‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستعمارالامريكي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستعمارالامريكي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

وصاية دولية على المقاس الإسرائيلي.. قراءة في القرار الأمريكي/ الدولي لتصفية فلسطين

وصاية دولية على المقاس الإسرائيلي.. 
قراءة في القرار الأمريكي/ الدولي لتصفية فلسطين
ساري عرابي






""منح إسرائيل الحق في احتلال أجزاء من غزّة بلا نهاية واضحة"              

 تحيي الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن، وبدعم من الدول العربية، نظام الوصاية من جديد، باعتماد مشروع قرار أمريكي يفرض مجلسا للسلام لإدارة قطاع غزّة، ويتمتع بقوة إنفاذ مسلحة في إطار صلاحيات مجلس السلام. هدف مجلس السلام هذا بقوّته المسلحة، نزع سلاح المقاومة، وتدمير بناها التحتية، التي سماها بنى إرهابية، وتنظيم الانسحاب الإسرائيلي طويل الأمد من قطاع غزّة؛ وفق الرضا الإسرائيلي عن مستوى عمليات التدمير الممنهج للمقاومة في غزة، مع ضمان استمرار الاحتلال الإسرائيلي لما سماه القرار بالمحيط الأمني، الذي لا تحكمه أيّ أجندة واضحة لإنهائه، سوى القول إنّه "سيظل قائما إلى حين تأمين غزة على نحوٍ كافٍ من أي تهديد إرهابي متجدد"، مما يعني منح "إسرائيل" الحق في احتلال أجزاء من غزّة بلا نهاية واضحة.

ترتيبات الانسحاب مشروطة بالتقييم الإسرائيلي، والقوّة التابعة لمجلس السلام مشروطة بالعمل مع "إسرائيل" ومصر، وبالضرورة فإنّ القوة الشُرطية الفلسطينية، المزمع إنشاؤها، ستكون خاضعة للمنظومة نفسها، بما في ذلك لمبدأ العمل مع "إسرائيل".

ترتيبات الانسحاب مشروطة بالتقييم الإسرائيلي، والقوّة التابعة لمجلس السلام مشروطة بالعمل مع "إسرائيل" ومصر، وبالضرورة فإنّ القوة الشُرطية الفلسطينية، المزمع إنشاؤها، ستكون خاضعة للمنظومة نفسها، بما في ذلك لمبدأ العمل مع "إسرائيل"

القرار يفرض الوصاية على مجال السلطة الفلسطينية كله لا على غزة، إذ يربط استئناف أيّ مسار سياسي بالإصلاحات المطلوبة من السلطة، ويجعل هذا الاستئناف غير مؤكد بحسب صيغة القرار التي كانت بهذا النحو: "وبعد تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية على نحوٍ أمين وتقدّم أعمال إعادة تطوير غزة، قد تتوافر الشروط أخيرا لبلورة مسار موثوق نحو تقرير المصير وقيام دولة فلسطينية". وهذا المسار غير المؤكد استئنافه، حتى بعد حصول شروطه: "تنفيذ السلطة لبرنامج الإصلاح المطلوب منها، وتقدم إعادة تطوير غزة"؛ يستند في مرجعياته إلى خطة ترامب لعام 2020، التي سميت إعلاميّا "خطة القرن"، وهي الخطة التي رفضتها السلطة الفلسطينية في حينه، والمقترح السعودي الفرنسي، وبالرغم من ذلك فإنّ سفير الجزائر في الأمم المتحدة، وهي عضو مؤقت في مجلس الأمن، وممثل للمجموعة العربية، تحدث عن تعديلات عربية على القرار الأمريكي وصفها بأنها "تعديلات أساسية لضمان التوازن والنزاهة في النص"، منوها إلى دعم الدول العربية والإسلامية ودعم السلطة الفلسطينية لهذا القرار.

التعديلات العربية لا تطال أبدا المقترح الأمريكي بخصوص تصفية المقاومة في قطاع غزة، وتثبيت الهيمنة الإسرائيلية على قرارات مجلس السلام والقوّة المسلحة الملحقة به، وترتيب الانسحاب الإسرائيلي المنقوص وفق القناعات الإسرائيلية، ولكنه بالدرجة الأولى يتعلق بتضمين القرار نصوصا عن خطة سلام وعن تقرير المصير والدولة الفلسطينية، دون أن تتسم هذه النصوص بالجزم والإلزام، مع جعل الأمر محتملا، ومنوطا بالالتزام الفلسطيني بقرارات الوصاية الدولية، وهو الأمر الذي تحكم فيه "إسرائيل" حصرا، مما يجعل هذا التضمين كله محض شكليّ، وبما يحسّن الصورة العربية عند موافقتها على قرار من هذا النوع، ويحقق الغرض العربي/ الإسرائيلي المشترك بتصفية المقاومة في غزة، وهو قرار بالضرورة تدعمه باكستان، العضو المؤقت الآن في مجلس الأمن، وإحدى الدول الثماني الداعمة لخطة ترامب الأصلية، وإندونيسيا وهي واحدة من تلك الدول الثماني، وكذلك تركيا.

إنّ أحسن ما تمكنت الدول العربية والإسلامية مجتمعة من الوصول إليه هو تصفية المقاومة في قطاع غزة، بقرار دولي، وفي هذه الحالة ستُعزل المقاومة إقليميّا ودوليّا إن عاندت هذا القرار الدولي، وذلك بعد سنتين من الإبادة الواقعة على جميع الغزيين، وسنتين من الصمود الأسطوري للمقاومة الغزية المحاصرة، التي كانت بمجرد هذا الصمود تفيد الدول العربية والإسلامية بأنّ بالإمكان رفض الاستسلام للإبادة الإسرائيلية، ورفض الخضوع للهيمنة الأمريكية. بيد أنّ الواقع العربي والإسلامي كانت استفادته من الإبادة، والمقاومة الصامدة في قلبها؛ هي العكس تماما، فقد اتجه إلى تصفية المقاومة، وفصل قطاع غزّة عن الضفة الغربية، مقابل وقف الإبادة.

ما تمكنت الدول العربية والإسلامية مجتمعة من الوصول إليه هو تصفية المقاومة في قطاع غزة، بقرار دولي، وفي هذه الحالة ستُعزل المقاومة إقليميّا ودوليّا إن عاندت هذا القرار الدولي، وذلك بعد سنتين من الإبادة الواقعة على جميع الغزيين

منذ طرح ترامب خطته في أيلول/ سبتمبر الماضي لوقف الإبادة في غزة وتبنيها من الدول العربية والإسلامية الثماني، والمسار معلوم المآل، وخطته هذه هي مرجعية التنفيذ لمجلس السلام وقوته المسلحة بحسب القرار الأمريكي الذي جرى إقراره أخيرا في مجلس الأمن. لكن ومع وضوح هذا الأمر -أي تراوح الموقف العربي/ الإسلامي بين العةجز والتواطؤ- فقد تفاخرت دول عربية وإسلامية بدعمها للشعب الفلسطيني، وجهودها للتصدي لـ"إسرائيل" أثناء الإبادة، وتجند لترويج هذا الفخر العديد من الشخصيات والكيانات، وهو ما كان واضحا في الدعاية المصرية بخصوص مؤتمر "شرم الشيخ"، أو الدعاية السعودية بخصوص المقترح السعودي/ الفرنسي، أو الدعاية التركية التي تجد عادة في أوساط العرب والإسلاميين من يتكفل بالترويج لها. ومن اللافت أن تركيا دخلت متأخرة إلى صفّ الوساطة، مما يعني أنها ساهمت، مقابل مكاسب تحصلها لذاتها، في تسهيل تمرير الخطة الأمريكية على الفلسطينيين.

بالضرورة يتأكد التواطؤ الآن بدعم قرار مجلس الأمن، بحيث يبدو أنّ الغالب على الدول العربية والإسلامية المراوحة في نواياها بين الرغبة في التخلص من المقاومة في فلسطين، حيث إنّ الأمر ليس منحصرا في غزة، وإخراج الموضوع الفلسطيني من الاهتمام الجدّي، وأنّ رضا الولايات المتحدة وإراحة الرأس من هذا الضجيج أهمّ من حقوق الفلسطينيين وآلامهم وأوجاعهم.

لكن وبما أنّ ثمّة مراجعة عكسية لعملية السابع من أكتوبر، بسبب الإبادة التي اقترفتها "إسرائيل" والمآلات السياسية محلّ الحديث، وبنحو يعزز مواقع السلطات السياسية في البلاد العربية؛ بحيث تتطابق في هذه البلاد السلطة مع الدولة، فإنّ ما ينبغي قوله، ليس فقط إنّه لولا هذه المراوحة ما بين العجز والتواطؤ ما كان أبدا لهذه المآلات أن تكون بهذا النحو، بل أيضا الطعن في شرعية هذه السلطات المتعاقبة على هذه الدول، لأنّها لم تنجح طوال عقود في أن تؤسس لنفسها ذوات إمّا متحررة بقدر معقول من الهيمنة الأمريكية، وإمّا قادرة على الفعل، وهو ما يعود بالتحليل إلى القول إنّ هذه الدول بسلطاتها المتعاقبة عليها؛ ما تزال في طور الحالة الاستعمارية بالفعل والخضوع والوكالة.

x.com/sariorabi      


الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

ماذا وراء مزاعم ترامب حول "الإبادة الجماعية" لمسيحيي نيجيريا؟

 ماذا وراء مزاعم ترامب حول "الإبادة الجماعية" لمسيحيي نيجيريا؟

الأربعاء، 16 يوليو 2025

مسرحية ترامب المذهلة

مسرحية ترامب المذهلة

كاتب ومعلق اجتماعي وسياسي

في التاسع من يوليو/ تموز، افتتح رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب قمة مصغّرة استمرت ثلاثة أيام في البيت الأبيض، بمشاركة قادة كل من الغابون، غينيا بيساو، ليبيريا، موريتانيا، والسنغال – وذلك من خلال إخضاع ضيوفه المميزين لمشهد إهانة علنية مدروسة بعناية.

لم يكن هذا هو المخطط، أو على الأقل، لم يكن الجزء الذي يُفترض بالجمهور أن يراه.


صرّح مسؤول في البيت الأبيض في الثالث من يوليو/ تموز بأن "الرئيس ترامب يؤمن بأن الدول الأفريقية توفّر فرصًا تجارية مذهلة تعود بالفائدة على كل من الشعب الأميركي وشركائنا الأفارقة".


سواء أكان ذلك من قبيل المصادفة أم من تخطيط محسوب، فقد انعقد الاجتماع في اليوم نفسه الذي صعّدت فيه إدارة ترامب حربها التجارية، من خلال فرض رسوم جمركية جديدة على ثماني دول، من بينها ليبيا والجزائر في شمال أفريقيا.


وقد شكّل هذا تناقضًا لافتًا: فبينما كان ترامب يزعم أنه يعمل على "تعزيز العلاقات مع أفريقيا"، كانت إدارته تعاقب دولًا أفريقية. 

وقد كشفت الصورة العامة عن التناقض – أو ربما الصراحة – في سياسة ترامب الأفريقية، حيث تُقدَّم الشراكة بوصفها مشروطة، وغالبًا لا يمكن تمييزها عن العقوبة.


افتتح ترامب القمة بخطاب استمر أربع دقائق، ادعى فيه أن القادة الخمسة المدعوين يمثلون القارة الأفريقية بأسرها. ولم يكن مهمًا أن دولهم بالكاد تظهر في إحصاءات التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا؛ ما كان يهم فعليًا هو الذهب والنفط والمعادن المدفونة في باطن أراضيهم.

وقد شكر "هؤلاء القادة العظماء… القادمين جميعًا من أماكن نابضة بالحياة، ذات أراضٍ ثمينة، ومعادن رائعة، واحتياطيات نفطية عظيمة، وشعوب مميزة".

ثم أعلن أن الولايات المتحدة "تتحول من تقديم المساعدات إلى التبادل التجاري"، مبرّرًا ذلك بالقول: "لأن هذا سيكون أكثر فاعلية واستدامة وفائدة من أي شيء آخر يمكننا القيام به معًا".


في تلك اللحظة، انهارت وهمية الدبلوماسية، وكُشف عن الطبيعة الحقيقية للاجتماع. فقد انتقل ترامب من دور رجل الدولة إلى دور الاستعراض.

وسرعان ما انحدرت القمة إلى عرض محرج، جُسّدت فيه أفريقيا لا بوصفها قارة دول ذات سيادة، بل كمساحة غنية بالموارد الطبيعية، يمثلها قادة منقادون يؤدّون أدوارهم أمام الكاميرات.

لم يكن ذلك حوارًا، بل استعراضًا للهيمنة: هو إنتاج مسرحي مُعد مسبقًا.

كان الحدث وكأنه عرض دمى، يوجّه فيه كل ضيف أفريقي لأداء دوره والردّ بطريقة إيجابية في عرض مصمَّم بعناية يُظهر الخضوع والتبجيل.

وتقدَّم الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني المشهد، جسديًا ورمزيًا، بإشادته بـ"التزام" ترامب تجاه أفريقيا. وقد بدت هذه الإشادة مفارِقة للواقع وسريالية في ظل تقليص واشنطن للمساعدات مؤخرًا، وفرضها تعريفات جمركية عقابية، وتشديدها قيود التأشيرات على دول أفريقية.

في لحظة محرجة بشكل خاص، وصف الغزواني ترامب بأنه "صانع السلام الأول في العالم"، منسوبًا إليه – من بين أمور أخرى – الفضل في "إيقاف الحرب بين إيران وإسرائيل".

وقد جاءت هذه الإشادة دون أي إشارة إلى الدعم العسكري والدبلوماسي المتواصل الذي تقدمه الولايات المتحدة للحرب الإسرائيلية على غزة، وهي الحرب التي دانها الاتحاد الأفريقي بشكل قاطع. 

وكان هذا الصمت بمثابة محو محسوب لمعاناة الفلسطينيين في سبيل كسب رضا أميركي.


ربما بفعل القلق من تداعيات الرسوم الجمركية التي تلوح في الأفق على بلاده، تبنّى الغزواني، الذي ترأس الاتحاد الأفريقي في عام 2024، خطابًا يتسم بمرونة ملحوظة تجاه إدارة ترامب.

 لقد دعا ترامب – بشكل غير مباشر – إلى استغلال المعادن النادرة في موريتانيا، وامتدحه، ونعته بصانع السلام، متجاهلًا المجازر التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأبرياء في غزة، والتي ارتُكبت بأسلحة وفّرتها إدارة ترامب نفسها.

هذا النمط من التودد طبع كامل الجلسة. واحدًا تلو الآخر، قدّم القادة الأفارقة لترامب مديحًا مبالغًا فيه، وفتحوا له أبواب الوصول إلى الموارد الطبيعية في بلدانهم – في تذكير مقلق بمدى سهولة توجيه الطاعة حين تكون السلطة هي من تُملي النص.

حتى رئيس السنغال، باسيرو ديوماي فاي، طلب من ترامب أن يبني ملعب غولف في بلاده. لكن ترامب رفض، مفضّلًا أن يعلّق على مظهر فاي الشاب. 

أما رئيس الغابون، بريس كلوتير أوليغي نغيما، فتحدّث عن شراكات "رابح-رابح" مع الولايات المتحدة، لكنه لم يتلقَّ سوى ردّ فاتر.

ما لفت انتباه ترامب حقًا كان طلاقة رئيس ليبيريا، جوزيف بواكاي، في التحدث باللغة الإنجليزية. فبدلًا من أن يُعير اهتمامًا لمضمون حديث بواكاي، أبدى ترامب انبهاره بـ"إنجليزيته الجميلة"، وسأله: "من أين تعلمت أن تتحدث بهذا الجمال؟ أين تلقيت تعليمك؟ أين؟ في ليبيريا؟"

أن يبدو ترامب غير مدرك أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في ليبيريا منذ تأسيسها عام 1822 كملاذ للعبيد المحرّرين من الولايات المتحدة، لم يكن صادمًا بقدر ما كان النبرة الاستعمارية في سؤاله. فقد عكس اندهاشه من طلاقة رئيس أفريقي في اللغة الإنجليزية تصورات نمطية متجذرة تعود إلى موروث استعماري قديم.


لم تكن تلك زلة معزولة. ففي مراسم سلام أقيمت في البيت الأبيض يوم 29 يونيو/ حزيران، وشملت جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، علّق ترامب علنًا على مظهر الصحفية الأنغولية ومراسلة البيت الأبيض هاريانا فيراس، قائلًا لها: "أنتِ جميلة – وأنتِ جميلة من الداخل أيضًا."

سواء كانت فيراس "جميلة" أم لا، فهذه ليست النقطة. تصرّف ترامب كان غير لائق وغير مهني، إذ اختزل صحفية محترمة إلى مظهرها الخارجي في خضم حدث دبلوماسي مهم.

هذا التشييء الجنسي للنساء السود – والنظر إليهن كأدوات لرغبة الرجل الأبيض لا كشريكات فكريات – كان محوريًا في تجارة الرق عبر الأطلسي والاستعمار الأوروبي. وتعليق ترامب لم يكن سوى امتداد لذلك الإرث حتى يومنا هذا.

وبالمثل، فإن دهشة ترامب من إجادة بواكاي اللغة الإنجليزية تنسجم مع نمط استعماري طويل الأمد. إذ غالبًا ما يُنظر إلى الأفارقة الذين "يتقنون" لغة المستعمر ليس بوصفهم مثقفين معقدين ومتعددي اللغات، بل كأتباع امتصّوا ثقافة الهيمنة. ويُكافَؤون على قربهم من البياض، لا على فكرهم أو استقلالهم.

تصريحات ترامب كشفت عن اعتقاده بأن الأفارقة الذين يتمتعون ببلاغة لغوية أو جاذبية شكلية هم حالة استثنائية، وفضول يستحق الإعجاب العابر. ومن خلال اختزال كل من بواكاي وفيراس إلى مجرد فضول بصري، تجاهل ترامب إنجازاتهما بشكل كامل.

أكثر من أي شيء آخر، فقد جرّدت تعليقات ترامب القمة من أي وهم بأنها كانت تدور حول شراكة حقيقية.


وللمقارنة، يمكن النظر إلى قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا التي عقدها الرئيس جو بايدن في ديسمبر/ كانون الأول 2022. في ذلك الحدث، استُقبل أكثر من 40 رئيس دولة أفريقية، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأفريقي والمجتمع المدني والقطاع الخاص.


يبقى من غير المفهوم كيف توصّلت إدارة ترامب إلى أن خمسة رجال يمكن أن يمثلوا قارة بأكملها، ما لم يكن الهدف في الحقيقة ليس التمثيل على الإطلاق، بل السيطرة. فترامب لم يكن يريد تفاعلاً حقيقيًا، بل استعراضًا. وللأسف، فقد لبّى ضيوفه هذا الطلب.


وعلى النقيض من اللقاء المنضبط والمنظم بعناية الذي عقده ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الثامن من يوليو/ تموز، بدا الغداء مع القادة الأفارقة كعرض جانبي فوضوي، خالٍ من الحسّ السياسي.


كان فاي مخيبًا للآمال بشكل خاص. فقد وصل إلى السلطة على أساس برنامج مناهض للإمبريالية، متعهدًا بقطع الصلة مع السياسات الاستعمارية الجديدة واستعادة كرامة أفريقيا. ومع ذلك، في البيت الأبيض، لم يكن الأمر كذلك. وكغيره، فشل في تحدي ترامب، أو التأكيد على مبدأ المساواة، أو الدفاع عن السيادة التي يجاهر بالدعوة إليها علنًا في بلاده.


في لحظة كان يمكن لقادة أفريقيا أن يتصدّوا فيها لعقلية استعمارية تتجدد، لكنهم منحوا ترامب الفرصة لإحياء خيال الهيمنة الغربية من القرن السادس عشر.


ولمكافأتهم، عرض عليهم ترامب "جائزة": ربما لن يفرض رسومًا جمركية جديدة على بلدانهم، قائلًا: "لأنهم الآن أصدقائي".


ترامب، "السيّد"، انتصر.

الثلاثاء، 21 يناير 2025

ترامب وإعادة رسم خرائط العالم

ترامب وإعادة رسم خرائط العالم


 

تحدث ترامب عن ضم مناطق من العالم إلى العلم الأمريكي منها جزيرة غرينلاند وكندا والسيطرة على قناة بنما، فلماذا تلك المناطق تحديدا التي يختارها ترامب، وهل يملك فعلا القوة والأداة اللازمة للسيطرة عليها، وأخيرا ماذا إذا لم ينجح ترامب في خططه ؟


فهم سلوك الدول الكبرى المهيمنة على العالم هو أول خطوة في فهم السياسة والواقع، ومن ثم توقع انعكاساتها على الآخرين ومن بينها أمتنا الإسلامية، خاصة أن كتاب الله تحدث عن الصراع بين امبراطورتي الفرس والروم، في وقت كانت هناك قلة مؤمنة تصارع أعداءها في بقعة صغيرة في العالم لا تكاد تذكر حينها على الخرائط.

ولذلك من الأهمية بمكان تحليل ما جاء في تصريحات الرئيس المنتخب دونالد ترامب منذ أيام، فقد كتب على موقع "TRUTH Social" مقترحًا أن تنضم كندا إلى الولايات المتحدة.

وقال ترامب إن "العديد من الناس في كندا يحبون أن يصبحوا الولاية الأمريكية رقم 51.

ويبرر ترامب هذا الضم، بأنه لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تتحمل العجز التجاري الهائل والإعانات التي تحتاجها كندا لتبقى واقفة على قدميها.

ولا تقتصر رغبة ترامب بضم الدول على كندا فقط، بل كانت هناك منطقتين أخريين لم تحظيا بتغطية إعلامية.

 فقد سبق وأعلن ترامب نيته إعادة السيطرة على قناة بنما، وشراء جزيرة غرينلاند الدنماركية، خلال فترة رئاسته القادمة، بل لم يستبعد ترامب التحرك العسكري للسيطرة على تلك المنطقتين أي قناة بنما وجزيرة غرينلاند، ولكنه في حالة كندا أكد في مؤتمر صحفي عقده في منتجعه بفلوريدا بإمكانية استخدام القوة الاقتصادية لتحقيق هدفه بضم كندا، ولكنه لن يلجأ إلى الخيار العسكري.

ولكن ما الذي دفع ترامب ليسلك هذا الطريق؟

هل هو سبب اقتصادي لما تمتلكه المناطق الثلاث من ثروات؟

أم أنه دافع جيوسياسي يتعلق بقلق امريكي من وضع نظام دولي آخذ في التشكل وفق قوى كبرى أخرى؟

أم أن الهدفين متداخلان في نظر ترامب؟

وهل هناك علاقة بين رغبة ترامب في ضم المناطق الثلاث، وبين أقواله أثناء الحملة الانتخابية عن حدود الكيان الصهيوني الصغيرة، والتي تعني رغبته في توسيعها، وبين تصريحات نتانياهو عن عزمه تغيير خريطة الشرق الأوسط؟

لفهم توجهات ترامب فيما يتعلق بهذا التغيير، لابد في البداية من توضيح الأهمية الجيوسياسية لتلك المناطق الثلاث والتي يرغب ترامب في ضمها، ثم نشرع في تفسير الدوافع الأمريكية لهذ الضم، وأخيرًا نحلل مدى إمكانية ترامب في تنفيذ خططه تلك والعوائق التي قد تحول دون تنفيذ تلك المخططات.

مناطق الثروة والهيمنة

المناطق الثلاث التي تحدث عنها ترامب هي بالفعل تشكل أهمية اقتصادية واستراتيجية ضخمة.

 

دخلت الولايات المتحدة في صراع على زعامة العالم تم وصفه بالحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، لينتهي الصراع بانهيار الاتحاد السوفيتي، لتتربع أمريكا على عرش النظام الدولي باعتبارها الدولة الأولى في هذا النظام.

بالنسبة لجريلاند، تعد أكبر جزيرة بالعالم بمساحة تصل إلى 2.16 مليون كيلومتر مربع، وهي تتمتع بالحكم الذاتي في ظل السيادة الدنماركية حيث إن لها حكومتها وبرلمانها، لكنها ليست جزءًا من الاتحاد الأوروبي، إذ خرجت منه عقب استفتاء عام 1985، ولا تزال الدنمارك تتحكم في سياستها الخارجية والأمنية. ويبلغ عدد سكان الجزيرة 57 ألف نسمة فقط، والمسيحية هي ديانتهم الرئيسية، وتحتل موقعا جيوسياسيا فريدا بين أمريكا وأوروبا، وبصورة أدق، تمثل بوابة إستراتيجية تقع بين المحيط الأطلسي الشمالي وأمريكا الشمالية.

وتحتوي على موارد مختلفة من النفط والغاز، إضافة لمعادن نادرة ومهمة في صناعة السيارات الكهربائية، والتحول الأخضر، وكذلك تصنيع المعدات العسكرية، ووفقا لإحصاءات البنك الدولي لعام 2021، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لغرينلاند 3.2 مليارات دولار.

وتتواجد فيها بالفعل قاعدة جوية أمريكية، وقد أسست الولايات المتحدة بها أيضا محطة رادار مع بداية الحرب الباردة، والتي تُعتبر الأهم في أقصى الشمال لمراقبة التهديدات الصاروخية وتتبع الأجسام الفضائية.

ولم يكن ترامب أول من فكر في شراء هذه الجزيرة، فالفكرة تعود إلى ستينيات القرن التاسع عشر، عندما كان أندرو جونسون رئيسا للولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار يتحدث تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية يرجع تاريخه إلى عام 1867 عن الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند مع الإشارة إلى مواردها الواعدة، وأن فكرة الاستحواذ عليها مثالية.

ولكن لم يحدث تحرك رسمي حتى عام 1946 عندما عرض هاري ترومان على الدنمارك 100 مليون دولار مقابل الجزيرة. وكان قد عرض في وقت سابق مقايضة أراض في ألاسكا مع مناطق استراتيجية في غرينلاند.

وفي الفترة الانتخابية الأولى لترامب عرض على الدنمارك شراءها، ووصفها حينها بأنها صفقة عقارية كبيرة يمكن أن تخفف من الأعباء المالية للدانمارك، ولكن طلبه قوبل بالرفض من جانب حكومة الدنمارك.

أما كندا، فتبلغ مساحتها 9.9 مليون متر مربع، وتمتلك خطا ساحليا هو الأطول في العالم بواقع 243 ألف كيلومتر مربع، وهي تُعد ثاني أكبر بلدان العالم مساحة، ولكن عدد سكانها قليل نسبيا. إلا إن وزنها الاقتصادي يتجاوز عدد سكانها بكثير.

وتتبع كندا، التي تتكون من عدد من المستعمرات البريطانية السابقة، النظام الديمقراطي البرلماني البريطاني كما تعترف بالملك البريطاني رئيسا لها.

كما تُعد أحد أكبر البلدان التجارية في العالم وواحدة من أغناها، ففي عام 2023، بلغت حصة من إنتاج النفط 6% وهو ما جعلها رابع منتج للذهب الأسود عالميًا، كما أنها الخامس عالميًا في إنتاج الغاز الطبيعي بالعام ذاته، والأولى في العالم في إنتاج اليورانيوم في العام الذي سبقه.

أما بنما فقد بلغت مساحتها 75.420 كيلومتراً، وتتميز بموقع إستراتيجي مهم وتُشكل جسرا بين أمريكا الشمالية والجنوبية حيث تقع القناة التي جرى تسميتها على اسم الدولة، وتربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ؛ الأمر الذي يتيح للسفن عبورا سريعا بينهما دون الحاجة إلى المرور حول رأس هورن في أقصى جنوب أمريكا الجنوبية، وفي المجموع، تتعامل القناة مع ما يقرب من 270 مليار دولار من البضائع سنوياً.

والولايات المتحدة هي أكبر مستخدم للقناة، حيث يتوجه أكثر من 70% من جميع حركة العبور من الموانئ الأمريكية وإليها عبرها، مع العلم بأن الولايات المتحدة قد شيدت جزءاً كبيراً من القناة وتولت إدارة المنطقة المحيطة بالممر لعقود من الزمن. لكن الولايات المتحدة وبنما وقعتا اتفاقيتين في عام 1977، مهدتا الطريق أمام عودة القناة إلى السيطرة البنمية الكاملة. وسلمت الحكومة الأمريكية السيطرة الكاملة على القناة إلى بنما في عام 1999 بعد فترة من الإدارة المشتركة.

وتعد بنما منتجا مهما للنحاس؛ إذ صدّرت ما قيمته 2.94 مليار دولار في 2022، ما جعلها ثامن مصدر للخام في العالم.

 

وينتمي ترامب إلى المدرسة الأولى والتي تزدري الحلفاء، ولا يهمها الحروب بين الدول، بل اهتمامها يتركز على بقاء أمريكا كقوة اقتصادية وعسكرية عظمى، وسحق أي محاولات لصعود أي قوة أخرى تحاول زحزحة أمريكا من القمة.

البقاء في الصدارة والهيمنة

منذ بدء عصر الاستعمار الغربي في نهاية العصور الوسطى، ومحاولات أوروبا بسط نفوذها على الرقعة الجغرافية العالمية، شرعت في وضع خرائط وتقسيم تلك الجغرافيا إلى دول وممالك تخدم نظريتها الاستعمارية.

كان على رأس ذلك الاستعمار حينها بريطانيا، والتي نجحت إلى حد كبير في تغيير هيكلة تلك الجغرافيا وفق مصالحها وتطلعاتها، وأحيانا تقاسمت بريطانيا ذلك التقسيم في بعض المناطق مع دول كبرى أخرى، كما فعلت في الشرق الأوسط عندما تشاركت مع فرنسا تقسيم إرث الدولة العثمانية فيما يعرف باتفاقية سايكس بيكو.

وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت الولايات المتحدة كقوة عظمى، وتراجع الدور البريطاني، وبات معروفا أن أمريكا ستستلم قيادة المعسكر الغربي، والتي واتتها الفرصة لإثبات تلك الزعامة في حرب السويس عام ٥٦ عندما منعت البنك الدولي من إقراض الحكومة المصرية لبناء السد العالي، والتي قابلت المنع بتأميم قناة السويس، فأعلنت بريطانيا وفرنسا ومعهم الكيان الصهيوني الحرب على مصر، وهنا تدخلت أمريكا وأرغمت هذه الدول على الانسحاب، فظهرت أمريكا رسميا كقائدة للغرب.

بعدها دخلت الولايات المتحدة في صراع على زعامة العالم تم وصفه بالحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، لينتهي الصراع بانهيار الاتحاد السوفيتي، لتتربع أمريكا على عرش النظام الدولي باعتبارها الدولة الأولى في هذا النظام.

لكن في العقود الأخيرة عادت روسيا بقوة لتنافس في ترتيب النظام الدولي، وبرزت الصين كوحش اقتصادي يتمدد في العالم بوتيرة سريعة لتحتل المرتبة الثانية في المجالات سواء الاقتصادية أو العسكرية، وتطالب بجزر تايوان باعتبارها أراضي مقتطعة منها.

هنا عاد إلى البروز في أمريكا مرة أخرى مدرستا العزلة والشراكة الاستراتيجية العالمية، ولكنهما متفقتان على بقاء الهيمنة الأمريكية على العالم، وينتمي ترامب إلى المدرسة الأولى والتي تزدري الحلفاء، ولا يهمها الحروب بين الدول، بل اهتمامها يتركز على بقاء أمريكا كقوة اقتصادية وعسكرية عظمى، وسحق أي محاولات لصعود أي قوة أخرى تحاول زحزحة أمريكا من القمة.

ومن هنا يمكننا فهم ما يقوم به ترامب في ضم المناطق الثلاثة، فمحاولة تغيير الخرائط المستقرة والتي أسهمت أوروبا وبالذات بريطانيا في صناعتها، تصب في النهاية في خانة إضعاف هؤلاء الحلفاء واهمالهم.

وبالنسبة لقناة بنما بالذات، فهي ممر حيوي للتجارة الأمريكية، ولكن أيضًا للصين، كما تقول "بي بي سي" فالسيطرة على هذه المنطقة ستسمح لدونالد ترامب بالحصول على وسيلة إضافية للضغط الاقتصادي على المنافس الصيني.

وفي ذات السياق، قال ريتشارد جونسون، المتخصص في شؤون الولايات المتحدة في جامعة كوين ماري في لندن: إن دونالد ترامب لم يختر أهدافه بالصدفة، كل هذه المناطق لها صلة بأولويات الرئيس المنتخب على ساحة السياسة الدولية.

هل سينجح ترامب؟

توالت ردود فعل الدول التي تمتلك هذه الأراضي معبرة عن سخطها من تصريحات ترامب تلك، متوعدة بتحديها ومجابهتها.

فقد قالت حكومة جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك إنها ترحب بالاستثمارات الخارجية إلا أنها ليست للبيع.

جاء ذلك ردا على تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألمح فيها إلى احتمال شراء واشنطن للجزيرة الخاضعة لإدارة الدنمارك.

ومن جانبه، قال رئيس وزراء غرينلاند موتي بوروب إغيدي إن غرينلاند لن تكون للبيع أبدا، كما قال رئيس الوزراء الدنماركي السابق لارس راسموسين إن حديث ترامب ليس سوى مزحة شبيهة بكذبة الأول من أبريل.

بينما في حديث لشبكة بلومبيرغ الأمريكية، يرى البروفيسور راسموس ليندر نيلسن من جامعة غرينلاند على أن قانون الحكم الذاتي لعام 2009 يحظر بيع الجزيرة، إذ يعترف بالغرينلانديين بوصفهم شعبا مستقلا. وأوضح أن أي عملية شراء ستتطلب استقلال الجزيرة أولا، وهو أمر لا يزال قيد المناقشة بين السياسيين المحليين.

بينما رد رئيس بنما خوسيه راؤول مولينو على تهديدات دونالد ترامب بشأن قناة بنما من خلال فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه "سيظل كل ميل مربع من القناة والمناطق المجاورة تحت سيطرة بنما". مضيفاً أن "سيادة واستقلال بلادنا غير قابلين للتفاوض".

في حين علق رئيس الوزراء الكندي المستقيل ترودو على منصة إكس قائلا: لا توجد فرصة، ولا حتى فرصة بقاء كرة ثلج في الجحيم، أن تصبح كندا جزءاً من الولايات المتحدة.

كما ردت وزيرة الخارجية الكندية، ميلاني جولي، على تصريحات ترامب على منصة إكس، قائلة: تصريحات الرئيس المنتخب ترامب تكشف عن جهل تام بما يجعل كندا دولة قوية. اقتصادنا قوي. شعبنا قوي. ولن نتراجع أمام التهديدات.

وإذا أصر ترامب على المضي قدما في هذا الاقتراح، فإن الأمر لن يكون يسيرا ليس خارجيا فقط بل في الداخل الأمريكي أيضا، فبموجب الدستور الأميركي، يتطلب أي شراء للأراضي موافقة الكونغرس على تمويله. لكن ترامب سبق أن أظهر استعدادا لتجاوز الكونغرس في قضايا مماثلة، كما حدث عندما استخدم ميزانية البنتاغون لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك.

ولكن إذا لم ينجح ترامب في فرض رؤيته في تغيير الخرائط الثلاثة، هل هذا الفشل المنتظر سيصيبه بالإحباط فيحجم عن خططه تجاه الشرق الأوسط بالتحالف مع نتنياهو، كما لمّح لذلك أثناء حملته الانتخابية عندما قال إن دولة الكيان الصهيوني صغيرة؟ أم أن الفشل المنتظر سيحفزه على محاولة تجريبه في منطقتنا؟

الشهور القادمة ستكشف عن مستقبل هذا المخطط.

الاثنين، 16 أغسطس 2021

كاتب باكستاني: أسرار هزيمة جيش قوامه 300 ألف شخص.. وأنفقت عليه واشنطن 83 مليار دولارا!

كاتب باكستاني: أسرار هزيمة جيش قوامه 300 ألف شخص.. وأنفقت عليه واشنطن 83 مليار دولارا!

تكريم سابق للقوات الخاصة الأفغانية


ألطاف موتي
استثمرت الولايات المتحدة وحلفاؤها مليارات الدولارات في تطوير وتسليح وتدريب الجيش والقوات الجوية والقوات الخاصة والشرطة في أفغانستان. وأنفقت أمريكا وحدها ما يقرب من 83 مليار دولار على قطاع الدفاع في أفغانستان منذ عام 2001، عندما قادت غزوًا في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقال الناتو إنه تبرع بأكثر من 70 مليون دولار من الإمدادات لقوات الدفاع الأفغانية، بما في ذلك المعدات الطبية والدروع الواقية من الرصاص، حتى الآن هذا العام.

وكان بناء جهاز الأمن الأفغاني أحد الأجزاء الرئيسية في استراتيجية إدارة أوباما حيث سعت لإيجاد طريقة لتسليم الأمن والمغادرة منذ ما يقرب من عقد من الزمان. وأنتجت هذه الجهود جيشًا على غرار صورة الجيش الأمريكي، مؤسسة أفغانية كان من المفترض أن تصمد إلى ما بعد الحرب الأمريكية.
وفي حين يبدو مستقبل أفغانستان غامضا، إلا أن شيئا واحدا أصبح واضحا للغاية: فقد فشل سعي الولايات المتحدة الذي دام عشرين عاما لإعادة بناء الجيش الأفغاني ليصبح قوة قتالية قوية ومستقلة، وهذا الفشل يحدث الآن في الوقت الحقيقي مع انزلاق البلاد إلى سيطرة طالبان.

أفراد من الجيش الأفغاني في يوليو تموز الماضي
ولقد تجلت كيفية تفكك المؤسسة العسكرية الأفغانية لأول مرة ليس في الأسبوع الماضي بل قبل أشهر في تراكم للخسائر بدأ حتى قبل إعلان الرئيس بايدن أن الولايات المتحدة سوف تنسحب بحلول 11 سبتمبرأيلول.
وبدأ الأمر بمراكز استيطانية فردية في المناطق الريفية حيث أحاط مجاهدو طالبان بالجنود الجياع ونفاد الذخيرة ووحدات الشرطة.
وعدوا بالمرور الآمن إذا استسلموا وتركوا معداتهم وراءهم ، مما منح المقاتلين ببطء المزيد من السيطرة على الطرق ، ثم مديريات بأكملها. ومع انهيار المواقف، كانت الشكوى واحدة في كل الأحوال تقريبا: فلم يكن هناك دعم جوي أو لما نفد من الإمدادات والغذاء.
ولكن حتى قبل ذلك، كانت نقاط الضعف المنهجية لقوات الأمن الأفغانية – التي بلغ عددها على الورق حوالي 300 ألف شخص، ولكن في الأيام الأخيرة بلغ مجموعها حوالي سدس هذا العدد فقط، وفقًا لمسؤولين أمريكيين – كانت واضحة. ويمكن إرجاع هذه النواقص إلى العديد من القضايا التي نشأت عن إصرار الغرب على بناء جيش حديث بالكامل مع كل التعقيدات اللوجستية والإمدادية التي يتطلبها المرء، والتي ثبت أنها غير مستدامة بدون الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي.
وأعرب الجنود ورجال الشرطة عن استيائهم المتزايد من القيادة الأفغانية. وغالبًا ما كان المسؤولون يغضون الطرف عما كان يحدث، مدركين تمامًا أن عدد القوى العاملة الحقيقية للقوات الأفغانية كان أقل بكثير مما كان موجودًا في السجلات، والذي تم تشويهه بالفساد والسرية التي قبلوها بهدوء.
وحرصت الولايات المتحدة الأمريكية على تجهيزه بأحدث الأسلحة

وعندما بدأت طالبان في بناء الزخم بعد إعلان الولايات المتحدة الانسحاب، فإن ذلك زاد الاعتقاد في قوات الأمن، بأن القتال   من أجل حكومة الرئيس أشرف غني – لا يستحق الموت. وفي مقابلة ، وصف الجنود وضباط الشرطة لحظات من اليأس ومشاعر الهجر العمل.

وعلى أحد الخطوط الأمامية في مدينة قندهار جنوب أفغانستان الأسبوع الماضي، كان عجز قوات الأمن الأفغانية الظاهر عن صد هجوم طالبان المدمر قد عاد إلى البطاطا. وبعد أسابيع من القتال ، كان من المفترض أن يمر صندوق من الورق المقوى مليء بالبطاطا اللزجة كحصص يومية لوحدات الشرطة. ولم يتلقوا أي شيء آخر غير البسكويت بأشكال مختلفة منذ عدة أيام، وكان جوعهم وتعبهم يتآكلانهم.
وتنبع أسباب الفشل الذريع من حكومة الرئيس الأفغاني أشرف غني. وتشتهر وزارتا الدفاع والداخلية بالفساد ، كما يشير الخبراء إلى عدم الكفاءة على نطاق واسع ، والافتقار إلى القيادة ، والمصلحة الذاتية.
ويشار إلى الرئيس وأقرب مستشاريه باسم “جمهورية من ثلاثة رجال” لغني ، مستشاره للأمن القومي حمد الله محب ، ورئيس المكتب الإداري الرئاسي فضل محمود فاضلي. وجميعهم قضوا فترات طويلة في الخارج ، ومثل العديد من كبار البيروقراطيين ، يحملون جوازات سفر ثانية.
والبعض في دائرة الرئيس لا يجيدون أيًا من اللغتين الرسميتين في أفغانستان ، الداري والباشتو.
وبحلول يوم الخميس 12/8/21 ، انهار الخط الأمامي قرب قندهار ، وأصبح في سيطرة طالبان بحلول صباح الجمعة.
ثم تم توحيد القوات الأفغانية للدفاع عن 34 عاصمة إقليمية في أفغانستان في الأسابيع الأخيرة حيث تحولت حركة طالبان من مهاجمة المناطق الريفية إلى استهداف المدن. ولكن هذه الاستراتيجية أثبتت عدم جدواها مع اجتياح المقاتلين مدينة بعد مدينة، والاستيلاء على حوالي نصف عواصم المقاطعات الأفغانية في غضون أسبوع، وتطويق كابول.
وبدا أن أشهر الهزائم قد بلغت ذروتها في الأسبوع الماضي عندما سقط كامل مقر فيلق تابع للجيش الأفغاني – وهو الفيلق 217 – بيد طالبان في مطار مدينة قندوز الشمالية. واستولى المقاتلون على طائرة هليكوبتر حربية . وكانت صور طائرة مسيرة أمريكية استولت عليها طالبان متداولة على الإنترنت مع صور لصفوف من الآليات المدرعة.

كما تم تجاوز الميليشيات المتحالفة عرقيًا والتي برزت باعتبارها قوات قادرة على تعزيز الخطوط الحكومية تقريبًا.
وكانت المدينة الثانية التي سقطت هذا الاسبوع هي شيبرغان في شمال افغانستان، العاصمة التي كان من المفترض ان تدافع عنها قوة هائلة بقيادة المارشال عبد الرشيد دوستم، احد امراء الحرب الشائنين ونائب الرئيس الافغاني السابق الذي نجا منذ السنوات ال40 الماضية من الحرب من خلال عقد صفقات وتبديل الاطراف.
واستسلم أحد أمراء الحرب الأفغان البارزين والحاكم السابق ، محمد إسماعيل خان ، الذي قاوم هجمات طالبان في غرب أفغانستان لأسابيع وحشد الكثيرين لقضيته لصد هجوم المتمردين.
وحتى الآن ، تكبدت قوات الأمن الأفغانية أكثر من 60 ألف حالة وفاة منذ عام 2001.
ومع قيام طالبان بعملية تمشيط شبه متواصلة للبلاد ، كانت قوتهم موضع تساؤل. وتتراوح التقديرات الرسمية منذ فترة طويلة بين 50 و100 الف مقاتل. والآن هذا الرقم أكثر ضبابية مع انسحاب القوات الدولية وقدراتها الاستخباراتية.