‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.حكيم نجم الدين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.حكيم نجم الدين. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

ماذا وراء مزاعم ترامب حول "الإبادة الجماعية" لمسيحيي نيجيريا؟

 ماذا وراء مزاعم ترامب حول "الإبادة الجماعية" لمسيحيي نيجيريا؟

الأربعاء، 22 أكتوبر 2025

ماذا يحدث في مدغشقر؟

 ماذا يحدث في مدغشقر؟

كاتب وباحث نيجيري.

تمر مدغشقر بأزمة سياسية أدت في الأيام الماضية، لفرار رئيسها أندريه راجولينا من البلاد بعد أسابيع من الاحتجاجات التي قادتها حركة الجيل زد، ليستولي على السلطة الكولونيل مايكل راندريانيرينا، قائد وحدة النخبة العسكرية باسم "فيلق الموظفين والخدمات الإدارية والفنية" (أو "كابسات" باختصار).

وفي خطوة استباقية لسد الباب أمام الانتقادات وتفادي العقوبات الإقليمية الدولية؛ أفاد الكولونيل راندريانيرينا، عشية أدائه اليمين الدستورية رئيسا جديدا لمدغشقر، بأن استيلاءه على السلطة، "ليس انقلابا"، قائلا: للصحفيين إن "الانقلاب هو دخول جنود إلى القصر الرئاسي مسلحين، وهم يطلقون النار، وهناك سفك دماء.. هذا ليس انقلابا".

ومع ذلك، ندد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بـ"التغيير غير الدستوري للحكومة"، وحث على "العودة إلى النظام الدستوري وسيادة القانون". وأعلن الاتحاد الأفريقي، الذي حظر عضوية مدغشقر، أنه أرسل بعثة إلى البلاد لمناقشة "استعادة النظام الدستوري". كما أرسلت "مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي" (سادك) فريقا لتقصي الحقائق.

خلفية موجزة عن مدغشقر

مدغشقر دولة جزرية في المحيط الهندي، على بُعد حوالي 400 كيلومتر من الساحل الجنوبي الشرقي لأفريقيا، شرق موزمبيق. وتقع بين قناة موزمبيق والمحيط الهندي، وتحيط بها جزر طرفية أصغر. وعاصمتها، أنتاناناريفو، في المرتفعات الوسطى بالقرب من مركز الجزيرة.

ونظرا لعزلتها ومكانتها الجيولوجيتين تتسم مدغشقر بنظام بيئي فريد يجعلها كيانا جغرافيا وثقافيا حيويا مميزا قبالة الساحل الشرقي للقارة الأفريقية.

ويُقدر عدد سكانها في عام 2025 ما بين 31 و33 مليون شخص، مع متوسط ​​أعمار صغير يبلغ حوالي 19 عاما. ويعيش حوالي 40% منهم في المناطق الحضرية، مثل العاصمة أنتاناناريفو.

وتتنوع هوية مدغشقر الديمغرافية والثقافية نتيجة التأثيرات الأفريقية والأسترونيزية والعربية والأوروبية التي تنعكس في تنوعها الإثني، حيث تضم إثنيات رئيسية مثل الميرينا (أكبر إثنية في البلاد) في المرتفعات الوسطى و بيتسيميساراكا (ثاني أكبر إثنية) على الساحل الشرقي، وغيرهما. ولكل من هذه الإثنيات لهجاتها وممارساتها الثقافية الخاصة، مع امتزاج المسيحية بالمعتقدات المحلية، إلى جانب الإسلام و"اللادينية".


ويعتمد اقتصاد مدغشقر على الزراعة وصيد الأسماك والحراجة، وكلها تشكل أكبر مصدر للعمالة وتوفر سبل العيش لغالبية السكان من خلال زراعة الكفاف والمحاصيل النقدية عالية القيمة مثل الفانيليا (التي تُعد مدغشقر أكبر منتج لها في العالم)، والقرنفل، والقهوة.

ويزداد تنوع اقتصادها بفضل استخراج معادن أساسية مثل النيكل والكوبالت والجرافيت والإلمنيت، وصناعة المنسوجات والملابس القوية، التي تستفيد من اتفاقيات التجارة التفضيلية، مثل: "قانون النمو والفرص في أفريقيا" (AGOA). كما يتصاعد الاهتمام الاقتصادي بقطاعي السياحة والاتصالات مؤخرا.

ورغم ثروتها من الموارد الطبيعية وصناعاتها التي بدأت تحفز النمو، لا تزال مدغشقر تعاني من ارتفاع حاد في معدل الفقر الوطني، وضعف في البنية التحتية، وخاصة في مجالي الكهرباء والمياه، مع اعتمادها على القطاع غير الرسمي والمساعدات الخارجية.

وتشمل قائمة شركائها التجاريين الرئيسيين في مجال الصادرات: فرنسا، والولايات المتحدة، واليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، بينما تأتي الواردات بشكل رئيسي من الصين، وعُمان، وفرنسا، والهند، وجنوب أفريقيا.

وكقوة استعمارية سابقة، تحافظ فرنسا على حضورها القوي سياسيا واقتصاديا وثقافيا في البلاد، وتلعب دورا متعدد الجوانب في اقتصادها، حيث تظل عميلا رئيسيا لصادراتها مثل؛ المنسوجات، والمنتجات الزراعية، والسمكية، ومورِدا رئيسيا للواردات مثل؛ الآلات، والأغذية المصنعة. بل وتتمتع الشركات الفرنسية بحضور قوي في قطاعات رئيسية مثل؛ البنوك، والطاقة، كما تعد باريس مانحا ثنائيا للمساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة للبلاد.

وبالرغم من المرونة التي أظهرها اقتصاد مدغشقر في الآونة الأخيرة، حيث يُقدر نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 4.2% إلى 4.4% في عام 2023، ويُتوقع أن يظل قويا عند حوالي 4.5% في عامي 2024 و2025، مدفوعا بالأداء القوي للصناعات الاستخراجية، وانتعاش السياحة، وزيادة الاستثمار العام في البنية التحتية؛ فإن هذا النمو غير متكافئ وغير كافٍ للحد من الفقر الذي تعانيه البلاد، والذي يؤثر على حوالي 75% من السكان، في ظل ارتفاع التضخم بمعدلات تتراوح بين 7% و9% في السنوات الأخيرة؛ بسبب استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة الذي يُضعف القدرة الشرائية لمعظم السكان.

ومن الناحية السياسية؛ اتسمت مدغشقر منذ استقلالها عام 1960 بعدم الاستقرار السياسي والانقلابات المتكررة وتغير التحالفات؛ إذ شهدت أول انقلاباتها عام 1972، والذي أطاح بأول رئيس، "فيليبرت تسيرانانا"، وسط احتجاجات واضطرابات اجتماعية.

وشهدت العقود اللاحقة عدة اضطرابات عسكرية وسياسية، بما في ذلك صعود ديدييه راتسيراكا عام 1975، الذي حكم كقائد عسكري اشتراكي حتى أجبرته انتفاضة عام 1991 على الانتقال إلى التعددية السياسية والديمقراطية الهشة، والتي اتسمت لاحقا بالانتخابات المتنازع عليها، والنزاعات على السلطة.

وكان الانقلاب السياسي المدعوم من قبل وحدة "كابسات" عام 2009 أبرز الانقلابات في الذاكرة الحديثة بمدغشقر؛ إذ رفضت الوحدة العسكرية النخبوية، التي تسيطر على اللوجيستيات والأفراد والإدارة للقوات المسلحة، دعم إجراءات إدارة الرئيس، مارك رافالومانانا ضد الاحتجاجات المناهضة لها والتي قادها زعيم المعارضة أندريه راجولينا آنذاك.


إعلان


ومن خلال الاستيلاء على طريق رئيسي وإدارة ظهرها عن رافالومانانا، أشارت "كابسات" إلى بقية قوات الأمن بأن رافالومانانا، قد فقد السيطرة على الجهاز العسكري، مما أدى إلى الإطاحة به، وتنصيب زعيم المعارضة راجولينا رئيسا للسلطة الانتقالية العليا.

وفي عهد الرئيس أندريه راجولينا، استمر الجدل السياسي رغم ما شهدته مدغشقر من جهود إصلاحية؛ إذ وعدت إدارته بمعالجة الفساد وتحسين الاقتصاد، ولكنها واجهت انتقادات لتوجهاتها التعسفية وفشلها في تحقيق تحسينات جوهرية للمواطنين الملغاشيين البسطاء، كما اتسمت فترة حكمه بتوتر العلاقات مع المعارضين السياسيين. وبعد فترة وجيزة من غيابه عن السلطة عقب انتخابات عام 2013، أُعيد انتخابه رئيسا عام 2018 وسط استقطاب سياسي ونتائج متنازع عليها.

أندريه راجولينا وعلاقته بفرنسا

كانت علاقة الرئيس راجولينا المطاح به الأسبوع الماضي محل نقاشات واسعة في مدغشقر؛ إذ يُنتقد من قبل العديد من الملغاشيين بـ "دمية في يد فرنسا" نظرا لتصورهم بأنه يخدم المصالح الفرنسية، ويُقوض سيادة مدغشقر.

وفي حين يرتبط هذا الاستياء بذكرى التاريخ الاستعماري الفرنسي في البلاد، فإنه يتعلق أيضا بأحداث مختلفة منذ 2011 تقريبا عندما كان الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، أول رئيس دولة أجنبية يعترف بـ "راجولينا" رئيسا بعد انقلاب 2009، مما منحه نوعا من الشرعية.

وهناك مزاعم بأن راجولينا تلقى مساعدات مالية من ساركوزي؛ دعما للاحتجاجات التي قادها كزعيم المعارضة عام 2009، وتأمينا للدعم العسكري للانقلاب.

وقد سعت إدارة راجولينا أيضا نحو فرنسا للحصول على دعم للتنمية الاقتصادية والبنية التحتية والتعليم والأمن، ومنحت عقودا كبرى لشركات فرنسية، مما غذّى حالة الاستياء في مدغشقر، كما أن هناك اتفاقيات دفاعية وتجارية راسخة بين فرنسا والبلاد.

وتُحافظ باريس على وجود عسكري في منطقة جنوب المحيط الهندي، مثل "القوات المسلحة لمنطقة جنوب المحيط الهندي" (FAZSOI) التي تعد إحدى الأدوات العديدة التي تستخدمها باريس؛ لتعزيز التعاون الإقليمي ودعم نفوذها الإقليمي، بما في ذلك مع مدغشقر.

على أن أكبر الحوادث التي صعّدت الاستياء العام وعدم الثقة في إدارة راجولينا قضية جنسيته الفرنسية المخفية. إذ كشفت تقارير إعلامية عام 2023 أن راجولينا حصل على الجنسية الفرنسية قبل تسع سنوات، وتحديدا في 2014.

وقد اعتبر العديد من الملغاشيين عدم الكشف عن جنسيته الفرنسية خيانة عظمى للبلاد. فكان موقف المعارضة سحب جنسيته الملغاشية، واستبعاده من الانتخابات الرئاسية عام 2023، التي فاز بها رغم مقاطعة المعارضة، وضعف الإقبال من الملغاشيين.

وقد عزز شعور كون راجولينا عميلا فرنسيا، في الأيام الماضية، نقله من مدغشقر على متن مروحية أو طائرة عسكرية فرنسية، تزامنا مع إعلان العفو الرئاسي عن مواطنين فرنسيين مسجونين في مدغشقر بتهم محاولة الانقلاب الفاشل في عام 2021، مما أثار تكهنات بشأن وجود صفقة مع فرنسا لإجلائه، وسط احتجاجات متصاعدة مناهضة لحكومته. وقد أدى هذا إلى رفع المحتجين لافتات تطلب خروج فرنسا وماكرون وراجولينا من البلاد.

الجيل زد والاحتجاج ضد الظروف السوسيواقتصادية والفساد

شهدت فترة ولاية راجولينا الثانية تزايد الاستياء العام؛ بسبب الصعوبات الاقتصادية، ومشاكل البنية التحتية، وتحديات الحوكمة. وبلغ الوضع ذروته في خروج الاحتجاجات الجماهيرية التي قادتها حركة الشباب "الجيل زد مدغشقر"، وبدأت 25 سبتمبر/أيلول 2025 كصرخة ضد الانقطاع المزمن والمعيق للمياه والكهرباء في العاصمة أنتاناناريفو.

وسرعان ما تفاقمت المظالم الأولية إلى تمرد منهجي أججه إحباط الشباب من الفقر وعدم المساواة وعقود من الإهمال الحكومي، إلى جانب محدودية فرص العمل، وصعوبة الحصول على التعليم العالي.


وهكذا توسعت المطالب الرئيسية للمحتجين لتشمل استقالة راجولينا، وحل البرلمان، واستبدال أعضاء المحكمة الدستورية العليا، واللجنة الانتخابية مع شن حملة شاملة على الفساد والمحسوبية السياسية.

وتتسم "الجيل زد" في مدغشقر باعتمادها الكبير على المنصات الرقمية، مما يعكس حركات شبابية أفريقية وعالمية مماثلة. وقد نسق نشطاؤها جهودهم عبر قنوات مشفرة مثل "ديسكورد" و "سيغنال"، واستخدموا منصات عامة مثل فيسبوك وإنستغرام للتعبئة الجماهيرية، متجاوزين الهياكل السياسية، ووسائل الإعلام التقليدية.

كما اعتمدت الحركة رموزا ثقافية، أبرزها علَم الجمجمة والعظمتين، المتقاطعتين المُعدل من مسلسل الأنمي الياباني "ون بيس"، مُستبدلة قبعة القش بقبعة دلو الملغاشية التقليدية، مما يُبرز الطابع الحديث للحركة واستلهامها من انتفاضات الشباب الحديثة في دول مثل نيبال وإندونيسيا.

وقد تراوح رد الرئيس راجولينا على الاحتجاجات بين الإقالة في البداية، والمناورات السياسية التنازلية، والحملة الأمنية الصارمة، ومحاولة فرض سلطته قبل الفرار من البلاد.

ففي المرحلة الأولى من الاحتجاجات، حاول تهدئة الغضب الشعبي من خلال معالجة بعض المظالم الجوهرية والمباشرة؛ إذ في 29 سبتمبر/أيلول 2025، أقر علنا بالأزمة، وقدم تنازلا كبيرا بإعلان حل حكومته بالكامل، بمن في ذلك رئيس الوزراء، وعين الجنرال روفين فورتونات زافيسامبو، رئيسا للوزراء في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025، في خطوة للتأكيد على جديته وضم شخصية قوية مدعومة عسكريا إلى السلطة التنفيذية. وكلف رئيس الوزراء الجديد علنا باستعادة النظام وثقة الشعب. كما سعى راجولينا إلى إيجاد مساحة للحوار مع الشباب المحتجين.

ومع ذلك، رفضت الحركة العرض، معتبرة إياه صرفا غير كافٍ عن الحاجة إلى تغيير النظام، ومضت قدما في مطالبها باستقالة راجولينا الكاملة، وإصلاحات مكافحة الفساد.

وحدة "كابسات" ودورها المتكرر كصانع الملوك

تتمثل نقطة التحول الحاسمة في الاحتجاجات الأخيرة في انشقاق وحدة "كابسات" التي رفضت الامتثال لأوامر الرئيس راجولينا بقمع المحتجين، وانضمت بدلا من ذلك إليهم. وهذه سمة متكررة في انقلابات مدغشقر.

وبصفته من كبار الضباط في "كابسات"، سجل الكولونيل مايكل راندريانيرينا (البالغ من العمر 51 عاما) مقطع فيديو في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حث فيه قوات الأمن في مدغشقر على عصيان أوامر إطلاق النار على المحتجين، داعيا الجنود إلى حمايتهم بدلا من ذلك، وواصفا أوامر القمع بأنها غير قانونية. وقد لاقى هذا النداء صدى داخل الجيش الملغاشي، ودفع العديد من جنود "كابسات" إلى الانضمام إلى الاحتجاجات.

بعد إعلان راندريانيرينا، سيطرت "كابسات" على القوات المسلحة في جميع أنحاء البلاد. وأدى تأثير الانحياز إلى المحتجين إلى عزل الرئيس راجولينا سياسيا وعسكريا، ففرّ من البلاد بدعوى محاولة اغتياله، بينما انضمت عناصر أمنية أخرى مثل الدرك والشرطة رسميا إلى الحركة المناهضة لحكومته، كما صوتت الجمعية الوطنية على عزله لـ "فراره من الخدمة"، وهو ما حسم سقوطه. ومن ثم أعلن راندريانيرينا سيطرته على البلاد، وحل جميع المؤسسات باستثناء الجمعية الوطنية، وأدى اليمين الدستورية رئيسا مؤقتا، متعهدا بتشكيل حكومة انتقالية ووحدة وطنية.

وفي حين أبدى راندريانيرينا إرادته ضم أعضاء من الجيل زد المحتجة لإدارته، وانتخبت الجمعية الوطنية زعيم المعارضة سيتيني راندرياناسولونيايكو رئيسا جديدا لها؛ فإن النظر إلى الطبيعة السياسية الهشة لمدغشقر وتكرار دور وحدة "كابسات" في حسم الأزمات السياسية وإيصال من تؤيدها إلى سدة الحكم، يجعل البعض ينظرون إلى الاحتجاجات الأخيرة وشكاوى الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية على أنها مجرد عوامل سهلت تحقيق حلم الكولونيل راندريانيرينا في المقعد الرئاسي، ومحفزات لاستيلائه على السلطة، وخاصة أنه- أي الكولونيل راندريانيرينا- تولى رئاسة البلاد رغم أن الدستور استلزم أن يتولى رئيس البرلمان المنصب الرئاسي.

وقبل الانقلاب، كان راندريانيرينا مجهولا نسبيا لعامة الناس. شغل سابقا منصب حاكم منطقة "أندروي" من 2016 إلى 2018 خلال رئاسة هيري راجاوناريمامبيانينا (رئيس مدغشقر السابع من 2014 إلى 2018)، كما قاد كتيبة مشاة في "توليارا" حتى يوليو/تموز 2022، وترأس لاحقا وحدة "كابسات".

وكان من أشد منتقدي الرئيس راجولينا، كما أُلقي القبض عليه في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بتهمة محاولة قيادة تمرد عسكري والتخطيط لانقلاب، ولكن أُطلق سراحه في أوائل 2024 مع وقف التنفيذ.


ما الذي يعنيه التطور الأخير؟

إن المفارقة في رفض "كابسات" أوامر الرئيس المعزول راجولينا، والانحياز للمحتجين مع الإطاحة به؛ أن هذه الوحدة النخبوية العسكرية هي نفسها التي أوصلت راجولينا إلى السلطة في انقلاب 2009.

وكذلك تحول الكولونيل راندريانيرينا لإعادة تنظيم الصفوف العسكرية لتواكب الأجيال الجديدة، وخاصة أن مؤيدي تحركاته ومنتقدي إدارة راجولينا يرون أن تحركاته استجابة لمطالب شعبية، وليست محاولة انقلاب تقليدية.

ومع ذلك، يبرز تورط "كابسات" في أحداث عامي 2009 و12 أكتوبر/تشرين الأول 2025، نمطا متكررا يتمثل في تصرف الوحدة النخبوية العسكرية كصاحب حُكم أو قرار سياسي نهائي، يمهد الاستياءُ الشعبي له الطريق.

وهناك من المحتجين من ينظرون إلى استيلاء الجيش على السلطة على أنه "نصف نصر"، ويتوقعون الآن من الحكومة الانتقالية تسريع معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية. وقد يؤدي عدم القيام بذلك (وعدم اليقين المُحيط بمدة الفترة الانتقالية والإطار القانوني للانتخابات الجديدة) إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار، وخاصة أن الرئيس الجديد الكولونيل راندريانيرينا، أعلن عن فترة انتقالية (مع الحديث عن مدة تصل إلى عامين)، مما قد يخلق أزمة دستورية، لا سيما مع إصدار المحكمة الدستورية العليا بيانا متضاربا يدعو إلى إجراء انتخابات خلال 60 يوما.

وباعتبار أن عدم الاستقرار السياسي يعيق الاستثمار الأجنبي ويقوض الانتعاش الاقتصادي، وبصفة مدغشقر موردا عالميا رئيسيا للفانيليا والمعادن الأساسية (مثل الجرافيت والنيكل)، يُمكن لإطالة مدة الأزمة السياسية أو تجددها أن تعطل سلاسل التوريد العالمية، وتهدد مشاريع التعدين الأميركية وحلفائها. هذا، إلى جانب أن نهج النظام الجديد تحت قيادة راندريانيرينا تجاه هذه القطاعات الحيوية لا يزال مجهولا.

ويُمثل نجاح حركة الشباب في إجبار رئيس على التنحي أو الفرار، حتى مع التدخل العسكري، سابقة قوية؛ إذ يُراقب هذا التطور من كثب في جميع أنحاء أفريقيا، حيث تنشط احتجاجات مماثلة يقودها الشباب مدفوعة بالإحباط الاقتصادي، ومشاعر مناهضة للفساد.

والنجاح الذي حققته هذه الاحتجاجات الشبابية في الإطاحة بـ "راجولينا" قد يُلهم حركات لتجدد حراكاتها الاحتجاجية المُناهضة للحكومات في دول أفريقية أخرى تُعاني من سوء الإدارة والتحديات الأخرى.

ويُشكل الانقلاب الجديد تحديا مباشرا للكتلة القارية: الاتحاد الأفريقي، والكتلة الإقليمية: "مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي" (سادك)، اللتين تنتهجان سياسة عدم التسامح المطلق مع التغييرات غير الدستورية للحكومات؛ إذ يعني وقوع انقلاب جديد في جنوب شرق أفريقيا (بعد عدة انقلابات في منطقة الساحل)، أن أمامهما اختبارا جديدا صعبا حول مدى مصداقية الكتلتين وفاعلية إطارهما في إنفاذ المبادئ الديمقراطية والتوسط في الأزمات. وستواجهان ضغوطا لتنسيق استجابتهما والدفع نحو عودة قصيرة وواضحة للحكم المدني.

ويؤثر عدم الاستقرار السياسي بشكل مباشر على الوصول العالمي إلى المعادن الحيوية في مدغشقر، حيث يضع المصالح الأميركية، والصينية، والروسية في المحيط الهندي تحت المجهر.

وقد يُنشئ ساحة جديدة للمناورة الجيوسياسية، وخاصة أن هناك ملامح غير واضحة بعدُ تؤشر على إمكانية تغيير هذه الأزمة السياسية نفوذ اللاعبين الدوليين الرئيسيين، وخاصة فرنسا التي احتفظت بنفوذ قوي في عهد راجولينا، حيث تجاوز حجم التجارة الثنائية بين باريس وأنتاناناريفو 1.1 مليار دولار سنويا في السنوات الثلاث الماضية.

وأصبح الرئيس إيمانويل ماكرون أول رئيس فرنسي يزور مدغشقر منذ ما يقرب من 20 عاما عندما زارها في أبريل/نيسان 2025 لإتمام اتفاقيات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والسياحة، مُعربا خلال زيارته عن اهتمامه بتطوير سلاسل التوريد والشراكة في المعادن الحيوية.

وعليه، قد يُغير الانقلاب العسكري مصالح فرنسا، لا سيما أن الانقلاب يتبع نمطا شوهد في العديد من المستعمرات الفرنسية السابقة في أفريقيا منذ 2020، مثل بوركينا فاسو، والنيجر، مما قد يعزز تنامي المشاعر المعادية لفرنسا في القارة.

وفي حين يبدو وكأن قائد الانقلاب والرئيس الجديد، الكولونيل راندريانيرينا، سينأى بنفسه عن الإرث الاستعماري نظرا للافتات المحتجين الشباب ضد فرنسا، ورفض رد راندريانيرينا باللغة الفرنسية خلال مقابلة له بعد الانقلاب، مُظهرا أولوية اللغة الملغاشية، إلا أن ذلك لا يثبت موقفا قاطعا معاديا لفرنسا، حيث إن حضور السفير الفرنسي في مدغشقر حفل تنصيبه يُشير إلى استمرار العلاقات الرسمية.

الأحد، 21 سبتمبر 2025

تحالف دول الساحل والسعي إلى الاستقلال الاقتصادي

 تحالف دول الساحل والسعي إلى الاستقلال الاقتصادي

كاتب وباحث نيجيري.

خريطة مجموعة دول الساحل


في 29 يناير/كانون الثاني 2025 أعلنت الأعضاء الثلاث: مالي وبوركينا فاسو، والنيجر في "تحالف دول الساحل" انسحابها الرسمي من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس"، وذلك بعد 16 شهرا من تأسيس التحالف كرد مباشر على استيائها من عقوبات إيكواس، ومطالبها بالعودة إلى الحكم الديمقراطي، وما اعتبرته الدول الثلاث نفوذا غربيا مفرطا.

ومنذ الانسحاب وتأسيس التحالف تتحرك مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر نحو مساعي تحقيق الاستقلال الاقتصادي، حيث تظهر تطورات الشهور الأخيرة أن هذه الدول قطعت شوطا ملحوظا في تعزيز الإطارات التعاونية لإصلاح القطاعات الرئيسية المؤثرة في اقتصاد التحالف.

تحركات نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي
تأسس "تحالف دول الساحل" بموجب ميثاق ليبتاكو-غورما، وتشمل أولوياته الدفاع المشترك، وتجميع الموارد لمواجهة انعدام الأمن، كما يوفر لأعضائه الثلاث إطارا إقليميا لمعالجة الفقر والتلاعب الخارجي، ومواجهة العقوبات من المؤسسات التي تعتبرها دولها الأعضاء خاضعة لهيمنة الغرب.

وكل هذه الخطوات تمهد الطريق نحو السيادة الاقتصادية والاستقلال، كما تعكس الإحباط من القوى الاستعمارية السابقة والرغبة في بدائل متعددة الأقطاب، بما في ذلك تعميق العلاقات مع روسيا والصين.

ولتحقيق ما سبق، بدأت دول التحالف نقاشات حول طرح عملة إقليمية جديدة لتحل محل الفرنك الأفريقي، وذلك لتعزيز السيادة النقدية، وتقليل الاعتماد على الهياكل المالية الاستعمارية السابقة.

كما أعلنت في مايو/أيار 2025 عن إنشاء بنك الكونفدرالية للاستثمار والتنمية "BCID-AES"، برأسمال أولي قدره 500 مليار فرنك أفريقي، بهدف تمويل البنية التحتية والتنمية بشكل مستقل، وتجنب الاعتماد على المانحين الدوليين.

وهناك تحركات لتوحيد أطر السفر، مثل جهود جواز السفر المشترك بين دول التحالف، والذي طرح في 29 يناير/كانون الثاني 2025؛ لتسهيل الحركة وتقليل الحواجز بين الدول الأعضاء. كما تم فرض رسوم جمركية موحدة (0.5% رسوم استيراد) على البضائع الواردة من الدول غير الأعضاء، وألغيت رسوم التجوال بين دول التحالف، مما سيعزز تكامل الأسواق والترابط داخل الكتلة.


إلى جانب ما سبق، يشهد قطاعا الطاقة والتعدين تطورات هامة، بما في ذلك إلغاء التراخيص وتطبيق سياسات تعطي الأولوية للمصالح الوطنية (سياسة تأميم الموارد) في قطاع التعدين والقطاعات الرئيسية، محولة التركيز من استغلال الموارد من قبل القوى الخارجية إلى التصنيع المحلي وإضافة القيمة.

وقد اجتمع منظمو الطاقة في التحالف في مايو/أيار 2025 لتنسيق السياسات، مع التركيز على تعزيز الطاقة المتجددة والاكتفاء الذاتي.

وأطلق "تحالف دول الساحل" برامج بنية تحتية مشتركة، وخاصة في قطاع الزراعة، وطبق ضوابط على تصدير الحبوب؛ لضمان الأمن الغذائي في المنطقة. كما أنشأ تحالف منتجي البذور الزراعية في منطقة الساحل "APSA-Sahel" كخطوة إستراتيجية موازية لتعزيز السيادة الغذائية من خلال تشجيع استخدام أصناف البذور المحلية وتطويرها.

وهذه الخطوة تقلل الاعتماد على المدخلات الزراعية المستوردة وتعزز مرونة النظم الغذائية في المنطقة، حيث إن الاهتمام بالبذور المحلية وتطويرها يحسنان الإنتاجية الزراعية، ويضمنان سيطرة أكبر على سلاسل الإمداد الغذائي.

ويضاف إلى ما سبق أن قادة "تحالف دول الساحل" ووزراء ماليته قد أكدوا في مساعيهم وتصريحاتهم على تنويع الشراكات الخارجية، والسعي إلى استقطاب استثمارات ودعم إستراتيجي من دول البريكس والصين وصناديق الثروة السيادية الأفريقية، مع إعادة التفاوض على الشروط مع المانحين الغربيين التقليديين.

مؤشرات اقتصادات دول التحالف
من السابق لأوانه الجزم بنجاح "تحالف دول الساحل" أو فشلها في تحقيق أهدافها الاقتصادية، نظرا للتحديات الهائلة التي أدت إلى الانقلابات الأخيرة، وتفاقم المشاكل الاقتصادية والتنموية؛ بسبب العقوبات الدولية والأزمات الأمنية الوطنية والإقليمية.

إضافة إلى أن بعض الإصلاحات الاقتصادية والمبادرات التنموية قد لا يشعر بها المواطنون إلا بعد فترة حتى لو كانت البيانات والإحصاءات تؤيد فاعلية تلك الإصلاحات. ومع ذلك، وبالنظر إلى التقارير الأخيرة حول كل دولة في الكونفدرالية، يلاحظ أن جميعها تقدم نظرة إيجابية عامة.

حالة دولة مالي:
بدأ اقتصاد مالي يتعافى ببطء بعد الركود الذي شهده في 2020؛ إذ قدر نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلاد بنسبة 3.7% في 2022، ليتسارع إلى 4.5% في 2023. وقد توقع وصوله إلى 4.7% في 2024، و5.0% في 2025. وكانت القطاعات الرئيسية الدافعة للنمو هي: الزراعة، والخدمات، إلى جانب الاستخراج الجديد لليثيوم مؤخرا.

ومما يعزز اقتصاد مالي أن البلاد اعتمدت في 2023 قانونا جديدا للتعدين، زاد بشكل ملحوظ حصة الدولة في مشاريع التعدين من 20% إلى 35%، بما في ذلك حصة حكومية إلزامية مجانية بنسبة 10%، وخيار الحصول على 2% إضافية خلال عامين من الإنتاج التجاري.

كما خصصت حصة 5% إضافية للمصالح الخاصة المحلية. وأكدت المراسيم التنفيذية الجديدة الصادرة في 2024 على سيطرة الدولة، ومتطلبات المحتوى المحلي، والرقابة الصارمة على عمليات نقل الملكية، مع إعطاء الأولوية لموافقات الحكومة والحد من الاحتكار من خلال وضع حد أقصى لتصاريح الاستكشاف.


وقد ألغى قانون التعدين بعض الإعفاءات الضريبية، وأدخل رسوما بنسبة 7.5% على مبيعات الذهب التي تزيد عن 1500 دولار للأونصة، ويلزم شركات التعدين بتخصيص جزء من دخلها لصندوق التنمية المحلية للتعدين الذي يدعم المشاريع المجتمعية.

إضافة إلى إجراءات أخرى تعزز بناء القدرات المحلية والاستدامة البيئية في مجال التعدين الحِرفي، بما في ذلك التخلص من المواد الكيميائية الضارة. وبلغت الإيرادات المستردة من خلال عمليات التدقيق والمفاوضات حوالي 750 مليار فرنك أفريقي (حوالي 1.2 مليار دولار أميركي) في أوائل 2025، مما عزز خزائن الدولة.

وفي حين انخفض إنتاج الذهب بنسبة 23% في 2024؛ نتيجة التحديات الانتقالية الناجمة عن تغييرات السياسات؛ فإن هناك توقعات بأن يصبح الليثيوم الذي بدأ استخراجه في 2024 سلعة تصدير رئيسية جديدة لمالي، مما قد يعوض جزئيا عن خسائر عائدات الذهب.

وقد أطلقت وزارة المعادن في مالي صناديق لتمويل البنية التحتية في قطاعي الطاقة والنقل لدعم قطاع التعدين. كما تركز الجهود على توسيع البنية التحتية لضمان إمدادات الطاقة اللازمة للنمو الصناعي والتعديني، وهو أمر ضروري في ظل نقص الطاقة الذي يؤثر على الأنشطة الاقتصادية.

ويضاف إلى ما سبق أن الإنتاج الزراعي القوي يواصل دعم النمو والأمن الغذائي؛ إذ ساهمت صادرات القطن وتحسن شروط التبادل التجاري في تضييق عجز الحساب الجاري للبلاد واستقرار الأسعار.

وقد ركزت حكومة مالي أيضا على توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين تحصيل الإيرادات، وتعزيز الرقابة على الإنفاق العام، وخاصة على الشركات المملوكة للدولة وشركة الكهرباء.

كما شهد قطاع الاتصالات نموا مع توسع الاستثمارات، مما يساهم في تنويع الاقتصاد. وأدت رقمنة إدارة الضرائب وتحسين الجمارك إلى ضبط أوضاع المالية العامة، مما خفض العجز إلى 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024.

ومع ذلك، من المتوقع أن يتسع العجز المالي مجددا (3.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025)؛ بسبب الإنفاق المتعلق بالفيضانات وانخفاض عائدات التعدين. كما ارتفع الدين العام بشكل طفيف، حيث يقدر بنحو 52- 55% من الناتج المحلي الإجمالي، مع تصنيف خطر ضائقة الديون على أنه معتدل.

حالة بوركينا فاسو
انتعش النمو الاقتصادي في بوركينا فاسو من تباطؤ بلغ 1.7% في 2022 إلى 3.6% في 2023، ثم تسارع إلى ما يقدر بنحو 4.9% في 2024، حيث إن قطاعي الخدمات والزراعة هما المحركان الرئيسيان لهذا النمو، وذلك لاستفادة الزراعة من الطقس الملائم والدعم الحكومي، وعودة المزارعين إلى الأراضي المهجورة سابقا.

وهناك دور ثانوي ملحوظ لتعدين الذهب في اقتصاد البلاد، على الرغم من انعدام الأمن الذي تسبب في اضطرابات متقطعة وإغلاق المناجم، وخاصة منجم بونغو للذهب.

وهناك تحركات إصلاحية لحكومة البلاد لتحسين تحصيل الضرائب وإدارة التعدين وتعزيز الفوائد المحلية من التعدين. وهناك مساعٍ لإصلاح قطاع التعدين الحِرفي (أو التعدين صغير النطاق)؛ لتحسين السلامة وإضفاء الطابع الرسمي على عملياته.

وقد سلطت البيانات المرتبطة باقتصاد بوركينا فاسو لعام 2025 الضوء على أهمية توسيع قطاع الطاقة لتحقيق النمو، ودعم التحول الاقتصادي الأوسع، حيث تعزز الحكومة سياساتها لتحسين معدلات الكهربة، والوصول إلى المناطق الحضرية والريفية، وتنويع مصادر الطاقة من خلال استثمارات الطاقة المتجددة. ويجري السعي لإبرام شراكات واتفاقيات تمويل لدعم تحديثات الشبكة، وتوسيع البنية التحتية اللازمة للنشاط الصناعي.

وارتفع نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 0.7% في 2023 إلى 2.5% في 2024. كما انخفض التضخم بشكل حاد إلى 0.7% في 2023، لكنه ارتفع إلى حوالي 4.2% في 2024؛ بسبب انقطاع الإمدادات ومضاربة أسعار المواد الغذائية؛ بسبب تأخر موسم الأمطار.

وعلى الرغم من الضغوط التضخمية، انخفض معدل الفقر المدقع بنحو 3 نقاط مئوية إلى حوالي 23% في 2024، مع تحسن ملحوظ في المناطق الريفية. كما تحسن العجز المالي، حيث انخفض من 6.5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2023 إلى 5.6% في 2024، مدعوما بتحسن تعبئة الإيرادات وخفض النفقات.

ولا تزال مستويات الدين مثيرة القلق لدى بعض الاقتصاديين، إذ اقترضت البلاد بشكل رئيسي من الأسواق الإقليمية، وتواجه أسعار فائدة مرتفعة (أكثر من 9% على سندات الخزانة لأجل 12 شهرا).

حالة النيجر:
يتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي في النيجر حوالي 7.4% في 2025، وهو أقل من معدل النمو المتوقع في 2024 والبالغ 10.4%. ويعود هذا التطور بشكل رئيسي إلى قطاع الهيدروكربونات، وخاصة صادرات النفط، بالإضافة إلى مرونة القطاع الزراعي. كما يتوقع أن يتراجع التضخم مع انحسار الضغوط الناجمة عن العقوبات وتقلبات الأسعار.

وقد ساهمت الظروف الجوية المناسبة في الأداء الزراعي القوي. كما أن اليورانيوم والذهب لا يزالان يهيمنان على قطاع التعدين في البلاد، حيث يعد التعدين عنصرا أساسيا في عائدات التصدير.

وهناك سياسات جارية ساعية إلى تعزيز حوكمة التعدين وجذب الاستثمار في هذا القطاع، إلى جانب الجهود الأخرى لتطوير استخراج النفط، وتنويع عائدات الموارد المعدنية.

ولتوسيع نطاق إيراداتها، تركز حكومة النيجر على تطوير البنية التحتية للطاقة، وذلك لدعم استخراج النفط وجهود التصنيع الأوسع، كما أن هناك اهتماما بمشاريع الطاقة المستدامة، وتحسين الوصول إلى شبكة الكهرباء كجزء من خطط التنمية الوطنية متوسطة الأجل.

تحديات مستمرة
لا تزال دول التحالف تعاني تحديات مستمرة تؤثر في البيئة الاقتصادية في الدول الثلاث. ومن بين هذه التحديات ما له علاقة بالتطورات السياسية، إذ منذ الانقلابات العسكرية الأخيرة في هذه الدول؛ أجلت الحكومة الانتقالية في مالي الانتخابات، وحظرت بوركينا فاسو جميع الأنشطة السياسية، وفي النيجر التي يستمر فيها اعتقال الرئيس المطاح به محمد بازوم، تتردد تقارير عن احتجاز مسؤولين حكوميين سابقين وصحفيين آخرين.

ومع إعاقة عمل الأحزاب السياسية أو تعليقها وحلها، يرى منتقدو الحكومات الانتقالية في الدول الثلاث أن تلك التحركات تقوض ثقة المستثمرين الذين ينظرون إليها كمؤشر على غياب سيادة القانون.

كما أن توالي الأخبار والتقارير عن محاولات انقلاب فاشلة يقودها جنود متهمون بالدعم من الخارج، يفاقم الاستقطاب الاجتماعي، ويثبط الاستثمار الأجنبي الذي هو أساسي للنمو في هذه الدول الثلاث.

ومن التحديات أيضا أنه في حين يتوقع أن تخفف علاقة المغرب، والسنغال، أو دول أخرى صديقة مع مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو، من وطأة الوضع الجيوغرافي لهذه الدول الثلاث (كدول غير ساحلية)، إلا أن هذه الدول لا تزال بحاجة ماسة للدول الساحلية المجاورة للوصول إلى طرق التجارة البحرية.

كما أن الاعتماد على الدول الواقعة على مسافات بعيدة يزيد من تكاليف النقل ورسوم العبور والتعقيدات اللوجيستية، مما يرفع تكلفة الواردات والصادرات، ويرهق قدرة هذه الدول التنافسية الاقتصادية، ويقلص هوامش الربح للشركات والمستهلكين المحليين.

وقد أظهرت مؤشرات الاقتصاد أنه رغم الإصلاحات والتحسنات الاقتصادية الجارية في دول التحالف، لا تزال منطقة الساحل محفوفة بالصراع الإثني وأزمة الإرهاب.

وهذه التحديات الأمنية تؤثر في إمكانات جذب الاستثمار بنطاق واسع وخاصة في مناطق الصراع، كما تعطل الأنشطة الزراعية والتجارية، وتستنزف الموارد العامة، مما يؤثر في التنمية الاقتصادية المستدامة، مع الإشارة إلى أن "تحالف دول الساحل" أنشأ قوة أمنية مشتركة لا تزال استجاباتها في طور التطور والتكيف مع طبيعة الأزمات الأمنية.

ويمكن ملاحظة تحديات أخرى وفق حالة كل دولة من دول التحالف؛ فمالي لا تزال تعاني نقصا مستمرا في الكهرباء منذ أغسطس/آب 2023، متضررة من سوء إدارة القطاع والديون.

وقد أعاق انقطاع التيار الكهربائي النمو الصناعي وإنتاج الصناعات التحويلية. وهناك عجز مالي؛ بسبب زيادة الحكومة الإنفاق على التعافي من الفيضانات التي حدثت في 2024 و2025.

وفي بوركينا فاسو أظهرت تقارير عامي 2024 و2025 أن اقتصاد البلاد لا يزال يعتمد اعتمادا كبيرا على صادرات الذهب والقطن، مما يجعله عرضة لتقلبات أسعار السلع الأساسية والصدمات المناخية.


وتستمر الضغوط المالية في ظل الإنفاق الأمني المرتفع ومحدودية تعبئة الإيرادات. كما تؤثر فجوات البنية التحتية – وخاصة في إمدادات الطاقة والنقل – وارتفاع التضخم، مدفوعا بتقلب أسعار الغذاء، في النمو الاقتصادي الأوسع وجهود الحد من الفقر.

وفي النيجر لا يزال اقتصاد البلاد يعتمد اعتمادا كبيرا على عدد محدود من القطاعات: الزراعة التي توظف حوالي 80% من السكان ولكنها تعاني من انخفاض الإنتاجية وتأثرها بتغيرات المناخ، والصناعات الاستخراجية مثل اليورانيوم والنفط، ما يعرض البلاد لتقلبات أسعار السلع الأساسية ومخاطر العرض، والذهب، إلى جانب التجارة غير الرسمية. بل وظل التضخم مرتفعا بسبب ارتفاع أسعار الغذاء، وانقطاع الإمدادات.

وانخفضت الإيرادات الحكومية في 2024، وخاصة من الضرائب المتعلقة بالتجارة، مما أدى إلى انخفاض الإنفاق الاستثماري العام. وازداد العجز المالي، وأدى التراكم السريع للديون إلى خفض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تصنيف مخاطر استدامة ديون النيجر من متوسطة إلى مرتفعة.

فرص واعدة
تشير المؤشرات والتوقعات الاقتصادية الإيجابية إلى قدرة دول التحالف على تعزيز النجاحات التي حققتها في السنوات القليلة الماضية، رغم التحديات القائمة، كما بإمكانها استغلال الفرص الواعدة لتسريع نموها وتطوير المنطقة.

وعلى سبيل المثال، تتمتع دول: مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو بإمكانات ديمغرافية ومواردية هائلة تمكنها من تنفيذ إصلاحات اقتصادية تركز على الاعتماد على الذات، وإضافة القيمة الإقليمية للحد من التبعيات الخارجية، وذلك بفضل تعداد سكاني يتجاوز 71 مليون شخص، وموارد طبيعية هائلة تشمل المعادن والأراضي الصالحة للزراعة، واحتياطيات الطاقة.

كما يتيح الاستقلال الاقتصادي لأعضاء التحالف الثلاث تصميم سياسات مالية وتجارية واستثمارية تلبي احتياجات كل منها وواقعها المحلي، مما يوفر سيطرة أكبر على إدارة الموارد الطبيعية والسياسات النقدية والتصنيع بما يتناسب مع سياقاتها، ويعزز السيادة الوطنية والإقليمية.

وقد شاركت هذه الدول الثلاث في اجتماعات إيكواس مؤخرا، وتواصل التعاون معها في مجال بروتوكولات التجارة والتنقل، مما يشير إلى نهج عملي يوازن بين السيادة والتعاون الاقتصادي الإقليمي لتحقيق الاستقرار والنمو.

وتعمل دول التحالف أيضا على التعاون مع جهات فاعلة عالمية تتجاوز العلاقات الغربية التقليدية، بما في ذلك دول مجموعة البريكس والصين، مما يفتح آفاق الاستثمار المتنوع، ونقل التكنولوجيا، والنهج المبتكرة لتطوير البنية الأساسية الإقليمية، والتعاون الأمني، والتجارة القادرة على دعم الاستقلال الاقتصادي المستدام.

خاتمة
يتجاوز المشروع الاقتصادي لأعضاء "تحالف دول الساحل" مجرد محاولة لتحقيق الاعتماد على الذات؛ فهو يعزز التكامل فيما بينها وفق الإستراتيجيات الجديدة التي تركز بشكل أقل على المعايير الخارجية وأكثر على الوكالة المحلية، والقادرة على تحقيق نتائج أفضل.

وفي حين أن أنظمة التعريفات الجمركية الجديدة، والإصلاحات المؤسسية، والتحولات في السياسات تحدث اضطرابات في التجارة، وتثير جدلا حول حدود السيادة والتعاون في غرب أفريقيا، فإن النجاح بالنسبة لهذه الدول يعني تحقيق التحول من منطقة تعاني من الأزمات إلى منطقة تسخّر مواردها وموقعها الإستراتيجي لتحقيق التنمية الشاملة.

وفي حين تركز الإصلاحات الهيكلية في الدول الثلاث على تحسين الإنتاجية الزراعية، وتنويع الصادرات، وتعزيز نمو القطاع الخاص، وتوسيع الشمول المالي الرقمي، فإن هناك حاجة أيضا إلى الاستثمار في الري والتكنولوجيا والبنية التحتية لبناء القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المناخية والأمنية، إضافة إلى تعزيز تنمية رأس المال البشري والحوكمة في القطاعات الاستخراجية لاستدامة النمو طويل الأجل.

الخميس، 27 فبراير 2025

ماكرون يغير خطته في أفريقيا.. ما هي؟

 ماكرون يغير خطته في أفريقيا.. ما هي؟

كاتب وباحث نيجيري


قد تكون فرنسا تعاني من تدهور نفوذها في الدول الأفريقية الفرنكوفونية ومستعمراتها السابقة، ولكن جميع المؤشرات تظهر أن باريس تعيد صياغة إستراتيجيتها وتدرس العودة إلى القارة بقوة عبر التركيز على دول أفريقيا الإنجلوفونية، بما في ذلك نيجيريا التي تؤشر تطورات الشهور الثلاثة الماضية أنها تحتلّ مكانة إستراتيجية من الخطة الفرنسية بسبب مصالح اقتصادية ودواعٍ جيوسياسية إقليمية.


نيجيريا في سياسة "ماكرون" الجديدة تجاه أفريقيا

لم تكن نيجيريا أولى الدول في المنطقة الإنجلوفونية التي تحظى باهتمام فرنسا؛ إذ منذ عام 2019 تتودّد باريس إلى أكبر الاقتصادات غير الفرنكوفونية داخل القارة، مثل جنوب أفريقيا التي قام إيمانويل ماكرون بأولى رحلته الرسمية إليها في عام 2021؛ وإثيوبيا التي أعلن فيها ماكرون أثناء زيارته أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2024 عن دعم فرنسا لسعي أديس أبابا للوصول إلى البحر؛ وكينيا التي قام بزيارتها في عام 2019 كأول زيارة لرئيس فرنسي منذ استقلال البلاد.


ويمكن تتبع أسباب الاهتمام الفرنسي بأفريقيا الإنجلوفونية إلى تطلّع باريس إلى ما هو أبعد من مستعمراتها السابقة بهدف الوصول إلى اقتصادات أكبر وأكثر ديناميكية لتحقيق التوازن بين مصالحها الاقتصادية في جميع أنحاء أفريقيا، وخاصة في ظل صعود المشاعر المعادية لفرنسا في الدول الفرنكوفونية، وخاصة مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد، التي طردت القوات الفرنسية ونأت بنفسها عن باريس؛ بسبب تصورات الاستعمار الجديد.


تلعب نيجيريا دورًا محوريًا في سياسة ماكرون الجديدة تجاه أفريقيا، حيث تعد البلاد واحدة من أكبر الاقتصادات في أفريقيا، وهي لاعب رئيسي في "المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" (إيكواس)، وتؤثر في القرارات الاقتصادية والسياسية بغرب أفريقيا.


إضافة إلى ثقلها الثقافي في المنطقة واشتراكها في الحدود مع أربع دول فرنكوفونية: بنين، والنيجر، وتشاد، والكاميرون، مما يجعل نيجيريا جسرًا بين منطقتي أفريقيا الإنجلوفونية وأفريقيا الفرنكوفونية.


ويؤدّي الرئيس النيجيري "بولا تينوبو" دور الشريك الرئيسي في هذه الجهود الفرنسية، وخاصة في غرب أفريقيا، كما هو واضح في زيارته – أي "تينوبو" – إلى باريس في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي 2024.


وهي أوّل زيارة دولة إلى فرنسا من قبل رئيس نيجيري منذ أكثر من عقدين؛ إذ قدّم ماكرون خلالها عرضًا مبهرجًا من الدفء والصداقة إلى الحد الذي جعل بعض الدبلوماسيين والمحللين السياسيين، بمن في ذلك السفير الفرنسي في نيجيريا مارك فونبوستير، يقولون إن ماكرون لم يستقبل أي زعيم أفريقي آخر بتلك الطريقة.


ويمكن أيضًا فهم الاهتمام الخاص الذي يوليه ماكرون لنيجيريا من خلال حقيقة أنه – أي ماكرون – أمضى ستة أشهر في نيجيريا عندما تدرّب في السفارة الفرنسية بأبوجا عاصمة نيجيريا في عام 2002 بصفته طالبًا في المدرسة الوطنية للإدارة (مدرسة عليا فرنسية).


ويضاف إلى ما سبق أنه رغم الاعتقاد السائد بأن موقف الرئيس النيجيري تينوبو تجاه فرنسا أكثر إيجابية من مواقف رؤساء نيجيريا السابقين؛ فإن مراجعة سريعة للإدارات النيجيرية السابقة منذ عام 1999 تُظهر أن هناك تعاونًا قديمًا بين الحكومات النيجيرية والفرنسية السابقة، مثل تعاونهما في عهد أولوسيغن أوباسانجو (رئيس نيجيريا من 1999 حتى 2007)، حول المرحلة الأولى من تنويع الشراكة الاقتصادية بين الدولتين، ودعم فرنسا تخفيف أعباء الديون عن نيجيريا.


وفي عهد محمد بخاري (الرئيس النيجيري من 2015 حتى 2023) وطّدت فرنسا شراكتها مع البلاد؛ لتعزيز الأمن البحري في خليج غينيا، ومكافحة الإرهاب في حوض بحيرة تشاد، وهي منطقة تضم نيجيريا وثلاث دول فرنكوفونية: تشاد، والنيجر، والكاميرون.

العامل الاقتصادي في تزايد شراكة نيجيريا مع فرنسا

تتعرض إدارة الرئيس النيجيري تينوبو لضغوط من مختلف الجهات، مدفوعة باستمرار الأزمات الاقتصادية التي تعهّد بإصلاحها قبل وإبان وصوله إلى السلطة في عام 2023.


وشملت هذه الإصلاحات جذب الاستثمارات الأجنبية وفق إستراتيجية قائمة على أربعة أبعاد، هي: الديمقراطية، والتنمية، والديمغرافيا، والشتات، ولكنّ مضي قرابة عامين من حكمه أظهر صعوبة تحقيقها، إضافة إلى السقوط الحر لـ "نيرا" عملة نيجيريا، والخلافات بين الجنوب والشمال؛ بسبب مقترح إدارة تينوبو للإصلاح الضريبي.


وشهدت الأشهر الأخيرة خروج العديد من الشركات الدولية من نيجيريا؛ بسبب انخفاض قيمة العملة النيجيرية، وعوامل أخرى مرتبطة ببيئة عمل غير مواتية.


أجبرت صعوبات جذب الاستثمار الأجنبي – وخاصة من الغرب – الرئيس تينوبو إلى التوجه نحو فرنسا، حيث ترى حكومته أن تعزيز علاقات نيجيريا مع باريس فرصةٌ قد تسهّل لأبوجا وصولًا تجاريًا أكبر إلى الاتحاد الأوروبي، مما يعود بالنفع على المصدّرين النيجيريين.


ولذلك وقّع الرئيس النيجيري خلال زيارته الأخيرة إلى باريس على صفقة بالغة الأهمية، تضمنت استثمارًا فرنسيًا بقيمة 300 مليون يورو لتعزيز البنية الأساسية والشراكة للنهوض بقطاعات رئيسية في الاقتصاد النيجيري، بما في ذلك الرعاية الصحية والنقل والطاقة المتجددة والتعدين والزراعة المستدامة.


بل صرّح تينوبو أثناء الزيارة بحاجة الدولتين – نيجيريا وفرنسا – لـ "مسؤولية جماعية" لمحاربة الإرهاب، حيث إن "نيجيريا شريك في التقدم"، و"نحن مستعدون للشراكة مع فرنسا حتى نتمكن من إجراء عمليات أمنية من شأنها أن توقف تحدي الهجرة".


وخلال تلك الزيارة وقعت بنوك نيجيرية اتفاقيات عملٍ في باريس، حيث تألف الوفد النيجيري، بقيادة الرئيس تينوبو، من كبار قادة الأعمال النيجيريين، بمن فيهم عليكو دانغوتي، مؤسس مجموعة "دانغوتي" المالكة لمصفاة دانغوتي التي تؤثر على قطاع النفط الأوروبي، وتوني إلوميلو، مالك "البنك المتحد لأفريقيا" (United Bank for Africa)، وعدد قليل من حكام الولايات النيجيرية الإستراتيجية، بمن فيهم حاكم ولاية لاغوس. إضافة إلى وزراء نيجيريين، مثل: وزير الخارجية، ووزير المالية، ووزير التجارة والاستثمار، ووزير الدفاع.


وقد تبعت الاتفاقية الموقعة في باريس عدة تحركات ومذكرات تفاهم. فعلى سبيل المثال، عززت نيجيريا وفرنسا في يناير/ كانون الثاني 2025 شراكتهما في قطاع التعدين من خلال الالتزام بتنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة في باريس، وذلك بالتعاون في تحديث المختبرات الجيولوجية النيجيرية، وتوفير المعدات التكنولوجية المتقدمة، وتمويل استكشاف البيانات الجيولوجية لوكالة المسح الجيولوجي النيجيرية.


وفي الشهر نفسه، أكّد وزير الخارجية النيجيري يوسف توغار، التزام أبوجا بالحفاظ على علاقات دبلوماسية قوية مع فرنسا، مؤكدًا أن ليس لنيجيريا نية في قطع علاقتها طويلة الأمد معها.


وعلى نحو مماثل، التقى والي إيدون وزير المالية النيجيري في 14 فبراير/ شباط 2025، بالسفير الفرنسي في نيجيريا، حيث تركزت مناقشاتهما على تعزيز التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى نيجيريا.


وفي الشهر نفسه، شاركت نيجيريا – أكبر سوق لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أفريقيا – في قمة عمل الذكاء الاصطناعي التي عقدت في باريس، والتي أعلنت فيها فرنسا عن منحة بقيمة 400 مليون دولار لمؤسسة "الذكاء الاصطناعي الحالي" التي أطلقها الرئيس الفرنسي ماكرون؛ بهدف توجيه تطوير التكنولوجيا في اتجاهات أكثر فائدة اجتماعيًا.


وبالنسبة لفرنسا، تتمتع نيجيريا بإمكانات هائلة كواحدة من أكبر اقتصادات أفريقيا، كما أن عدد سكان البلاد الذي يزيد عن 200 مليون نسمة، يجعلها سوقًا متنامية وأرضًا خصبة بالفرص غير المستغلة رغم حيويتها. وكانت النتيجة أن نيجيريا اليوم الشريك التجاري الرائد لفرنسا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ورابع أكبر شريك فرنسي في أفريقيا.


وقد أطلقت نيجيريا وفرنسا في عام 2018 "مجلس الأعمال الفرنسي النيجيري" الذي يجمع بين الشركات الفرنسية والنيجيرية الكبرى الراغبة في الشراكات الاستثمارية التعاونية.


واستحوذت نيجيريا على 20 في المئة من تجارة فرنسا مع دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا والتي بلغت 3.53 مليارات يورو في عام 2021. وارتفعت قيمة الصادرات الفرنسية إلى نيجيريا من 528 مليون يورو إلى 611 مليون يورو في نفس العام. وكانت معظم هذه الصادرات عبارة عن منتجات مصنعة، حيث شكلت المنتجات الزراعية الغذائية الأغلبية بنحو 30 في المئة.


جدير بالذكر أن فرنسا هي تاسع أكبر مورد لنيجيريا، وأن 95 في المئة من الواردات الفرنسية من نيجيريا عبارة عن منتجات بترولية. وتعمل حوالي 100 شركة فرنسية في مختلف أنحاء البلاد في مجموعة متنوعة من الصناعات، بما في ذلك الطاقة والأغذية الزراعية والشحن والفنادق والتأمين والأدوية.


ومولت "الوكالة الفرنسية للتنمية" عددًا من مشاريع التنمية في نيجيريا، وخاصة في مجالات النقل والتنمية الحضرية. بل رغم كون نيجيريا دولة إنجلوفونية، فإن فرنسا توسّع حضورها الثقافي في البلاد من خلال مؤسسات فرنسية مختلفة. ويدرس العديد من الطلاب النيجيريين في فرنسا عبر المنح والتعاون بين الجامعات النيجيرية والفرنسية.


مخاوف السيادة الوطنية

يُفتَرض – نظريًا – أن تكون نيجيريا قادرة على التعامل مع التحديات التي قد تصاحب علاقاتها المتنامية مع فرنسا، وذلك بسبب طبيعة الثقافات النيجيرية وتاريخها ومشاهدها السياسية وخصائص أقاليمها الجيوسياسية والأسس الاقتصادية النيجيرية التي تختلف نسبيًا عن دول المنطقة الفرنكوفونية بغرب أفريقيا.


ومع ذلك، فإن واقع الدول الفرنكوفونية المقربة إلى فرنسا سابقًا يعزز المخاوف بشأن السيادة الوطنية النيجيرية. وتتجلّى هذه النقطة في انتقادات النيجيريين لصفقة التعدين التي وقعها تينوبو مع فرنسا التي لديها سجل سيئ فيما يتعلق بالموارد المعدنية والمعاملات الاقتصادية مع عدة دول بجنوب الصحراء الكبرى.


إضافة إلى الاتهامات المتعددة الموجهة لفرنسا في تشاد، والنيجر، ومالي، وبوركينا فاسو، بأنها ساهمت في تخلّفها التنموي وتطورها الاقتصادي.


وهذه الانتقادات أجبرت الحكومةَ النيجيرية على إصدار توضيح قالت فيه إن فرنسا لم تَسْتولِ على ثروات نيجيريا المعدنية، وإنه "لم يُتَّفق في أي بند في الوثيقة (الخاصة بالتعدين) أو أشير إلى أن نيجيريا قد تنازلت عن حقوق التعدين للفرنسيين"، كما أن الحكومة لم تقم بأي شيء يضرّ المصالح الاقتصادية والأمنية النيجيرية.


وبالنظر إلى الأزمة الاقتصادية النيجيرية متعددة الأوجه وتنامي الأطماع العالمية في الموارد المعدنية النيجيرية الحيوية، مثل: الليثيوم، والعناصر الأرضية النادرة، والزنك؛ فقد يؤدي سوء إدارة الاستثمارات الفرنسية المتزايدة إلى صراع جديد على الموارد في مناطق التعدين، استنادًا إلى ما يحدث في منطقة دلتا النيجر التي ينشط فيها مسلحون وعصابات بسبب النفط.


وقد يحدّ الاعتماد المفرط على التمويل الخارجي من الاكتفاء الذاتي الاقتصادي لنيجيريا، كما قد يؤثر الوجود الفرنسي المتزايد أيضًا على خيارات السياسة الداخلية والخارجية لأبوجا، وخاصة في مسائل التجارة والأمن، حيث ستحتاج البلاد إلى إدارة علاقاتها مع باريس مع الحفاظ على علاقاتها القوية مع حلفاء آخرين ولاعبين عالميين، مثل: الصين، وروسيا، والهند، وغيرها.


وهناك نقطة أخرى مرتبطة بدعوة تينوبو لماكرون إلى تحمل "المسؤولية الجماعية" مع نيجيريا لمحاربة الإرهاب وإجراء العمليات الأمنية؛ إذ تأتي هذه الدعوة في الوقت الذي يذهب الرأي السائد في منطقة الساحل إلى أن علاقات بعض دول المنطقة مع باريس فاقمت من انعدام الأمن فيها.


بل تثير الدعوة تساؤلات حول ما إذا كانت نيجيريا مستعدة لاستضافة القوات الفرنسية في المستقبل، وذلك لأن نيجيريا معروفة برفضها القاطع منذ عقود فكرة استضافة قواعد عسكرية أجنبية من حلفائها الغربيين رغم تعاون الجيش النيجيري معهم.


وتلك التساؤلات وغيرها من النقاشات الوطنية الحادة أجبرت الجنرال كريستوفر موسى، رئيس أركان الدفاع النيجيري، في ديسمبر/ كانون الأول 2024، على نفي ما إذا كانت الحكومة النيجيرية منحت الإذن لفرنسا بإنشاء قاعدة عسكرية داخل حدودها، قائلًا: إن مثل هذه الخطط لم تكن ضمن جدول أعمال الرئيس تينوبو، ولن يُسمح لأي كيان أجنبي بإقامة قاعدة عسكرية في نيجيريا، سواء في شمال البلاد أو جنوبها أو أي إقليم آخر داخل البلاد.


ديناميكيات إقليمية

تقترن زيارة الرئيس تينوبو إلى باريس مع تصاعد موجة حركة الوحدة الأفريقية في غرب أفريقيا، وخاصة أنه – أي الرئيس النيجيري- يرأس أيضًا مجلس إدارة "إيكواس"، الكتلة الإقليمية التي وافقت مؤخرًا على انسحاب النيجر، ومالي، وبوركينا فاسو منها، وهو ما أثار استياء البعض في المنطقة، رغم تأكيد الحكومة النيجيرية مرارًا التزامها بأمن واستقرار غرب أفريقيا واحترام سيادة دولها، ورغم أن أبوجا برّرت موقفها وتحركاتها بأن توتر علاقات فرنسا مع دول الساحل لا يؤثر بالضرورة في العلاقات النيجيرية الفرنسية التي تقوم على الاعتبارات الاقتصادية والدبلوماسية، وهي في ذلك كعلاقات نيجيريا مع الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وغيرها.


ويضاف إلى ما سبق أن سعي تينوبو العلني والصريح إلى فرنسا يؤجّج الاتهامات الإقليمية ضد إدارته. ويمكن ملاحظة ذلك في ادعاء القائد العسكري النيجري عبدالرحمن تشياني، بعد زيارة تينوبو إلى باريس، بأن نيجيريا تتواطأ مع فرنسا لإنشاء قاعدة عسكرية في الشمال المجاور للنيجر، لتزويد الجماعات الإرهابية النشطة في منطقة بحيرة تشاد بالأسلحة لزعزعة استقرار الجارة.


وقد نفى هذا الزعمَ السكانُ المحليّون وزعماؤهم في المناطق الشمالية النيجيرية، كما وصفه مستشار الأمن القومي النيجيري نوح ريبادو بادعاء "لا أساس له" و"كاذب".


وهناك بعدٌ سياسي لتنامي الشراكة النيجيرية الفرنسية؛ إذ أبدى حكام ولاياتٍ شمالية استياءهم تجاه حكومة تينوبو؛ بسبب ملفات وطنية ولطريقة إدارته لأزمة "إيكواس" مع المجلس العسكري في النيجر المجاورة، حيث إن لهذه الولايات الشمالية قواسم إثنية وثقافية وتاريخية مشتركة مع النيجر.


وبما أن نيجيريا ستعقد رئاسياتها المقبلة في عام 2027، مع احتفاظ الولايات الشمالية النيجيرية – بسبب عدد سكانها وثقلها السياسي- بنسبة تصويت حاسمة في هذه الانتخابات؛ فإن فوز تينوبو بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات مهدّد.


ويؤكد على هذا ما حدث في احتجاجات أغسطس/ آب 2024 ضد حكومته، حيث لوّح متظاهرون بأعلام روسيا في شوارع بولايتي كانو وكادونا في شمال غرب نيجيريا، مما أشّر على تفضيلهم أن تسير نيجيريا على مسار النيجر التي عزز مجلسها العسكري علاقاته مع روسيا بعد انقلاب يوليو/ تموز 2023 على حكومة الرئيس محمد بازوم المدنية.