‏إظهار الرسائل ذات التسميات العنصرية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العنصرية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 11 ديسمبر 2025

واقعية ترامب

واقعية ترامب


ينتقلُ جنون العظمة عند الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من اليقين بالهيمنة على حكم العالم إلى التصرّف بوصفه المالك لهذا العالم، البشر والجغرافيا والتاريخ والأموال والموارد الطبيعية.

منذ اليوم الأوّل لظهوره وترامب يطبّق سياسة "أميركا أولًا" مع ما يستتبع ذلك من يقين بأنّ لها الحقّ في إعادة رسم خرائط العالم بما يحقّق مصلحتها، وهو ما ينعكس في استباحة حدود الدول وتوهّم سلطة مُطلقة في اختيار حكّام لدول الكوكب، وعزلهم وإزاحتهم واستبدالهم، والأخطر هو شرعنة أعمال القرصنة والنهب بزعم إنّ من شأن ذلك تحقيق سلام العالم على يد القيصر الساكن في البيت الأبيض.

يزدري ترامب العالمين، الثالث والأوّل على السواء، يمارس عنصريته على الأسود والأبيض، ويستهين بسيادة الدول على أراضيها وثرواتها وحقّها في اختيار من يحكمها. 

وما يتكلّم به ترامب ويفعله إزاء القارة الأوروبية يذهب به على مضمار العنصرية بعيداً.

يصل هجوم ترامب أخيراً على قادة أوروبا إلى مرحلة غير مسبوقة من الاستهانة والاستخفاف بمقاربة أوروبا تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يتهمهم بأنّهم ضُعفاء يدمّرون بلدانهم، وأنّ عليهم تغيير أيديولوجيتهم إذا ما أرادوا الاستمرار في الحلف الأميركي، 

لكنه يتحوّل من النقد إلى البذاءة العنصرية حين يجدّد استهدافه عمدة لندن المسلم صادق خان، إذ يصفه بالمقزّز والشرير، وغير ذلك من مُفردات السباب النابية، لا لشيء إلا لأنّ الأخير مسلم ولا يتبنى نهجاً عدائيّاً للمهاجرين واللاجئين من دول العالم.

في الأزمة الأوكرانية الروسية، يريد ترامب فرض سلام يقوم على شرعنة القرصنة واقتطاع مساحات من الدول بحجّة الواقعية، والتي تعني وفق العقيدة الترامبية الاستسلام للأمر الواقع والتخلّي عن قيم مُحترمة وراسخة مثل قدسية التراب الوطني والكرامة الوطنية التي لا يبقى لها وجود إن رضخت الدول المُعتدى على أراضيها لغطرسة وجبروت الاحتلال الأجنبي، وهو ما يفعله ترامب في خطوه لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة، وهي الخطّة التي تمنح العدو الصهيوني حريّة إعادة ترسيم حدود غزّة وفرض خطوط حمراء وصفراء تُتيح لها خلق واقع جغرافي جديد تبتلع معه أكثر من نصف مساحة القطاع.

يريد ترامب من أوكرانيا الرضوخ للواقع الجغرافي الجديد بعد احتلال روسيا مساحات من أراضيها ثم يسمّي ذلك "السلام" الذي هو رسوله وصانعه، فترفض أوروبا "هذه الواقعية اللصة"، فينهال عليها بالسباب والتهديد والوعيد والاتهام بأنّها تعطّل السلام، أمّا في حالة غزّة فلا صوت يرتفع من الدول الشقيقة لفلسطين ضدّ الرئيس الأميركي، وهو يقترب من تعيين جنرال أميركي حاكمًا عسكريًا على غزّة، فيما يترأس ترامب شخصيًا رئاسة مجلس السلام المزعوم الذي يدير شؤون القطاع، ويتولى إنهاء وجود المقاومة ونزع سلاحها.

في أقصى الغرب، يتفاخر دونالد ترامب بأعمال القرصنة التي تُمارسها القوّات الأميركية على سفن النفط الفنزويلية في إطار تشديد الحصار على كاراكاس حتى إسقاط رئيسها المُنتخب وتعيين سيّدة لا تخفي عمالتها لواشنطن وانحيازها إلى تل أبيب بدلاً منه، ثم يُعلن للعالم أنّه الشخص الذي أرسله الله لكي يجلب السلام لمنطقة الكاريبي، كما في غزّة، ثم أوكرانيا، وهو السلام القائم على مكافأة الجاني وإجبار الضحية على منح الشرعية السياسية والأخلاقية لاحتلاله وقتل شعبه، بحجّة أنّ هذه هي الواقعية.

في ظهور ترامب على المسرح الأميركي رئيساً أوّل مرّة في 2017، كتب مدير معهد التاريخ المعاصر بمدينة ميونخ الألمانية أنّ هناك أوجه تشابه بين صعود النازيين في ألمانيا في عام 1930 ودونالد ترامب، خصوصاً في تآكل النظام الحزبي ومحاولة إيجاد حالة من انعدام اليقين القانوني. وفي ما بعد تناولت كتابات عديدة الموضوع ذاته.

قريبًا سيضع العالم تعريفًا للخير يقول إنّ كلّ ما هو ضدّ الترامبية خير، وكلّ ما يتناغم معها ويحترمها وينظر لها بعين التقديس هو الشرّ المطلق، وما أكثر الذين يقدّسونه في عالمنا العربي التعيس!

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

دمويون بالميلاد والتنشئة

 دمويون بالميلاد والتنشئة

جعفر عباس

لا يخفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه عنصري استعلائي، وصدرت عنه أقوال مسيئة وجارحة بالطن المتري عن ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، بل ووصف الدول الأفريقية بأنها "حُفَر مراحيض".



لكل ذي عقل أن يعجب كيف لشعب نسبة التعليم لديه عالية، ولديه أقوى أجهزة الإعلام في العالم، أن يرتضي إسناد الرئاسة إلى شخص (ترامب)، غرٍّ غرير مغرور، يمجد العنف ويتوعد الأقارب والأباعد بالويل والثبور، وحقيقة الأمر هي أن الملايين من الأمريكان يطربون عندما يتحدث ترامب عن قصف مفاعل نووي في إيران، ويهدد بتوجيه ضربات جوية لنيجيريا بزعم أن المسيحيين فيها يتعرضون للتصفية، ويصفقون وسلاح الجو الأمريكي يدمر قوارب صيد الأسماك قبالة سواحل فنزويلا، بزعم أنها تحوي مخدرات متجهة إلى السوق الأمريكي، ولا يسأل المصفقون أنفسهم: هل لتلك الطائرات حاسة شم تجعلها تميز بين رائحة السمك ورائحة الكوكايين، ولماذا لا يتم قصف الشاحنات الضخمة التي تجوس الأراضي الأمريكية محملة بأطنان من المخدرات.

واقع الأمر هو أن السمة الأساسية للتاريخ الأمريكي، هي استدامة العنف، فقد ولدت الولايات المتحدة بعد مخاض عنيف، سالت فيه دماء سكان الأرض الأصليين أنهارا، وأوكل النشاط الاقتصادي فيها إلى العبيد، ولما تقرر تحريرهم قامت حرب أهلية كان عدد ضحاياها أعلى من عدد ضحايا كل الحروب الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، وهناك اليوم عشرات الجماعات المسلحة التي تمارس العنف ضد ذوي الأصول الأفريقية، الذين تم الإتيان بأسلافهم قسرا إلى الأراضي الأمريكية. وطوال القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين كانت المدن الأمريكية مسارح لعنف أهوج، يغذيه القانون الذي يقول بأن امتلاك السلاح الناري حق دستوري.

واقع الأمر هو أن السمة الأساسية للتاريخ الأمريكي، هي استدامة العنف، فقد ولدت الولايات المتحدة بعد مخاض عنيف، سالت فيه دماء سكان الأرض الأصليين أنهارا، وأوكل النشاط الاقتصادي فيها إلى العبيد، ولما تقرر تحريرهم قامت حرب أهلية كان عدد ضحاياها أعلى من عدد ضحايا كل الحروب الأوروبية خلال القرن التاسع عشر

المناهج التعليمية الأمريكية أيضا تمجد العنف، وتغرس في عقول الناشئة أن شن الحروب على الشعوب الأخرى ضرورة لـ "الأمن القومي". وهكذا تتم برمجة الطلاب وحشو رؤوسهم بأمجاد القوات الأمريكية في الساحة الأوروبية خلال الحرب العالمية الثانية، وفي فيتنام وكمبوديا والعراق وأفغانستان، وإيهامهم بأن خوف السوفييت من القوة الأمريكية الغاشمة ـ وليس اعتلال بنيان دولتهم داخليا ـ هو الذي أدى الى تفكك تلك الدولة.

لا يخفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه عنصري استعلائي، وصدرت عنه أقوال مسيئة وجارحة بالطن المتري عن ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، بل ووصف الدول الأفريقية بأنها "حُفَر مراحيض"، وأنصاره من غلاة اليمينيين يطربون لذلك، ويعتقدون إن ممارسة العنف بحق الأقليات والشعوب غير البيضاء واجب وطني. وأن أفراد تلك الأقليات مجرد أشياء مثل الفأس والمحراث، وأنه لا باس ولا تثريب في التخلص منها بأسلوب فظ، متى ما استنفدت الغرض الذي من أجله جلبت إلى الأراضي الأمريكية. ومنطقهم هنا هو أن العبيد تحرروا نتيجة لحرب أهلية، ومن ثم فمن المشروع إعادة إخضاعهم، أو إرغامهم على العودة إلى من حيث أتوا بالعنف.

بداهة فإن شعب دولة قامت على جماجم أهل الأرض الأصليين، ويتباهى حكامها المتعاقبون بغزو هذه الدولة أو تلك، يتشبّع بثقافة أن تحقيق الغايات يمر عبر ماسورة السلاح الناري، وهكذا فالشرطي الأمريكي يده على زناد مسدسه على الدوام، ولا يكاد يمر يوم واحد دون سقوط نحو خمسين شخصا جرحى أو صرعى برصاص الشرطة في عموم الأراضي الأمريكية، بينما بلغ عدد قتلى السلاح الناري 1.4 مليون شخص في الفترة ما بين 1968 و2011. وفي عام 2013 وحده سجلت الشرطة الأمريكية 74000 ونيف حالة إطلاق نار، وإصابة لمدنيين على أيدي مدنيين، نجمت عنها 33,636 حالة وفاة، وهو رقم أعلى من عدد ضحايا الطرفين في الحرب الروسية على أوكرانيا في سنة واحدة، وهلل الإعلام الأمريكي عندما انخفض عدد القتلى بالسلاح الناري في عام 2015 الى 13,286.

ترامب الذي يتباهى بأنه حقق السلام في الشرق الأوسط، بإقناع إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية بوقف إطلاق النار، لا تهتز له شعرة وسلامه يتعرض للدك يوميا بسلاح الجو والمدفعية الإسرائيلية، بل خانه ذكاؤه المحدود وقال في معرض ذلك التباهي بأن إسرائيل قامت بعمل طيب A good job

وبالمقارنة مع 22 دولة موصوفة بالغنى والرفاهية، فإن معدل جرائم القتل المرتبطة بالأسلحة في الولايات المتحدة ارتفع نحو 25 مرة  في السنوات العشر الأخيرة، بينما عدد سكان أمريكا أقل من نصف عدد سكان تلك الدول مجتمعة.

والشاهد هنا هو أن الأمريكيين منذ فجر تاريخهم ـ وهو "قريب" ـ مجبولون على العنف، ومن ثم فلا عجب في أن تجد بلطجة ترامب استحسان الناخبين، فصفق مريدوه عندما أصدر الأمر بأن يشارك سلاح الجو الأمريكي في قصف مفاعل نووي إيراني، ثم وهو يهدد باجتياح فنزويلا، ليس لأن رئيسها نيكولاس مادورو ديكتاتوري النزعة، ولكن لأن لدى فنزويلا احتياط نفطي هائل، وفي التاريخ القريب قام رئيس أمريكي (جورج دبليو بوش) ينتمي إلى الحزب الجمهوري ـ كما ترامب ـ بغزو العراق بحجة أن به مخزون هائل من أسلحة محظورة بمواثيق دولية، بينما كان قلبه، وكانت عينه على نفط العراق، وعلى موقع العراق الاستراتيجي، والأسافير متخمة بإفادات من عميل المخابرات الأمريكية السابق جون كريكو، بأن رؤساءه أبلغوه في عام 2002، أي قبل عام من الغزو، بأنه تقرر الإطاحة بحكم الرئيس العراقي صدام حسين، وإقامة أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج الأراضي الأمريكية في جنوب العراق.

ترامب الذي يتباهى بأنه حقق السلام في الشرق الأوسط، بإقناع إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية بوقف إطلاق النار، لا تهتز له شعرة وسلامه يتعرض للدك يوميا بسلاح الجو والمدفعية الإسرائيلية، بل خانه ذكاؤه المحدود وقال في معرض ذلك التباهي بأن إسرائيل قامت بعمل طيب A good jobفي دكّها لغزة، وها هو يأتي بخطة تضع غزة تحت الوصاية الدولية، وبهذا تصبح غزة كيانا فاقداً للانتماء حتى إلى الضفة الغربية، ومن ثم "فلسطين".

الثلاثاء، 23 سبتمبر 2025

هذا البرتقالي خطر على العالم

 هذا البرتقالي خطر على العالم

وائل قنديل

لو أردت البحث عن معنى جامع مانع لكلمة الجلافة لن تجد أكثر من دونالد ترامب تعبيراً عن هذه الحالة من الانسلاخ من أيّة مشاعر أو أخلاق إنسانية، واعتماد القرصنة منهجًا للحياة. 

هذا شخصٌ يكره البشر ويُعادي القيم الإنسانية، ويُخاصم التفكير السليم، ويعارك السلم في كلّ مكان، ثم يرى نفسه جديراً بجائزة نوبل للسلام.


هو شخصٌ يحتقر القانون الدولي والإنساني، ولا يطيق وجود معيار واحد إنساني يساوي بين البشر والأمم، إذ لا يعتبر الناس سواء أمام الله والقانون والقيم، بل هناك شعوبٌ أعلى وأخرى أدنى في اعتناق واضح لخرافة الشعب المُختار في الفكر الصهيوني، الذي بات وباءً تُحاربه شعوب العالم الحرّ في كلّ مكان من المعمورة.


في كلمته باجتماع الأمم المتحدة أمس، بدا الرئيس الأميركي وغداً قادماً من عصور الهمجية، لا يعترف بقانون إنساني أو دولي إلا قانونه الخاص، رغبته المجنونة في الهيمنة على العالم هي قانونه الوحيد، وحدود أطماعه هي سقف القيم، والحال كذلك كان لا بُدّ أن يسخر من فكرة وجود منظمّة أممية تكون مظلّة قانونية لكلّ الدول بالتساوي، ويشن هجوماً على هيئة الأمم المتحدة ويسوّق اتهاماته الكاذبة لها، لكي يصل إلى الهدف من دون مواربة: الولايات المتحدة فوق الأمم المتحدة، أو البديل لها، لأنها لا تقدّم للعالم سوى "الكلام الفارغ"، ولا تفعل شيئاً سوى تمويل العدوان على مجتمعات الغرب المُتحضّر المُتفوّق وتهديد أمان "الإنسان الأعلى" بتشجيع هجرة "البشر الأدنى"، أو ربّما لا يراهم رئيس أميركا بشرًا من الأساس.


يغازل ترامب بجلافته الصارخة كلّ متطرّفي اليمين العنصري الفاشي في أوروبا، ويحرّضهم على حكوماتهم التي تسمح بالتنوّع الإنساني داخل مجتمعاتهم، ويوجّه كراهيته إلى عمدة لندن "الفظيع" على حدّ وصفه، ذلك لأنه مسلم ومن أصول هندية، كما أنّه، يا للهول، ليس أبيض، ويدافع عن التنوّع الثقافي والديني في بريطانيا.

 لا يتوقّف مدفع الجلافة البرتقالية عن إطلاق زخّات من الكذب الصريح، من دون أن يهتزّ له جفن! 

فهو الذي أنهى سبع حروب دامت أكثر من 30 عامًا، مُعدّداً أمثلة منها حرب "إيران- إسرائيل" وحرب "مصرـ إثيوبيا". 

يتكلّم عن ذلك بيقين، وكأنه يفترض أنّ المستمعين مجموعة من البلهاء والأغبياء، فالحرب على إيران كانت عدواناً أميركيّاً إسرائيليّاً من ألفها إلى يائها، هو الذي أشعلها وخاضها بكامل أسلحة الترسانة العسكرية الأميركية، وتفاخر بما اعتبره انتصاره الساحق على طهران، مُعترفاً بالمشاركة الكاملة مع جيش الاحتلال الصهيوني. ولم تكن ثمّة حرب مصرية إثيوبية، بل لم تعرف الأمور بين الطرفين قَط التلويح بالخيارات العسكرية.

 "عملنا على وقف حروب كثيرة في العالم، ولا بُدّ أن أحظى بجائزة نوبل للسلام، لكن لا يهمني الحصول عليها، يكفيني الأطفال الذين سيترعرعون بسلام بعد أن أنهيت حروباً دامت تلاتين عاماً" يقول ترامب، بينما تشهد عليه جثث نحو ثلاثين ألفاً من أطفال غزّة شهداء همجيته ووحشيته وانخراطه الكامل في العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزّة.

مرّة أخرى، هذا رئيس يُعادي الطبيعة، ويُحارب التنوّع الإنساني ويريد إعادة صياغة خرائط الإنسانية على طريقته الخاصة، مُشجّعاً على كلّ أشكال الإبادة والمحو، وينتج طوال الوقت خطاباً مُحرّضاً على كراهية البشر الذين يصوّر له عقله الفاشي أنهم أدنى مرتبة على سلم الإنسانية، ولذلك ليس أخطر على العالم وعلى أميركا منه وتصوّراته الهمجية عن الوجود الإنساني، حيث كلّ المهاجرين أعداء للحضارة وخطر على القيم الغربية، على الرغم من أنّ الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تأسّست على المهاجرين، القادمين من كلّ مكان، ليشكّلوا، معاً، الحلم الأميركي في التعايش والبناء والتحضّر والقوّة، من دون أن تغلق هذه القارّة أبوابها في وجه أحد، بل تقول دوماً: هل من مزيد من القادمين!

والذين صنعوا مجد أميركا، أيضاً، مزيج مُدهش من الثقافات والأعراق والألوان والديانات، لا فضل لأحدٍ على أحد، إلا بالعلم والتفوّق والنبوغ في العمل، ومن ثم تبدأ هذه القارّة في التحلّل، إن هي استسلمت لما يريده لها دونالد ترامب، بحيث تصبح، من جديد، غاباتٍ مفتوحةً تتصارع فيها وحوش العنصرية والإبادة والإقصاء.

الأربعاء، 16 يوليو 2025

مسرحية ترامب المذهلة

مسرحية ترامب المذهلة

كاتب ومعلق اجتماعي وسياسي

في التاسع من يوليو/ تموز، افتتح رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب قمة مصغّرة استمرت ثلاثة أيام في البيت الأبيض، بمشاركة قادة كل من الغابون، غينيا بيساو، ليبيريا، موريتانيا، والسنغال – وذلك من خلال إخضاع ضيوفه المميزين لمشهد إهانة علنية مدروسة بعناية.

لم يكن هذا هو المخطط، أو على الأقل، لم يكن الجزء الذي يُفترض بالجمهور أن يراه.


صرّح مسؤول في البيت الأبيض في الثالث من يوليو/ تموز بأن "الرئيس ترامب يؤمن بأن الدول الأفريقية توفّر فرصًا تجارية مذهلة تعود بالفائدة على كل من الشعب الأميركي وشركائنا الأفارقة".


سواء أكان ذلك من قبيل المصادفة أم من تخطيط محسوب، فقد انعقد الاجتماع في اليوم نفسه الذي صعّدت فيه إدارة ترامب حربها التجارية، من خلال فرض رسوم جمركية جديدة على ثماني دول، من بينها ليبيا والجزائر في شمال أفريقيا.


وقد شكّل هذا تناقضًا لافتًا: فبينما كان ترامب يزعم أنه يعمل على "تعزيز العلاقات مع أفريقيا"، كانت إدارته تعاقب دولًا أفريقية. 

وقد كشفت الصورة العامة عن التناقض – أو ربما الصراحة – في سياسة ترامب الأفريقية، حيث تُقدَّم الشراكة بوصفها مشروطة، وغالبًا لا يمكن تمييزها عن العقوبة.


افتتح ترامب القمة بخطاب استمر أربع دقائق، ادعى فيه أن القادة الخمسة المدعوين يمثلون القارة الأفريقية بأسرها. ولم يكن مهمًا أن دولهم بالكاد تظهر في إحصاءات التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا؛ ما كان يهم فعليًا هو الذهب والنفط والمعادن المدفونة في باطن أراضيهم.

وقد شكر "هؤلاء القادة العظماء… القادمين جميعًا من أماكن نابضة بالحياة، ذات أراضٍ ثمينة، ومعادن رائعة، واحتياطيات نفطية عظيمة، وشعوب مميزة".

ثم أعلن أن الولايات المتحدة "تتحول من تقديم المساعدات إلى التبادل التجاري"، مبرّرًا ذلك بالقول: "لأن هذا سيكون أكثر فاعلية واستدامة وفائدة من أي شيء آخر يمكننا القيام به معًا".


في تلك اللحظة، انهارت وهمية الدبلوماسية، وكُشف عن الطبيعة الحقيقية للاجتماع. فقد انتقل ترامب من دور رجل الدولة إلى دور الاستعراض.

وسرعان ما انحدرت القمة إلى عرض محرج، جُسّدت فيه أفريقيا لا بوصفها قارة دول ذات سيادة، بل كمساحة غنية بالموارد الطبيعية، يمثلها قادة منقادون يؤدّون أدوارهم أمام الكاميرات.

لم يكن ذلك حوارًا، بل استعراضًا للهيمنة: هو إنتاج مسرحي مُعد مسبقًا.

كان الحدث وكأنه عرض دمى، يوجّه فيه كل ضيف أفريقي لأداء دوره والردّ بطريقة إيجابية في عرض مصمَّم بعناية يُظهر الخضوع والتبجيل.

وتقدَّم الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني المشهد، جسديًا ورمزيًا، بإشادته بـ"التزام" ترامب تجاه أفريقيا. وقد بدت هذه الإشادة مفارِقة للواقع وسريالية في ظل تقليص واشنطن للمساعدات مؤخرًا، وفرضها تعريفات جمركية عقابية، وتشديدها قيود التأشيرات على دول أفريقية.

في لحظة محرجة بشكل خاص، وصف الغزواني ترامب بأنه "صانع السلام الأول في العالم"، منسوبًا إليه – من بين أمور أخرى – الفضل في "إيقاف الحرب بين إيران وإسرائيل".

وقد جاءت هذه الإشادة دون أي إشارة إلى الدعم العسكري والدبلوماسي المتواصل الذي تقدمه الولايات المتحدة للحرب الإسرائيلية على غزة، وهي الحرب التي دانها الاتحاد الأفريقي بشكل قاطع. 

وكان هذا الصمت بمثابة محو محسوب لمعاناة الفلسطينيين في سبيل كسب رضا أميركي.


ربما بفعل القلق من تداعيات الرسوم الجمركية التي تلوح في الأفق على بلاده، تبنّى الغزواني، الذي ترأس الاتحاد الأفريقي في عام 2024، خطابًا يتسم بمرونة ملحوظة تجاه إدارة ترامب.

 لقد دعا ترامب – بشكل غير مباشر – إلى استغلال المعادن النادرة في موريتانيا، وامتدحه، ونعته بصانع السلام، متجاهلًا المجازر التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأبرياء في غزة، والتي ارتُكبت بأسلحة وفّرتها إدارة ترامب نفسها.

هذا النمط من التودد طبع كامل الجلسة. واحدًا تلو الآخر، قدّم القادة الأفارقة لترامب مديحًا مبالغًا فيه، وفتحوا له أبواب الوصول إلى الموارد الطبيعية في بلدانهم – في تذكير مقلق بمدى سهولة توجيه الطاعة حين تكون السلطة هي من تُملي النص.

حتى رئيس السنغال، باسيرو ديوماي فاي، طلب من ترامب أن يبني ملعب غولف في بلاده. لكن ترامب رفض، مفضّلًا أن يعلّق على مظهر فاي الشاب. 

أما رئيس الغابون، بريس كلوتير أوليغي نغيما، فتحدّث عن شراكات "رابح-رابح" مع الولايات المتحدة، لكنه لم يتلقَّ سوى ردّ فاتر.

ما لفت انتباه ترامب حقًا كان طلاقة رئيس ليبيريا، جوزيف بواكاي، في التحدث باللغة الإنجليزية. فبدلًا من أن يُعير اهتمامًا لمضمون حديث بواكاي، أبدى ترامب انبهاره بـ"إنجليزيته الجميلة"، وسأله: "من أين تعلمت أن تتحدث بهذا الجمال؟ أين تلقيت تعليمك؟ أين؟ في ليبيريا؟"

أن يبدو ترامب غير مدرك أن اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية في ليبيريا منذ تأسيسها عام 1822 كملاذ للعبيد المحرّرين من الولايات المتحدة، لم يكن صادمًا بقدر ما كان النبرة الاستعمارية في سؤاله. فقد عكس اندهاشه من طلاقة رئيس أفريقي في اللغة الإنجليزية تصورات نمطية متجذرة تعود إلى موروث استعماري قديم.


لم تكن تلك زلة معزولة. ففي مراسم سلام أقيمت في البيت الأبيض يوم 29 يونيو/ حزيران، وشملت جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، علّق ترامب علنًا على مظهر الصحفية الأنغولية ومراسلة البيت الأبيض هاريانا فيراس، قائلًا لها: "أنتِ جميلة – وأنتِ جميلة من الداخل أيضًا."

سواء كانت فيراس "جميلة" أم لا، فهذه ليست النقطة. تصرّف ترامب كان غير لائق وغير مهني، إذ اختزل صحفية محترمة إلى مظهرها الخارجي في خضم حدث دبلوماسي مهم.

هذا التشييء الجنسي للنساء السود – والنظر إليهن كأدوات لرغبة الرجل الأبيض لا كشريكات فكريات – كان محوريًا في تجارة الرق عبر الأطلسي والاستعمار الأوروبي. وتعليق ترامب لم يكن سوى امتداد لذلك الإرث حتى يومنا هذا.

وبالمثل، فإن دهشة ترامب من إجادة بواكاي اللغة الإنجليزية تنسجم مع نمط استعماري طويل الأمد. إذ غالبًا ما يُنظر إلى الأفارقة الذين "يتقنون" لغة المستعمر ليس بوصفهم مثقفين معقدين ومتعددي اللغات، بل كأتباع امتصّوا ثقافة الهيمنة. ويُكافَؤون على قربهم من البياض، لا على فكرهم أو استقلالهم.

تصريحات ترامب كشفت عن اعتقاده بأن الأفارقة الذين يتمتعون ببلاغة لغوية أو جاذبية شكلية هم حالة استثنائية، وفضول يستحق الإعجاب العابر. ومن خلال اختزال كل من بواكاي وفيراس إلى مجرد فضول بصري، تجاهل ترامب إنجازاتهما بشكل كامل.

أكثر من أي شيء آخر، فقد جرّدت تعليقات ترامب القمة من أي وهم بأنها كانت تدور حول شراكة حقيقية.


وللمقارنة، يمكن النظر إلى قمة قادة الولايات المتحدة وأفريقيا التي عقدها الرئيس جو بايدن في ديسمبر/ كانون الأول 2022. في ذلك الحدث، استُقبل أكثر من 40 رئيس دولة أفريقية، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأفريقي والمجتمع المدني والقطاع الخاص.


يبقى من غير المفهوم كيف توصّلت إدارة ترامب إلى أن خمسة رجال يمكن أن يمثلوا قارة بأكملها، ما لم يكن الهدف في الحقيقة ليس التمثيل على الإطلاق، بل السيطرة. فترامب لم يكن يريد تفاعلاً حقيقيًا، بل استعراضًا. وللأسف، فقد لبّى ضيوفه هذا الطلب.


وعلى النقيض من اللقاء المنضبط والمنظم بعناية الذي عقده ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الثامن من يوليو/ تموز، بدا الغداء مع القادة الأفارقة كعرض جانبي فوضوي، خالٍ من الحسّ السياسي.


كان فاي مخيبًا للآمال بشكل خاص. فقد وصل إلى السلطة على أساس برنامج مناهض للإمبريالية، متعهدًا بقطع الصلة مع السياسات الاستعمارية الجديدة واستعادة كرامة أفريقيا. ومع ذلك، في البيت الأبيض، لم يكن الأمر كذلك. وكغيره، فشل في تحدي ترامب، أو التأكيد على مبدأ المساواة، أو الدفاع عن السيادة التي يجاهر بالدعوة إليها علنًا في بلاده.


في لحظة كان يمكن لقادة أفريقيا أن يتصدّوا فيها لعقلية استعمارية تتجدد، لكنهم منحوا ترامب الفرصة لإحياء خيال الهيمنة الغربية من القرن السادس عشر.


ولمكافأتهم، عرض عليهم ترامب "جائزة": ربما لن يفرض رسومًا جمركية جديدة على بلدانهم، قائلًا: "لأنهم الآن أصدقائي".


ترامب، "السيّد"، انتصر.

السبت، 20 يوليو 2024

المؤتمر العالمي لمناهضة عنصرية إسرائيل: نحشد لمقاطعة إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا

المؤتمر العالمي لمناهضة عنصرية إسرائيل: نحشد لمقاطعة إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا


تبنّى المؤتمر العالمي لمناهضة الفصل العنصري من أجل فلسطين – الذي استضافته مدينة جوهانسبرغ في جنوب أفريقيا مؤخرًا – إعلانًا بشأن الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي والفصل العنصري والإبادة الجماعية.

ومن هذا المنطلق، ندعو من خلال هذا المؤتمر الذي انعقد في الفترة من 10 إلى 12 مايو/أيار، إلى إطلاق حركة عالمية تهدف إلى تفكيك نظام الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري الإسرائيلي، والإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وقد حضر المؤتمر، أكثر من 400 مشارك من 32 دولة، وأشرفت على تنظيمه اللجنة التسييرية لمناهضة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

وقف دائم لإطلاق النار

لقد أصدرنا بيانًا وقّع عليه ممثلو الدول المشاركة بكافة معتقداتهم الدينية، ومن مختلف الآراء السياسية والأيديولوجية، نتعهد فيه جميعًا باستمرار العمل على وقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار؛ لإنهاء الإبادة الجماعية في قطاع غزة، ورفع الحصار عنه، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وكذلك إنهاء إرهاب المستوطنين.

إننا نحشد حاليًا الدعم من خلال هذا المؤتمر العالمي الأول لمناهضة الفصل العنصري من أجل فلسطين؛ لتصعيد التضامن الفلسطيني، وبناء حركة مناهضة للفصل العنصري.

إن الشعوب والمنظمات على مستوى العالم مدعوة لتوسيع وتصعيد الإجراءات؛ تضامنًا مع نضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرير؛ لإنهاء الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والاحتلال والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري "من النهر إلى البحر".

إن خطواتنا هذه تأتي في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مما خلف نحو 40 ألف شهيد فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى إصابة نحو 80 ألفًا، حسب بيانات وزارة الصحة في غزة.

لذا فإننا مستمرون في إدانة الحكومات التي تصر على دعم النظام الصهيوني الذي يمارس الإبادة الجماعية، بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا، والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك تلك التي تلتزم الصمت.

إنشاء كيانات شعبية

وفي هذا السياق، سيظل تركيزنا على تسليط الضوء على بيان دور حكومات تلك الدول فيما يجري في غزة؛ بسبب دعمها إسرائيل، كما أنه ليس لدينا شك في أنها ستُدان بالتواطؤ في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في أعقاب القرارات الأخيرة التي اتخذتها محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

إن الولايات المتحدة تعد شريكة وغيرها من الدول فيما يجري من إبادة لسماحها لإسرائيل باستخدام رصيفها "الإنساني" لشن واحدة من أسوأ المذابح ضد الفلسطينيين، ولعرضها قواتها الخاصة "الفتاكة" للمساعدة في ارتكاب جرائم حرب، وبسبب توفيرها.

إن هدفنا الأساسي هو مواصلة دعم وتعزيز كل أشكال المقاطعة لإسرائيل، والتشجيع – في برنامج العمل – على إنشاء كيانات شعبية ناشطة في كل بلد؛ لوقف الإبادة الجماعية والإفراج عن السجناء، وتمكين الفلسطينيين من ممارسة حق العودة إلى وطنهم وإنهاء الاحتلال، والضغط على إسرائيل لدفع تعويضات عن الدمار الهائل والجرائم التي ارتكبتها.

ونوجز هنا برنامج عملنا الذي أعلناه ونسعى لتحقيقه حاليًا:

وقف تسليح الإبادة الجماعية

نسعى من خلال برنامج حركة التضامن العالمية إلى التعبئة من خلال العمل المباشر، والقواعد الشعبية والنقابات من أجل الضغط على الحكومات والبرلمانات والشركات لفرض حظر عسكري على إسرائيل على الفور إزاء ارتكابها الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.

إن تلك الجهود يجب أن تشمل كذلك ما تقوم به إسرائيل من بيع ونقل للأسلحة والمعدات العسكرية والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، وتدريب قوات الشرطة والأجهزة الأمنية لبعض الدول، والسعي لإيقاف التمويل العسكري الأميركي، وحظر استيراد الأسلحة وبرامج التجسس الإسرائيلية، والمشاريع العسكرية والأمنية المشتركة.

لا تجارة مع الفصل العنصري

إننا ندعم الدعوات الفلسطينية للحملة الدولية التي تقف وراءها حركة المقاطعة، وسحب الاستثمارات والتجارة مع نظام الفصل العنصري الإسرائيلي (بي دي إس). وكذلك فرض حظر دولي على تزويد إسرائيل بالطاقة، ووقف جميع صادرات الفحم والغاز والنفط إلى دولة الفصل العنصري.

كما نطالب أيضًا بالضغط على البرلمانات والحكومات لرفض التشريعات المناهضة لمقاطعة إسرائيل، وتشجيع إصدار تشريعات مؤيدة لمقاطعتها.

مقاطعة رياضية وثقافية

إن إسرائيل تستخدم مشاركتها في الفعاليات الرياضية الدولية والتبادلات الثقافية أدوات للتطبيع، لذا نوضح هنا أنه كان للمقاطعة الرياضية والثقافية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تأثير نفسي قوي، وعلى العلاقات العامة لنظامها العنصري الذي كان سائدًا قبل تولي السود مقاليد الأمور في دولتهم. ويطلق الفلسطينيون نفس الدعوة ضد التطبيع وعزل إسرائيل العنصرية.

إنه من غير المعقول أن تظل إسرائيل قادرة على المشاركة في الأحداث الرياضية العالمية، مثل: الألعاب الأولمبية، وكأس العالم لكرة القدم، وغيرها من المسابقات الدولية.

لهذا ستستمر جهودنا لتعليق عضوية إسرائيل وحرمانها من المشاركة في البطولات والألعاب الدولية، بما في ذلك اللجنة الأولمبية الدولية، والاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، حتى تنهي انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي، ولا سيما حكمها العنصري وجريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها في قطاع غزة.

وقف تدمير دور العلم

ترسخ حركة التضامن الدعوة إلى دعم المقاطعة الشاملة والمتسقة لجميع المؤسسات الأكاديمية في إسرائيل، وما يستوجبه ذلك من الامتناع عن التعاون في المجالات الأكاديمية والثقافية، أو في المشاريع المشتركة.

فدولة الاحتلال لا تزال تواصل تعمدها استهداف نظام التعليم الفلسطيني، والإبادة المنهجية، حيث تعتقل وتقتل أساتذة الجامعات ومعلمي المدارس، وتدمر البنية التحتية التعليمية، مما حال دون حصول 625 ألف طالب مدرسي، و90 ألف طالب جامعي على التعليم. كما قتلت 8600 طالب، و497 معلمًا وإداريًا، و98 أستاذًا جامعيًا، و4 رؤساء جامعات، والعديد منهم مع عائلاتهم.

وضع حدّ للإبادة الجماعية الإنجابية

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تزايدت بشكل كبير الإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام الإسرائيلي في غزة، من خلال العنف المنهجي، والاستهداف المتعمد للنساء والأطفال، كما أن حالات الاعتقال التعسفي والقتل خارج نطاق القضاء للأطفال في الضفة الغربية قد ارتفعت هي الأخرى.

وفي هذا الصدد، تبرز أهمية تعزيز الحقوق الأساسية للفلسطينيين في الاستقلال الجسدي والسلامة والعدالة الإنجابية من خلال نشر المواد التي توضح مفهوم الإبادة الجماعية الإنجابية، وتأثيرها المدمر. كذلك التعاون مع دعاة العدالة الإنجابية على مستوى العالم من خلال المسيرات والاحتجاجات والمظاهرات العامة؛ للمطالبة بوقف إطلاق النار، وإنهاء العنف في غزة.

إبادة البيئة الطبيعية

يحاول الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، منذ تأسيسه، "تبييض" جرائم النكبة من خلال زراعة غابات غير أصلية في البلدات الفلسطينية المهجورة والمدمرة، وإتلاف النظم البيئية المحلية، واقتلاع أشجار الزيتون القديمة، وسرقة المياه من طبقات المياه الجوفية الفلسطينية، وغير ذلك كثير.

كما غمرت القوات الإسرائيلية مؤخرًا أنفاق غزة بمياه البحر، مما يعرض إمدادات المياه في القطاع للخطر لأجيال قادمة. وكان للهجوم العسكري الإسرائيلي آثار هائلة على النظم البيئية، والتنوع البيولوجي.

إنّ هذه الجرائم تستدعي إبلاغ منظمات العدالة المناخية ونشطاء البيئة بحجم "الإبادة"  التي تعرضت لها النظم البيئية من خلال ما قامت به إسرائيل، حيث أسقطت 85 ألف طن من المتفجرات – أي ما يعادل قوة 3 قنابل نووية – على منطقة مكتظة بالسكان تبلغ مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا.

وبالتالي نحمل إسرائيل وحلفاءها – الذين يزوّدونها بالغطاء الدبلوماسي والأسلحة-  مسؤولية ضمان استعادة بيئة غزة، ومواردها المائية، وإزالة الأنقاض والمواد الخطرة التي لُوثت بها غزة.

الرواية الفلسطينية في مواجهة آلة الدعاية الصهيونية

نحن على أُهبة الاستعداد لتنفيذ حملات تثقيفية وعامة في وسائل الإعلام الرئيسية والبديلة، بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل تقوية الإعلام الفلسطيني ليكون قادرًا على مواجهة ما يسمى بالعبرية (الهاسبارا)، وتعني الدعاية الإسرائيلية.

وفي سبيل ذلك، يتطلب الأمر وصف إسرائيل، على الدوام، بأنها دولة عنصرية يحكمها نظام فصل عنصري استعماري واستيطاني يتبنى التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني. ولا بدّ، أيضًا، من فضح الممارسات الإسرائيلية غير القانونية، ودعم المبادرات القانونية والدبلوماسية الرامية لمحاسبة إسرائيل بموجب القانون الدولي.

دعم الأسرى الفلسطينيين وأسرهم

لا تزال إسرائيل تمارس أبشع الجرائم في حق السجناء الفلسطينيين، إذ تُعد السجون الإسرائيلية – وفق البيان- بؤرًا للتعذيب الجسدي والنفسي والعاطفي لا يسلم منه الأطفال والمسنون.

ومن أجل ذلك، ندعو إلى إنشاء صندوق فلسطيني للدفاع القانوني عن السجناء وأسرهم، واعتماد "مبادئ نيلسون مانديلا" التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، والمتضمنة القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء وإدارة المؤسسات العقابية.

حشد المجتمعات الدينية

غالبًا ما يساء استخدام الدين مسوغًا وأداة للقمع، كما كان الحال في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وكما هو عليه الآن مع نظام الفصل العنصري الإسرائيلي، مما يلقي مسؤولية خاصة على عاتق المجتمعات الدينية للرد على مثل هذه التصرفات.

لذا تبدو الحاجة ملحة بأن يتولى أتباع الديانات المختلفة، في إطار الحركة العالمية لمناهضة الفصل العنصري من أجل فلسطين، تشكيل فريق عمل مشترك للتنسيق فيما بينهم لمواجهة هذه الظاهرة. وتتضمن هذه الإجراءات أيضًا، العمل على دحض الفكرة القائلة إن الصهيونية واليهودية مترادفان، وإن انتقاد إسرائيل هو معاداة للسامية.

ويتعيّن، في هذا الخصوص، بناء علاقات بين الطوائف الدينية المختلفة لتطوير حركة عالمية مناهضة للصهيونية والفصل العنصري، ومناصرة فلسطين.


الخميس، 7 أبريل 2022

تنمرْنا... فدفعنا الثمن

 تنمرْنا... فدفعنا الثمن

07-04-2022

"الوافدون الوافدون... اطردوهم، أبعدوهم إلى ديرتهم، ألقوهم في الصحراء، ليذهبوا إلى الجحيم، هم سبب كل الكوارث والجرائم، هم السارقون والقتلة، هم من يحرمون المواطنين فرص العمل، أبعدوهم عن المستشفيات، عن الخدمات، أبعدوا عنهم نسمة الهواء"... 

هكذا استمر النفَس العنصري، ولا يزال، في بث سمومه داخل عقول الناس، حتى تحول الوافدون في قناعة أغلبنا إلى خصوم للكويتيين وأعداء بل شياطين يجب طردهم من جسدنا وإلا صارت حياتنا جحيماً.

وفعلاً دارت طاحونة طحن الوافدين، فهجر كثير منهم الكويت إلى غير رجعة، وفي نفوسهم غصة، وفي قلوبهم ألم وحسرة... طارت أغلب الكفاءات التي كانت تخدم ديرتنا، من التعليم إلى الصحة إلى المقاولات إلى عمال النظافة حتى وصلنا إلى الخياطين، ولم نعد نجد الآن من يخيط لنا دشاديش العيد... طارت كفاءات العمالة باحثة عن بيئة نقية من سموم  العنصرية والكراهية، بيئة تعتبرهم مشاركين في بناء الوطن، بعيداً عن التنمر والغوغائية والسب الذي لا ينقطع، بيئة تقدرهم فتعطيهم من الأجر نظير تعبهم وجهودهم، دون أن تستكثر عليهم ما ساقه الله إليهم من رزق!

يوماً ما كانت الكويت قبلة تهوي إليها أفئدة من الناس، وتتجمع في معينها أنهار الكفاءات من المتنورين والفنانين والكُتاب والقانونيين والمعلمين والحرفيين والعمال، حتى ساهموا بإخلاص في بناء الوطن وتوطيد دعائمه لتصبح الكويت بجهود أبنائها وجهودهم لؤلؤة الخليج، عندئذ كانت القلوب صافية والنفوس راقية، حتى تسربت إلى سمائنا غربان التنمر والعنصرية وإقصاء الآخر، فتغير الحال، وها نحن ندفع الثمن.

الجميع الآن يدفع الثمن، فالعنصريون يدفعون ثمن عنصريتهم التي سرت في دمائهم كالسم، فدعوا إلى طرد أبرياء كل ذنبهم أنهم طلبوا الرزق في بلادنا، وغير العنصريين؛ لأنهم لم يتصدوا ولم يقاوموا ولم ينكروا "فوبيا الوافدين"، بل انساق بعضهم إلى دعوات المرجفين وتجاوبوا وعلت أصواتهم بطرد عباد الله من أرض الله.

فماذا حدث؟ هل انصلح الحال؟ هل حل مكان أولئك الراحلين من يفوقونهم خبرة وعلماً وإخلاصاً؟ بالعكس، فقد ارتفعت أجور العمالة، وغدا الحصول على نجار أو حداد أو سمكري أو عامل ماهر، أصعب من الوصول إلى الزئبق الأحمر، وغادرت كل الأيدي العاملة الماهرة وحل محلها الأدنى كفاءة والأعلى سعراً... حتى المعلمون والأطباء والقضاة من يجد منهم فرصة في بلد مجاور يراعي مشاعره ويقدر عمله ولا يطعنه كل يوم بخنجر المن والأذى، فإنه لا يتردد في مغادرة الكويت.

من المفترض ألا نشكو، لأن هذا جراء ما اقترفت أيدينا، فعندما كنا نستقدم الماهرين عشنا مرفهين، وعندما أسأنا إليهم واستكثرنا عليهم أن يعيشوا بيننا إخوة مقدَّرين، ومشينا تحت راية المتنمرين العنصريين، ولم ندافع عن الحق، ولم نعرف أين مصلحة بلادنا، صار الحال إلى ما صار إليه.

أليس غريباً أن الكويت بلد الإنسانية التي امتدت أياديها البيضاء من أقصى الأرض إلى أقصاها والتي تساعد وتواسي وتضمد جراح من لا نعرفهم شخصياً ولا يعرفوننا، هي نفسها التي تتصاعد منها دعوات الإساءة لأناس جاءوا إليها يساهمون في بنائها، ويسعدهم ما يسعدها ويحزنهم ما يحزنها، ما لكم كيف تحكمون؟! لكن مع مثل هذا التنمر المَقيت وذلك الطرح الإقصائي البغيض لا تسل عن أي عقل أو حجة أو منطق أو حتى مصلحة.

المصدر

الأربعاء، 17 يونيو 2020

صرخة فلويد وأيام الطيب صالح

صرخة فلويد وأيام الطيب صالح

د. أبوبكر خليل شداد


الاحتجاجات المناهضة للعنصرية في عواصم العالم اليوم، تغري المرء بالعودة لتقليب أوراق قديمة تناولت جذرو المشكلة.
فالغضب المتفجر حول العالم يشير إلى أن الأمر أعمق بكثير من مجرد احتجاج على حادثة مقتل جورج فلويد البشعة، بل ربما يخفي خلفه حنقا تاريخيا أعمق من ذلك بكثير.
وقد ساقتني هذه الأحداث إلى ذكرى أديب السودان العظيم الأستاذ الطيب صالح رحمه الله، وبعض من كتاباته المتعلقة بجذور الصراعات العنصرية في أفريقيا.
وتذكرت أيضا بعضا مما سمعته منه وذكره في لقاء صحفي كنت أجريته معه قبل أكثر من عقدين من الزمان، تنبأ فيه حينها بكثير مما حدث لاحقا ولعل أبرزه  انفصال جنوب السودان بعد ذلك الحديث بعشر سنين.
كما توقع الأستاذ الطيب صالح تعاظم استغلال الغرب لأفريقيا عبر تغذية النعرات العنصرية والصراعات البطيئة low intensity conflict عبر السنين وغيرها مما نراه ماثلا في أكثر من مكان الآن.
ولأن تتابع القصص على نشرات التلفزة يحفز على البحث عن نظرية (قطع الدومينو ) إن وجدت، لربط كل شيء بكل شيء مما يحدث.
فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي مثلا يحفز على التساؤل عن خطط بريطانيا لتعويض فاقدها التجارى والاقتصادي بل والنفوذ السياسي ربما بالعودة المرتقبة إلى مستعمراتها القديمة ضمن التنافس الدولي المحموم على موارد العالم وأفريقيا على وجه الخصوص.
وبالتالي يرتبط هذا الخبر بالخبر الذي يليه والذي يكشف  عن حماس بعض الدول الغربية للتدخل في تشكيل المستقبل السياسي لبلد مثل السودان إلى درجة إعداد وصياغة قرارات لمجلس الأمن الدولي من قبل بريطانيا وألمانيا تشرعن تدخل الأمم المتحدة (لمساعدة) السودان.

نازحون جنوب السودان


بينما يترك البلد في ذات الوقت  يرزح تحت قيد العقوبات الاقتصادية والسياسية، ليقبل بشروط المساعدة، وكذلك تترك صراعات أكثر دموية في مناطق أخرى من العالم دون محاولات للتدخل والمساعدة ربما لغياب الحوافز غير المعلنة.
القراءة والتأمل في جذور الأزمة السودانية المزمنة على سبيل المثال يبرز موضوع الصراع العرقي كأحد أوجه تراجع الدولة السودانية، منذ الاستقلال رغم مواردها الوفيرة .
فقد ظلت مشكلة جنوب السودان عقبة كأداء أمام الحكومات المتعاقبة وانتهت بفصل جنوب السودان مقابل صفقه مع نظام الإنقاذ  لقاء وعود غربية بمكافأة السودان إن هو قبل استفتاء تقرير المصير للجنوب.
ولكن ما لبث الجنوب أن دخل بدوره في دوامة من العنف القبلي والنزاعات المسلحة بعد الانفصال، هكذا تحت سمع وبصر أصدقاء الانفصال وتقرير المصير ودون رغبة في تدخلهم لحقن الدماء.
لكن عملية فصل جنوب السودان لم تكن لتحدث إلا بعد سنوات طويلة من الحروب والنزاع والعمل الثقافي والسياسي المتكامل، يورد الطيب صالح على سبيل المثال مقولة لأحد أبرز السياسيين الجنوبيين وهي تكشف جزءا من كيفية صناعة التعاطف مع الضحية وتزكية الأزمات عبر عقود من الزمن لتكريس تفكيك المجتمعات وتقسيمها.
قال السيد بونا ملوال السياسي والوزير السابق في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، خلال إحدي الندوات حول الشأن السوداني في مدينة بوسطن الأمريكية "إن السودان أرض سائبة للاستثمار أو البيع وأنه يشبه طفلا غير شرعي وأنه لابد من تفكيك القطر بأكمله وإعادة صياغته من جديد".
وهي ذات الدعوة التي تبنتها الحركة الشعبية لتحرير السودان وحلفاؤها من بعض نخب الشمال، وبرر بونا ملوال ذلك الهجوم القاسي على بلد كان هو نفسه وزيرا قوميا ومسؤلا بارزا فيه لسبع سنوات، بأن الشماليين ذوي الأصول العربية يستعبدون السود ويتاجرون في الرقيق وأنهم أسوأ من البيض في نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا.
ولا يسر المرء أن يري أن النظرة العنصرية الغربية تجاه الأفارقة السود لا تزال كما هي حتى في مجتمعات تدعي أنها قامت على تعدد الأعراق مثل المجتمع الأمريكي والأوروبي.
وكان واضحا أن الرجل يخاطب الرأي العام الأمريكي والغربي بما يستثير عواطفه وضغائنه في موضوع يشكل عقدة ضمير كبرى في الغرب، وبالرغم من هذا عاد الرجل نفسه؛ وقال في إحدى الصحف السودانية ". نعم سعيت لانفصال الجنوب لسنوات ولكنني سأقضي بقيه حياتي وأكتب مذكراتي في الخرطوم، حيث بيتي وأصدقائي"
ودعا مثلما دعت الحركة الشعبية الجنوبية أن يعطي الجنوبيين الجنسية المزدوجة في الجنوب وفي الشمال الذي أرادوا الانفصال عنه، وكان ذلك الحديث قبيل انفصال الجنوب بزمن قليل.
وفي خضم هذه الاتهامات الأخلاقية القاسية تجاه الشماليين والتي تصاعدت يستشهد الأستاذ الطيب صالح ببعض من ما جاء في كتاب (العاج الأسود) لمؤلفه جيمس والفن أستاذ التاريخ في جامعة يورك البريطانية، والذي يورد فيه حقائق عن تجارة الرقيق في أفريقيا خلال الحقب الاستعمارية، إذ يذكر المؤلف أن دور العرب في هذه التجارة القذرة؛ كان موجودا عبر السماسرة والمغامرين.
ولكنه كان ضئيلا جداً عبر الصحراء والبحر الأحمر وشرق أفريقيا مقارنة بحوالي خمسة عشر إلى خمسين مليونا من الرقيق تم نقلهم عبر الأطلسي والساحل الغربي لأفريقيا ليموت ما نسبته عشرة إلى عشرين بالمئة من هؤلاء؛ وهم في طريقهم إلى فرنسا وبريطانيا وأمريكا الشمالية.
ويبين الكاتب أن هذه التجارة كانت ضخمة ومنظمة وتسندها مؤسسات إدارية وعسكرية ومصارف كبيرة، بل، وكانت النظرة حينئذ إليها على أنها تجارة الملوك والأثرياء وعلية القوم وأن القبول الأخلاقي لهذه الممارسة اللإنسانية البشعة في الغرب كان متسقا مع شيوع نظرية التفوق العرقي التي تصف الإنسان الأفريقي بالدونية.
 ويخلص الطيب صالح إلى أن تجارة الرقيق ومؤسساتها الغربية الضخمة قد مهدت الطريق لاحقا وبشكل منطقي إلى ممارسة ومؤسسة أعم وأشمل، وهي الاستعمار الأوربي الذي اجتاح الدول الأفريقية لاحقا.
رغم ذلك لم تسلم المجتمعات العربية والإسلامية في أفريقيا ولا الثقافة العربية الإسلامية من وزر تلك التهم، ولم يكن ممكنا لها أن تدفع عن نفسها بأن دينها الإسلام جاء ليحرم الاستبعاد الذي كان سائدا في الجزيرة العربية.
حادثة جورج فلويد الأخيرة واستغاثته المحزنة البائسة بصوته المتحشرج (لا استطيع أن أتنفس)  أشبه ما تكون في بؤسها وحزنها باستغاثة الأفارقة كلهم (لا نستطيع أن نتقدم)       
بل بالعكس تحيز الرأي العام الغربي تجاه تلك المجتمعات بظهور حركات تدعو إلى مزيد من التدخل الغربي في أفريقيا لمحاربة تجارة الرقيق
واستخدمت هذه ذريعة إضافية لاستعمار عدد من الدول الأفريقية واستنزاف ثرواتها وقواها البشرية بينما تنتصب تماثيل الفخر والتمجيد لأباطرة تجارة الرقيق الغربيين في ميادين وساحات المدن الأوربية والأمربكية إلى اليوم.
ولا يسر المرء أن يرى أن النظرة العنصرية الغربية تجاه الأفارقة السود لا تزال كما هي حتى في مجتمعات تدعي أنها قامت على تعدد الأعراق مثل المجتمع الأمريكي والأوربي.
مما أدى إلى تفجر هذه الانتفاضة الهائلة التي تنتظم مدن العالم هذه الأيام ، ومن ناحية أخرى  لا تزال الأطماع المتزايدة في الهيمنة على موارد الدول الأفريقية  كما هي، وإن اتخذت أشكالا أكثرا ذكاء من ذي قبل.
عبر خلق مناطق التوتر والنزاع التي تجعل التدخل لاحقا (لإحلال السلام) أمرا حتميا بل ومطلوبا رغم المفارقة التي كشفتها حادثة جورج فلويد الأخيرة واستغاثته المحزنة البائسة بصوته المتحشرج (لا أستطيع أن أتنفس) وهي أشبه ما تكون في بؤسها وحزنها باستغاثة الأفارقة كلهم (لا نستطيع أن نتقدم) بينما ركبة العالم الغربي الأبيض على حنجرتي. 

الثلاثاء، 16 يونيو 2020

كيف استطاع مسلمو أمريكا الحفاظ على دينهم في زمن العبودية؟

كيف استطاع مسلمو أمريكا الحفاظ على دينهم في زمن العبودية؟


يقول معظم الأمريكيين إنهم يعرفون القليل عن الإسلام، أو لا يعرفون شيئًا على الإطلاق، بحسب استطلاع رأي أجراه مركز «بيو» للأبحاث، وحتى هذا القليل مصدره وسائل الإعلام التي تهيمن عليها التغطية السلبية بأغلبية كاسحة تناهز 80%، بحسب مشروع مسلمون من أجل التقدم الأمريكي.
في خضم هذا الاغتراب بين أبناء الوطن الواحد، يستند الخطاب المعادي للإسلام في الولايات المتحدة إلى افتراضٍ تاريخي خاطئ مفاده أن المسلمين الأمريكيين هم في الغالب مهاجرون، دخلاء على المجتمع الأمريكي، وأن الإسلام ظاهرة جديدة نسبيًا في الولايات المتحدة، إلى جانب مغالطات أخرى حول الاندماج والقيم والإسهامات، ويتناسى الكثيرون أن الإسلام حاضر في أمريكا منذ عصر العبودية.

جذور الإسلام في أمريكا منذ تأسيسها 

ما لا يعرفه كثير من الأمريكيين أن المسلمين لطالما كانوا متشابكين مع التاريخ الأمريكي، وأن جذور الإسلام في الولايات المتحدة تمتد إلى أيام التأسيس الأولى. بل إن تجليات الإسلام وإسهامات المسلمين خلال المحطات الرئيسة في التاريخ الأمريكي قد تفاجئ حتى معظم الأمريكيين أنفسهم، لا سيما ما يتعلق بمسيرة المسلمين المثيرة للإعجاب من العبودية إلى التحرر، كما تحكي جنيفر ويليامز.
«بغض النظر عن مدى قلق الأمريكيين بشأن الإسلام، فإن فكرة (الغزو الإسلامي) لهذه الدولة ذات الغالبية المسيحية، لا أساس لها في الواقع»، على حد قول بيتر مانسو في صحيفة «نيويورك تايمز». «علاوة على ذلك، وصل المسلمون إلى هنا قبل تأسيس الولايات المتحدة – ليس فقط بأعداد قليلة، بل بالآلاف».
تواجد المسلمون في أمريكا حتى قبل أن تصبح أمة، حيث وصلوا إلى الولايات المتحدة قبل 400 عام كجزء من تجارة الرقيق. ويقدر العلماء أن ما يصل إلى 30% من العبيد الأفارقة الذين نُقلوا قسرًا إلى الولايات المتحدة، من دول غرب ووسط أفريقيا مثل جامبيا والكاميرون، كانوا مسلمين. ويذكر الباحث ريتشارد برنت تيرنر أن عدد العبيد المسلمين الذين أُحضروا إلى الأمريكتين يتراوح بين 40 ألفًا (في الولايات المتحدة فقط) و3 ملايين عبر أمريكا الشمالية، والجنوبية، ومنطقة البحر الكاريبي.
حتى أن هناك تمثالًا يجسد صورة الرسول محمد، كما تخيلها الأمريكيون – على الجدار الشمالي للمحكمة العليا في الولايات المتحدة، الذي بني في عام 1935، يقف بين الإمبراطورين شارلمان وجستينيان، ضمن نخبة تضم 18 من كبار آباء القوانين في التاريخ. ولهذا دلالة كبيرة ترتبط بالجذور المسلمة في الولايات المتحدة الأمريكية، كما يشير الباحث تيموثي مار.

إستراتيجية الاختطاف.. ما جمعه الله هل يفرقه المستعمر الأبيض؟

هناك العديد من الروايات المثيرة للانتباه، تكشف الستار عن الإستراتيجية التي كانت متبعة لاختطاف الأفارقة من قبائل متنوعة في مختلف أنحاء القارة في زمن العبودية؛ حتى لا يتمكنوا من تبادل الأحاديث والتخطيط للثورات أو الهرب، بحسب موقع «Why Islam – لماذا الإسلام» الناطق بالإنجليزية.
لكن بينما اعتقد الكثير من المستعمرين البيض أن هذه المجموعات الأفريقية المجلوبة من أماكن متباعدة مختلفة عن بعضها البعض، اتضح أن الكثيرين منهم يعتنقون دينًا مشتركًا هو: الإسلام، وبالتالي تمكن الكثيرون من التواصل أو استخدام اللغة العربية كأرضية مشتركة.
استطاع المستعبَدون المسلمون الحفاظ على لغتهم الدينية بالكتابة، ونجحوا في توريث الدين للأحفاد عن طريق التلاوة الشفوية. لكن العديد من ملاك العبيد عارضوا هذا النهج بشدة، وطلبوا من عبيدهم أن يعتنقوا المسيحية، أو يسموا أنفسهم بأسماء مسيحية، أو يحضرون الصلوات المسيحية. وكان المالك يعتبر قدرة العبد على القراءة والكتابة بلغة أخرى بمثابة تهديد لسلطته.
ممارسة المسلمين شعائرهم علانية في عصر العبودية مغامرة محفوفة بالمخاطر، لذلك أبقى كثيرون ممارساتهم الدينية داخل بيوتهم، وكانوا يجتمعون سرًا لأداء العبادات الجماعية، وبينما أُجبِر الكثير منهم على التحول إلى المسيحية، تظاهر البعض الآخر بترك الإسلام، تماشيًا مع القواعد والقوانين المتبعة في المستعمرات.
اختار آخرون تحدي تلك الأوامر، وممارسة الإسلام علانية؛ كما حدث في جزر جورجيا ومنطقة البحر الكاريبي. وعلى الرغم من أن بعض العبيد المسلمين أُجبروا على ترك الإسلام بالإكراه البدني وسوء المعاملة، إلا أنهم لم يتخلوا بسهولة عن دينهم، وناضلوا بضراوة للتمسك بأصول الإسلام، ودفهم إيمانهم العميق إلى رفض اعتناق الكاثوليكية أو البروتستانتية، وفي بعض الحالات، كانوا يتحولون ظاهريًا فقط.
وبحسب المؤرخ سام هاسلبي، فإنَّه بحلول سنة 1503 كان مسلمو غرب أفريقيا أنفسهم قد أتوا بشكل مؤكد إلى العالم الجديد، ففي ذلك العام أرسل حاكم هيسبانيولا التابعة للتاج الملكي إلى إيزابيلا، يطلب منها التوقف عن استجلاب مزيدٍ من المستعبدين المسلمين. فقد كانوا كما كتب في رسالته «مصدرًا للهرج ودعاةَ عصيانٍ بين الهنود الأصليين» بإصرارهم على «الهروب من ملَّاكهم» مرارًا وتكرارًا.

تعرية التاريخ.. هكذا وصف المسلمون المستعبدون ما حدث معهم

بين عامي 1734 و1857، أنتج المسلمون المستعبدون في الأمريكتين مجموعة من الأدبيات التي ظهرت كنصوص منشورة، وأعمدة صحافية، ومداخلات في المجلات. من خلال هذه الأعمال المتداولة علنا، ساهموا في الخطاب القائم حول العرق والدين والانتماء في الولايات المتحدة، حسبما كتبت أنيت جوزيف جابرييل في مدونة «Black Perspectives». 
في العديد من هذه الروايات، وصف المؤلفون خاطفيهم بأنهم مسيحيون، وكشفوا اللثام عن نظام العبودية العنيف الذي لا يمكن فصله عن القومية الأمريكية التي عرَّفت نفسها بأنها بيضاء ومسيحية. تشير الروايات التي كتبها المسلمون المستعبدون إلى الانتقال – أي: الحركة المستمرة بعيدًا عن أماكن الاضطهاد – باعتباره فعلًا للمقاومة، لا يتضمن فقط السفر، بل يشمل أيضًا المراسلات والإنتاج الأدبي.
تُعرِّي هذه الروايات تاريخًا طويلًا، لا تُجسد فيه العنصرية والإسلاموفوبيا مظهرين منفصلين لمشكلة القومية الإقصائية، بل لونين متقاطعين من الاضطهاد الذي رسخ الإقصاء على طول الخطوط العرقية والدينية، على حد قول جابرييل.
يقول المؤرخ كامبيز غاني باسيري، الذي يعد كتابه «تاريخ الإسلام في أمريكا» – أحد أكثر الكتب شمولًا في هذا الموضوع – إن المسلمين في أمريكا الاستعمارية، وما قبل الحرب جاءوا من خلفيات عرقية وتعليمية واقتصادية متنوعة. في أمريكا، تنوعت تجاربهم اعتمادًا على متى وأين وكيف نقلوا إلى هذه الشواطئ.

نسف الكليشيهات.. السيرة الذاتية الوحيدة المعروفة في زمن العبودية

السيرة الذاتية الوحيدة المعروفة في أمريكا باللغة العربية من عصر العبودية، مؤلفة من 15 صفحة، كُتبت في عام 1831، وتحكي قصة عمر بن سعيد، المولود عام 1770 في السنغال الحديثة. حصلت عليها مكتبة الكونجرس من دار المزادات البريطانية سوثبيز في يونيو (حزيران) 2017، وأتاحتها للجمهور عبر موقعها على الإنترنت مجانًا.
اختُطِفَ عمر من السنغال في عام 1807 وهو في سن الـ37 ونُقِل قسرًا إلى تشارلستون في ولاية كارولينا الجنوبية ليُبَاع كعبد. هرب في عام 1810، لكنه أُسِرَ مرة أخرى حين توقف للصلاة في فايتفيل – نورث كارولاينا. هناك، اشتراه جيمس أوين، وبقي مستعبدًا حتى وفاته في عام 1864. مثل قرابة 30% من الأفارقة المستعبدين الذين نقلوا إلى الأمريكتين قسرًا، كان سعيد مسلمًا. وكان أيضًا واسع الإطلاع والثقافة الإسلامية، درس في كنف أخيه وغيره من العلماء المسلمين، وفق ما نشره موقع ريليجن نيوز.
تقول ماري – جين ديب، رئيسة قسم أفريقيا والشرق الأوسط في مكتبة الكونجرس: «ترسم هذه السيرة الذاتية صورة مختلفة تمامًا عن الأشخاص الذين جُلِبوا إلى أمريكا في عصر العبودية، وتُظهِر أن الكثير منهم كانوا من الموحدين أتباع الدين الإبراهيمي، وأن بعضهم كان يحظى بدرجة عالية من التعليم. لذلك فإنها تنسف تصوراتنا عن حقيقة هؤلاء العبيد وتقلبها رأسًا على عقب». يؤكد تيرنر أن العديد من المسلمين المستعبدين تلقوا قسطًا وافرًا من التعليم، وكانوا يتقنون اللغة العربية، وشغلوا في كثير من الأحيان أدوارًا قيادية في إطار المهام التي كانت توكل إلى العبيد في مزارع الجنوب الأمريكي.
«حياة عمر بن سعيد» ذات قيمة خاصة للباحثين؛ لأنها مكتوبة باللغة العربية، وهي الرواية الوحيدة المعروفة المكتوبة بهذه اللغة في عصر الاستعباد. «إذا كتب شخص مُستَعبَد باللغة الإنجليزية، فقد تكون مصداقيته مختلفة»، حسبما توضح ماري – جين ديب؛ حيث «يمكن لأي شخص أن يسترق النظر من فوق كتفه، أو يُعَدِّل ما كتبه، أو يملي عليه، أو يعاقبه على كتابته شيئًا سلبيًا. لكن عندما يكتب الشخص باللغة العربية، يكون الأمر أكثر أصالة. إنه صوت حقيقي».
أحدث مخطوطة معروفة كتبها سعيد بالعربية تضمنت آيات سورة النصر، وفق ما ورد في كتاب ريتشارد برنت تيرنر «الإسلام في التجربة الأفريقية -الأمريكية». لكن بينما اعتقد سيده – وبعض الباحثين – أن عمر كان يترجم «صلاة الرب»، كان الرجل في الواقع يحافظ على إيمانه، بالرغم من الظروف الصعبة التي كان يعيشها.
ولأن الغائب قد يكون أكثر ثراء من الحاضر، تلفت ماري – جين ديب إلى احتمالية وجود مخطوطات عربية أخرى لم يكتشفها الباحثون بعد، قائلة: «أود أن أحث الناس على النظر في عَلاليّهم (الغرفة في الطبقة الثانية من الدار وما فوقها) ومعرفة ما إذا كان أجدادهم قد تركوا شيئًا هناك. إذا رأيت شيئًا ما مكتوبًا بلغة صعبة، فلا تتخلص منه. ربما يكون ثمينًا للغاية».

عبر موسيقى البلوز وغيرها.. هكذا خاض العبيد حرب الحفاظ على إسلامهم 

يشير تيرنر، الذي وصف سعيد بأنه «أشهر عبد أفريقي مسلم في فترة ما قبل الحرب»، إلى أن حالة سعيد تظهر كيف تكيَّف العبيد المسلمون الأفارقة من خلال «الجهاد الداخلي للحفاظ على إيمانهم في بيئة غريبة». وعلى الرغم من بعض الإشارات التي تشير إلى احتمالية تحوُّل سعيد إلى المسيحية ظاهريًا في عام 1821، إلا أن العلماء يؤكدون احتمالية بقائه على الإسلام؛ مستشهدين بصلوات ونصوص إسلامية أدرجها في كتاباته، ومقاطع قرآنية استهل بها سيرته الذاتية. يقول تيرنر كان يُنظَر إلى أسمائهم، ولباسهم، وطقوسهم، وشعائرهم الغذائية، باعتبارها مؤشرات قوية على الهوية الإسلامية في مجتمع العبيد.
وبصفته باحثًا في المجتمعات المسلمة في الغرب، يؤكد سعيد أحمد خان، المحاضر في جامعة وين ستيت عبر موقع ذا كونفرزيشن أن ملاك العبيد الأفارقة أجبروهم على التخلي عن عقيدتهم وشعائرهم الإسلامية؛ لفصلهم عن ثقافتهم وجذورهم الدينية، وكذلك «تمدينهم» باعتناق المسيحية.

لكن على الرغم من هذه الجهود، تؤكد المؤرخة سيلفيان ضيوف أن «العديد من العبيد حافظوا على جوانب من عاداتهم وتقاليدهم، ووجدوا طرقًا جديدة ومبتكرة للتعبير عنها». حتى أن موسيقى البلوز، أحد المكونات الجوهرية للثقافة الأمريكية، يمكن تتبع أصولها إلى التأثيرات الإسلامية في عهد العبيد، كما تقول ضيوف، مستشهدة بأغنية البلوز الشهيرة «Levee Call Holler» بأسلوبها ولحنها المقتبس من أذان المسلمين. 
أثرت موسيقى البلوز أيضًا على مجموعة أخرى من أنواع الموسيقى الأمريكية، بدءًا من موسيقى الروك أند رول، وحتى موسيقى الجاز الأمريكية الأكثر شهرة. ويبدو أن عازف الجاز الشهير جون كولترين، المعروف برائعته «A Love Supreme» متأثر بإيقاع الصلوات والتعبيرات الإسلامية، على نحو ما يؤكده الباحث هشام عايدي، مؤلف كتاب «Rebel Music». 

كيف حافظ المُستَعبَدون على إسلامهم؟

كيف يستطيع المسلمون المستعبدون الحفاظ على معتقداتهم بينما يُكرهون على تغيير اسمهم وتناول لحم الخنزير؟ هناك العديد من القصص اللافتة عن المستعبدين الذين ظلوا صامدين وحافظوا على إيمانهم في أشد الظروف قسوة، يرصدها موقع «Why Islam»:
(1) بعض العبيد، مثل كونتا كينتي الشهير، لم يسمحوا أبدًا لسيدهم بالسيطرة عليهم، ورفضوا تغيير اسمهم. حتى أثناء تعرضه للجلد، حين يسأله سيده مرارًا وتكرارًا: ما هو اسمك؟ كان يجيب في كل مرة: كونتا كينتي.
(2) البعض الآخر أُجبِر على تغيير اسمه، مثل أيوبا سليمان ديالو الذي سموه جوب بن سولومان. لكن إيمانه العميق بالله كان يهديه إلى قراءة الشهادتين كلما وجد نفسه في موقف عصيب. وكان يهرع إلى الغابة لأداء الصلاة، وفي النهاية حصل على حريته من العبودية. 
(3) على الرغم من أن معظم الصلوات كانت منفردة، إلا أن بعض العبيد استطاعوا أداء الصلوات الخمس في الأماكن العامة. بل تمكن بعض المسلمين من إقامة صلاة الجمعة.
(4) قصة المستعبَد السابق محمد يارو لا تزال مجهولة للكثيرين. كان قادرًا على القراءة والكتابة باللغة العربية، ويعتقد المؤرخون أنه جاء من عائلة مسلمة ثرية في غرب أفريقيا. اختُطِف ونقل إلى ولاية ماريلاند حيث استُعبِد لمدة 44 عامًا قبل أن يفوز بالحرية. لكنه لم ينشغل بنفسه، بل شرع في إقراض الأموال للتجار لتسيير أمورهم، حتى أنه امتلك أسهمًا في بنك كولومبيا – جورج تاون.
(5) كان العديد من العبيد يحفظون القرآن بالفعل، مما ساعدهم على الحفاظ على اللغة العربية من خلال قراءتها و/أو كتابتها. واستخدموا معرفتهم بالعربية للتواصل مع بعضهم البعض، وتدوين ما يحتاجه ملاكهم، حتى أن بعضهم تمكن من الكتابة إلى عائلته في الوطن.
من أجل هذا كله يقول موقع «Why Islam»: «إن القول بأن المسلمين المستعبدين كانوا يمارسون الشعائر الإسلامية ببساطة، لهو بخس لقيمة ما فعلوه، والأصح القول: إنهم كانوا يتنفسون الإسلام. كان الإسلام هو مصدر إلهامهم وأملهم، ومنه يستمدون المشورة في أحلك الظروف