراك طلاب جامعة كولومبيا سلمي مُعتاد في معناه، يدعو فيه الطلبة إدارة الجامعة إلى عدم التعامل مع "إسرائيل" مالياً وأكاديمياً، وفي إطار الحرّيات التي توفّرها الولايات المتحدة لرعاياها في كلّ مكان، فإنّه لم يُعجب رئيسة الجامعة، نعمت شفيق، التي لم تحتمل ما يحدُث، فحاولت غير مرّة إيقاف الحراك بوسائل غير معتادة وغير مشروعة، ما جعلها عرضة لانتقادات الطلبة والأساتذة على حد سواء، خصوصاً أّنها فعلت في السابق ما لم يجرؤ على فعله رئيس أي جامعة أميركية.

لم تكتفِ نعمت شفيق، رئيسة الجامعة المرموقة، بمحاولة قمع طلبة الجامعة الثائرين من أجل غزّة ، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فسخّرت كلّ جهودها لخيانة القيم الأخلاقية المتعارف عليها في الصروح العلمية، إذ فصلت طلبة من الجامعة عقاباً لهم على قيادتهم التظاهرات، واستدعت الشرطة لتفريق باقي الطلبة المُحتجّين، المنتفضين ضدّ ما يفعله الصهاينة في فلسطين من جرائم غير مسبوقة، ما أدّى إلى توقيف أكثر من مائة طالب بتهمة معاداة السامية، وهي التهمة التي لفظها حتى الغرب، بعد أن اتضح أنّها مُجرّد أداة من أدوات الصهيونية للتغطية على جرائمها التاريخية المستمرة.

ويبدو أنّ نعمت شفيق، ذات الأصول العربية والثقافة الأميركية، لم تجد سوى أن تكون مَلَكيّة أكثر من الملك، وصهيونية أكثر من الصهاينة أنفسهم، ربما لظنّها أنّ ما تفعله سيحمي منصبها المُهم، أو لأنّها أرادت أن تنقل التجارب العربية التقليدية، على هذا الصعيد، إلى الفضاء الأميركي العام، فخرقت كلّ ما هو متعارف عليه في سياسات التعليم الأميركي الجامعي، الذي يوفّر للطلبة حرية بلا سقف في سبيل تهيئتهم للانخراط في النظام السياسي العام، القائم على الفكرة الديمقراطية.

لا أحد يدري أين ذهب عقل هذه الأكاديمية المرموقة علمياً، التي تتحدّث أربع لغات، وتحمل ما تحمل من شهادات، عندما قرّرت أن تكون أول رئيسة جامعة في أميركا تستدعي الشرطة لتعتقل طلبة الجامعة، بتهمة الاحتجاج السلمي على الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال الصهيوني في غزّة منذ أكثر من ستّة أشهر، خاصة أنّ ما فعلته لم يخدم فكرتها، بل من الواضح أنّ الاحتجاج الطلابي قد اتسعت رقعته منذ قرّرت قمعه، وبدأت العدوى تنتقل إلى جامعات أخرى، وبشكل يذكّر بالتظاهرات الطلابية الأميركية إبّان الحرب الأميركية الفيتنامية، قبل أكثر من خمسين عاماً. وهذا يعني أنّ شفيق خسرت أولاً، معركتها في وقف التظاهرات، ثمّ خسرت سمعتها الأكاديمية، التي تبخّرت فجأة، بعد أن أصبحت خائنة لكلّ قيم الحرية؛ المادة الخام التي تَصنع منها الجامعات أهميتها الأكاديمية، على صعيد البحث والتعبير عن الرأي. وأخيراً خسرت تاريخها الشخصي أوّل امرأة عربية تتبوّأ هذه المكانة الأكاديمية المرموقة، على رأس واحدة من أهم الجامعات في العالم. ولا أظن بعد ذلك أنّها ستحظى حتى بتقدير الصهاينة أنّفسهم، خصوصاً بعد أن جعلت، من حيث لا تريد ولا تقصد، قضيّة غزّة قضيّة معظم الطلبة في جامعات الولايات المتحدة.

ومن يدري؟... ربما تكون الشرارة التي أشعلتها هذه السيدة بداية سلسلة من النيران، ستشتعل في أماكن أخرى بالولايات المتحدة، والعالم أيضاً، في سبيل وقف العدوان الصهيوني على غزّة. ومعظم النار من مستصغر الشرر.

الأربعاء، 10 أبريل 2024

لا عيد وغزّة هناك وحدَها

 

لا عيد وغزّة هناك وحدَها




سعدية مفرح



لا عيد... وغزّة ما زالت تعاني منذ ستة أشهر كاملة من القصف والقتل والتدمير والتجويع والتهجير. لا عيد... وغزّة ما زالت في محنتها الكونية وحدها بمواجهة آلة احتلال غاشم لا يريد سوى الدم، تسانده قوى عالمية منحازة للظلم ضد العدالة وللمحتلّ ضد أصحاب الأرض وللموت ضد الحياة! لا عيد... وغزّة عاصمة الضمير، تعاني من كل شيء وتقيم وأدها بكثير من المقاومة والصبر بما يتوفّر لها من وسائل. لا عيد... وأهل غزّة ما بين شهيد ومصاب ومعتقل ومفقود ومهجر وجائع وضائع... والعالم كله يشهد ولا يحرّك سوى القليل من سواكنه انتصاراً للمظلوم. لا عيد... وأهل غزّة وحدهم في الفراغ الهائل يقاومون من أجل البقاء على قيد الحياة والحرية والحق والأرض. لا عيد... والمعبر الوحيد المؤدّي إلى غزّة مغلق إلا قليلا، والذاهبون إليها عائدون قبل الوصول بالخيبة إلا قليلا.

لا عيد... والأنظمة التي كانت تتدثر ببيانات الشجب والتنديد والاستنكار وحدها كفّت حتى عن ذلك، وعادت لتواجه شعوبها باللامبالاة وكأن شيئاً لا يحدُث منذ ما يزيد على ستة أشهر!. العيد فرح ولا يمكن لمعنى الفرح أن يتكوّن في النفس، ونحن نرى كل هذا الدمار مستمرّا وبلا توقف.

أسر كاملة أبيدت. لم يعد يحمل اسمَها أحدٌ في غزّة على قيد الحياة، وأسر أخرى فقدت ما فقدت من أبنائها ودمّرت المنازل في كثير من مناطق قطاع غزّة ومدنه بالكامل. لا مأوى ولا سكن سوى خيام مهترئة لا تكاد تقي من شمسٍ أو مطرٍ أو رياح، وهي مع هذا لا تتوفّر للجميع.

كثيرون اضطرّوا للعيش في العراء أو فوق أنقاض منازلهم المتهدّمة وتحتها. وآخرون استغلوا كل ما يمكن أن يكون مأوى؛ بقايا مدارس، أجزاء من مساجد، جانباً من حديقة حيوانات، وحاويات كرتونية وغيرها.

ستة أشهر من الحرب المدمّرة أكلت كل شي تقريبا في غزّة، ولكنها لم تستطع أن تقترب من صبر الفلسطيني أو تفقده شيئاً من عزيمته القوية وإرادته الحرّة.

مشاهد لا تكاد تصدّق لولا أنها حقّ، تصوّر بشرا فقدوا كل شيء. ولكنهم مصرّون على الصمود والمقاومة واستدراج الفرح القليل بأبسط ما يتوفّر لهم. يعيدون تدوير المواد القليلة المتاحة بما يساعدهم على البقاء والصمود. يتقاسمون ما يصل إليهم من مساعدات قليلة من الخارج، يؤثرون على أنفسهم رغم ما بهم من خصاصة، ولا يتنازلون عن عزّة النفس ورباطة الجأش، وخصوصاً أمام أطفالهم الشجعان بدورهم والذين كبروا خلال الأشهر الستة سنواتٍ وسنوات، فلم يعودوا أطفالاً ولم تعد أحلامهم تنتمي لعالم الصغار!

عندما أشاهد بعض المقاطع الآتية من هناك، وفيها يحتفي أهل غزّة بالحياة رغم حالة الموات الشامل حولهم، أجدّد إيماني الكامل بانتصارهم أخيراً على المحتلّ الصهيوني، عاجلاً أم آجلاً. بل إنهم منتصرون فعلاً رغم كل شيءِ يحدُث لهم الآن. 

والمشاهد كثيرة؛ أطفال يتحلقون حول سيدة تعلمهم ما فاتهم من دروسٍ بسبب الحرب، جلوساً تحت أنقاض بيت من بيوت غزّة، آخرون يلعبون كرة قدم في ساحة مدرسةٍ لم يبق منها إلا جدران قليلة، مجموعة أخرى تحاول حفظ أجزاء من القرآن الكريم بإشراف شيخ فقد كل شي، وأقعى على ركبته لتحفيظ هؤلاء الأطفال ما يحفظه من آيات.

يحاولون أن تكون الحياة طبيعية وما هي بطبيعية. الحرب نقيضُ الحياة، وإن كانت ضرورة أحيانا، ولكنها في الحالة الفلسطينية قدرٌ وجودي لا فكاك منه حتى النصر الأخير ، وحتى العيد الحقيقي... قريباً بإذن الله تعالى.

الاثنين، 18 مارس 2024

أولوياتنا المتغيرة.. من كورونا إلى غزة!

 أولوياتنا المتغيرة.. من كورونا إلى غزة!

سعدية مفرح

وأنا أتابع أخبار غزة والمشاهد التي تصلنا من هناك لا أكاد أصدق أننا في الطريق إلى تجاوز الأمر باعتباره مجرد أزمة وتعدي أو أزمة وعدت.

لا أريد أن أغادر كل ذلك وهو لم ينته بعد.

كل شيء ما زال طازجا ساخنا وشديد المرارة بالحلق. السكين الصهيوني يقطر دما، والوجع الفلسطيني مستمر كالعادة، ونهر الدماء يسير في كل مدن القطاع، حتى أن الحزن على الراحلين أصبح ترفا لا يمارسه أو ربما لا يعبر عنه إلا أولئك الذين يعيشون الحدث بعيداً عن سخونته الحارقة أو مركزه في قلب غزة.


القلق الساكن في عيون الكبار والهلع الذي تشي به عيون الأطفال، والرعب الذي تعبر عنه نظراتهم، وصرخات الألم، وتأوهات الجوع، والتيه الكبير الذي يعيشونه في خضم الحرب. وكل شيء عرفه العالم طوال الشهور الماضي في غزة ما زال ويزيد.


 أما الحرب التي تصدت لها «المقاومة» بكل شجاعة وبسالة وتحملت تبعاتها الصعبة لأنها تدرك أن ذلك هو الطريق الوحيد والطبيعي للحرية وطرد المحتل والعيش بسلام حقيقي، وبالتالي لا ينبغي أن يكون مجرد خيار مؤقت، فهي مستمرة على كل حال، ومع هذا فالضوء قد خفت، وكثيرون قد اختاروا أن يخفضوا الصوت من أجهزتهم!.

عندما غرق العالم قبل سنوات قليلة بأزمة كورونا تغيرنا فجأة، تغير ترتيب الأولويات لدينا ولم نعد نفكر ربما إلا بصحتنا وصحة من نحب. 

حتى إننا تخلينا عن الكثير من ترف الاختيارات المعيشية السائدة، أيامها ظننا أننا تغيرنا إلى الأبد، لكن ما أن اختفى شبح كوفيد تدريجياً من حياتنا حتى عدنا أو عاد الكثير منا الى ما كان الوضع عليه بالسابق. 

وأصبح زمن كورونا مجرد زمن منته، بأحداثه ومراراته التي تحولت الى ذكريات، أما قراراتنا فقد توقفت عند كثير منا، وجاءت غيرها تعويضا عما كنا نظن أنه الحرمان الكبير من كل شيء جادت به الأيام بصحبة الآخرين واستهلاكا لكل ما يغذي الشره البشري المشهود.


ويتكرر الآن السيناريو ولكن هذه المرة على صعيد أصغر قليلا، باعتبار أن الحدث الجديد لا يهم سوى فئة قليلة مقارنة بالعالم كله أيام كورونا.

حرب غزة التي عشناها، عن بعد بما نسمع ونقرأ ونشاهد ونتابع، غيرتنا الى الأبد. أو هكذا كنا نعتقد. ورغم أنها لم تنته بعد، ورغم أن القصف ما زال مستمرا، والموت تضاعف عن حجمه في الايام الأولى والتهجير أصبح هو القاعدة، والجوع صار أمرا مفروغا منه، إلا أننا بدأنا نلاحظ ما يشبه الانسحاب المشاعري عن الحدث المركزي نحو هوامش قديمة وأخرى استجدت. 

لم أعد ألاحظ أن الوسوم المتعلقة بما يجري في غزة تتصدر منصات التواصل الاجتماعي كما كان الوضع قبل أربعة شهور على سبيل المثال، فقد انزوت لصالح أحداث يومية لا ترقى لمستوى الموت على سبيل المثال.  

لم تعد غزة هي العنوان في كل حدث أو حديث. ولولا قلة ما زالت ترى غزة عاصمة للعالم منذ السابع من أكتوبر الماضي، لتحول العنوان الكبير المنشور على ثمانية أعمدة في وجه الواقع الى خبر منزو يذيل الصفحات المنسية وحسب. 

وهو ما يتطلب جهدا مضاعفا من هذه القلة المؤمنة بأن لا شيء قد تغير في الواقع الفلسطيني بغزة بل إن الامور تتجه إلى الأسوأ من دون أن يعني ذلك التقليل من قيمة الصمود الفلسطيني الأسطوري بوجه آله القتل الصهيونية، وبالتالي لا مبرر لأي تغيير لغير صالح أهل غزة في الداخل.  

وإذا كانت فترة كورونا قد تلاشت لأن الفيروس نفسه قد انحسر، فإن الفيروس الصهيوني ما زال مستمرا في سياسته في القتل والتدمير والتهجير، بل إنه أصبح يضاعف جرعات هجومه وازدادت بشاعته استغلالا منه لانشغال العالم عن جرائمه، إما بسبب الاعتياد أو اليأس أو حتى الملل!.