‏إظهار الرسائل ذات التسميات شبهات وردود. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شبهات وردود. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

لماذا ينكر يوسف زيدان حادثة الفيل؟!

 لماذا ينكر يوسف زيدان حادثة الفيل؟!

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي


لم تكن الحملات الصليبية التي هبّت على العالم الإسلاميّ في أواخر العهد الوسيط في أوروبّا إلّا بعضًا من إفراز الحقد الصليبي على أمّة الإسلام، وإذا كانت تسمية هذه الحملات بالحملات الصليبية قد ارتبطت بزمن معين رفعت فيه جيوش أوروبا شعار الصليب؛ فإنّ استمرار الحملات ذاتها بعد ذلك بالدوافع ذاتها وبالحقد ذاته يعني أنّها -وإن لم ترفع الصليب شعارًا- حملاتٌ صليبية.

فحملاتُ ما يسمى بالاستعمار الغربيّ الحديث على العالم العربي والإسلامي تُعَدُّ حملاتٍ صليبيةً وإن لم ترفع الشعار، والغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان حملة صليبية قد أفصحت عن نفسها بسلوكها وأدائها قبل أن تفصح عن نفسها في تصريحات جورج بوش، ولا تزال أمريكا تمارس عدوانها الصليبيّ بتحالفها مع الكيان الصهيونيّ.

أمّا أول وأبكر حملة صليبية على الأمة الإسلامية، فهي تلك التي استهدفت البيت العتيق -والأمة لا تزال جنينًا في الرحم المكرم لمكة المكرمة- تلك الحملة هي التي سميت بحادث الفيل، وهو الحادث الذي وقع في عام الفيل، الذي أخذ اسمه من الحادث نفسه وما وقع فيه، والذي صار يؤرخ به للحوادث، فيقال مثلاً: وقعت «حرب الفجار الثانية» بعد عشرين سنة من عام الفيل، وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أربعين سنة من عام الفيل، ومن المعلوم تاريخيًّا أنّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولد عام الفيل، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «وُلِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‌عَامَ ‌الْفِيلِ»(1).

وكونها حملة صليبية مبكرة يعد أمراً واضحاً لا يفتقر إلى دليل؛ فليس مطلوبًا إثبات أنّها كانت ترفع الصليب شعارًا ورايةً لها لكي توصف بأنّها حملة صليبية، ألا يكفي أن يكون الذي قادها قائد صليبيّ متدين (أبرهة) إلى حدّ أنّه قيل: إنّه كان في أصله قسًّا؟ وأنّ الذي حرضه عليها حاكم الحبشة الصليبيّ (كالب) نجاشي الحبشة آنذاك أحد ملوك أكسيم؟ وأنّه هو الذي كلّف أرياط وأبرهة بغزو اليمن ونجران؟

ألا يكفي أنّ أبرهة حين بنى كنيسة «القليس» أعلن أنه بناها للملك النجاشيّ؟ وأنّه عزم أن يصرف العرب عن كعبتهم المشرفة إليها؟ ألا يكفي أنّ السبب في ذلك كله أنّ الناجي الوحيد من المجزرة التي ارتكبها ذو يزن الحميري في حقّ نصارى نجران قد لاذ أولاً بقيصر الروم الذي أحاله إلى نجاشيّ الحبشة(2

ألأنّ سياق الرواية ذكر قصة -يبدو أنّها مدرجة ومقحمة على السياق- أنّ بعض الأعراب قضى حاجته في كنيستهم يُختزل السبب الضخم لهذا الحدث الهائل في هذه الواقعة الجزئية العارضة؟! كيف وقد ورد أنّ أبرهة -كما في سياق الروايات- عندما بناها كان عازمًا على صرف العرب عن قبلتهم؟ وأنّه إنّما بناها باسم الملك؟

وعندما عزم أبرهة على ذلك وأعدّ جيشًا عظيمًا دعمه بالأفيال الأفريقية يتقدمها فيل عظيم؛ «سمعت بذلك العرب فأعظموه وقطعوا به ورأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وإلى مجاهدته عن بيت الله الحرام وما يريد من هدمه وإخراجه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر.. ومضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان في أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبائل خثعم شهران وناهس ومن اتبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة.

حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون.. وبعثوا معه أبا رغال يدله على مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزلهم بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قبره، فهو قبره الذي يرجم بالمغمس، وهو الذي يقول فيه جرير:

إذا مات الفرزدق فارجموه    

                 كما ترمون قبر أبي رغال»(3)

«وبعث أبرهة يسأل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، فقيل: عبدالمطلب بن هاشم، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه ونزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتي أن يرد عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي؛ فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا ربُّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه.

وانصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رؤوس الجبال، ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة
:

لا همّ إنّ العبد يمــــــــــــــنع رحله فامنع رحالك..

لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدرا محالك..

إن كنت تاركهم وقبـــــــــــلتنا فأمر ما بدا لك..

ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو

 ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون

 فيها فينتظرون ما أبرهة فاعل فلما أصبح أبرهة

 تهيأ لدخول مكة»(4) ولمهاجمة البيت العتيق،

 فوقع ما حكته سورة الفيل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ

 رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ {1} أَلَمْ يَجْعَلْ


 كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ {2} وَأَرْسَلَ


 عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ {3} تَرْمِيهِم


 بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ {4} فَجَعَلَهُمْ


 كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) (الفيل).



وليس ها هنا مجال لإنكار قصة حكاها التاريخ الإسلاميّ، فكتب التاريخ الإسلاميّ -على الرغم من تأخرها كثيرًا عن رتبة كتب الحديث- تُعَدُّ من أوثق كتب التاريخ في العالم كله القديم والجديد؛ لأسباب، من أهمها أنّ أكثرها لا يخلو من الأسانيد، وهي -وإن كانت لم ترتق إلى أسانيد كتب الحديث- تُعَدُّ من فخر العلوم الإسلامية؛ إذ لم تحظ كتب تنسب إلى السماء بسند لو كان كسند الرواية الضعيفة في تراث المسلمين؛ فكيف إذا كان القرآن الكريم نفسه قد حكى بإيجاز وإنجاز وإعجاز هذه القصة العظيمة؟

وليس بوسع أحد أن ينكر ما حكاه القرآن؛ ليس -فقط- لأنّ القرآن الكريم معصوم مِنْ أنْ يُرَدّّ عليه شيءٌ، أمرًا كان أو خبرًا، لكنْ لذلك ولأمر آخر غفل عنه يوسف زيدان وأضرابه، وهو أنّ القرآن ذكر حادثةً وأخبر بأنّها وقعت للبيت العتيق في قلب مكة، ذكرها وذكّر بها المخاطبين بالقرآن من المكيين والعرب، وهم قوم أصحاب أدب وشعر وأنساب، يتناقلون ذلك كله مع الأخبار في بيئة صحراوية أمّية يعتمد فيها العربي على ذاكرته التي لا تزور ولا تزيف، فليس واردًا ولو بنسبة واحد بالمئة أن يكون حدث بهذا المستوى قد وقع ثم نُسِي ومحيَ من ذاكرة الناس، أو لم يقع ثم تحدث عنه متحدثٌ والناس لا يذكرون أَوَقَعَ كما يخبر المتحدث أم لم يقع؟ فلو كان محمد - وحاشاه - مختلقًا لهذه القصة لكان راكبًا متن المجازفة الكفيلة بنسف دعوته من جذورها؛ وإذْ لم يُنقل اعتراض من مؤمن أو كافر؛ فهذا أقوى دليل، ليس على صحة الحادثة وحسب، بل على أنّها نقلت فيهم جميعا نقلًا متواترًا إلى وقت نزول القرآن.

لن أغوص في قضية الحكم على من كذّب القرآن، فلا وقت نضيعه في أمر معلوم للعامة، وإنّما الذي أريد أن ألفت النظر إليه هنا أمران، الأول: أنّ يوسف زيدان كاتب وأديب فاشل، ثبتت عليه سرقات كثيرة من كتاب عالميين، وأغلب ما كَتَبَ ودَوّن من قصص مأخوذٌ من أدباء وكتاب آخرين، فهو شخص يحترف السرقات العلمية والأدبية؛ فكيف لمثل هذا أن يعترض على الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟! أم إنّه الزمن الذي يتحدث فيه الرويبضة في الأمور العامة الهامّة، الأمر الثاني: لماذا يُفتح المجال اليوم لأمثال هؤلاء بينما يضيّق على الدعاة والعلماء الربانيين؟ أهي حملة صليبية جديدة؟!
الهوامش
  • 1 «المستدرك على الصحيحين للحاكم» (2/ 658) برقم (4180) - «مسند البزار = البحر الزخار» (11/ 240) (5017) - «تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري» (٢/ 155) - وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وقال الذهبي في تعليقه: صحيح على شرط مسلم. 
  • 2 راجع في ذلك كله كتب التاريخ، ومنها على سبيل المثال: «أخبار مكة للأزرقي» (1/ 134-145). 
  • 3 «أخبار مكة للأزرقي» (1/ 134-145) بإيجاز شديد وتصرف بسيط. 
  • 4 البداية والنهاية ط إحياء التراث» (2/ 214) بإيجاز وتصرف. 


ردا على الأفّاك إبراهيم عيسى..شبهة تحلُّل جسد رسول الله ﷺ

 ردا على الأفّاك إبراهيم عيسى..شبهة تحلُّل جسد رسول الله






محمود القاعود
دأب إبراهيم عيسى منذ سنوات على النيل من الإسلام العظيم، حتى بلغت به الجرأة والحماقة أن يعتدي على مقام سيد الكائنات ﷺ بالاشتراك مع الكاتبة التونسية هالة الوردي والزعم بـ «تعفن الجسد الشريف».. وهنا أجيب في نقاط على هذه الفرية الشنعاء.
- لو كان التحلل أمرًا حتميًا مطلقًا لكل جسد بشري بغض النظر عن المقام والرسالة، لفقدت المعجزات النبوية معناها الأساسي.. فرسول الله ﷺ الذي شقَّ الله له القمر، وأنطق له الذئب، وأجرى له الماء من بين أصابعه، وشهدت له السماء والأرض بصدقه.. كيف يُترك جسده الشريف لقوانين الطبيعة العادية دون استثناء يليق بمقامه؟!
هذا تناقض منطقي صارخ: إما أن تكون الرسالة خاصة فتكون العناية الإلهية خاصة، وإما أن تكون عامة فلا داعي للتمييز بين الأنبياء وسائر البشر.. والواقع التاريخي يشهد أن الله عز وجل يُعطي أنبياءه ما يليق بهم من الخوارق حتى بعد الموت.. كما في قصة أصحاب الكهف، أو حفظ يونس في بطن الحوت.
- زمن الوفاة والدفن:

يستغلُّ إبراهيم عيسى وهالة الوردي وأمثالهما الفجوةَ الزمنيةَ بين وفاته ﷺ يوم الاثنين 12 ربيع الأول 11هـ ودفنه ليلة الأربعاء - ويُوهمون أنها كانت لإهمالٍ أو انشغالٍ أفضى إلى تحلُّل..

وهذا كذبٌ صريح من وجوه:

- سببُ التأخير موثَّقٌ بإجماع المؤرِّخين.. كان الصحابة رضوان الله عليهم في خضمِّ الخلاف على مَن يُصلِّي عليه، ومَن يُدخله قبره، وأين يُدفن، وليس إهمالًا للجثمان الشريف.
وروى ابن سعد في الطبقات أنَّ الغسلَ تمَّ سريعًا وأنَّ الجثمانَ الشريف كان في حُجرة عائشة رضي الله عنها، مُصَوَّنًا مُعطَّرًا.
- ثبت في صحيح البخاري أن الصحابة صلَّوا عليه ﷺ أفواجًا فرادى دون إمام تعظيمًا وتشريفًا، وهذا لا يُتصوَّر مع جثمانٍ «متعفِّن» كما قالت هالة الوردي فض الله فاها وأخزاها.
- شهادة أهل البيت والصحابة الذين باشروا الغسلَ والتكفينَ والدفن لم تُنقَل منها كلمةٌ واحدة تُشير إلى رائحةٍ كريهة.. بل ثبت عكسُ ذلك كما سيأتي.
- الصحابة الذين كانوا يُقاتلون المرتدين ويُدافعون عن الدين بأرواحهم لو رأوا أي شيء في جسد النبي ﷺ فكانوا سيذكرونه في الروايات كما ذكروا كل تفصيلة أخرى.. وصمتهم الجماعي دليل قاطع على عدم وجود الظاهرة المزعومة.
الأحاديث الصحيحة الصريحة في صَون جسد سيد الكائنات ﷺ
- حديث عدم أكل الأرض لأجساد الأنبياء
روى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان:
«إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادَ الأنبياء»
وهذا الحديث نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التأويل بأن الأرضُ بما فيها من جراثيم وعوامل تحلُّل لا تعمل في جسد رسول الله ﷺ بأمرٍ ربَّاني. فكيف بالهواء والحرارة؟! إنَّ منطق الشبهة يقتضي أن يتحلَّل الجسد تحت الأرض، لكنَّ الحديث يُغلق هذا الباب إغلاقًا تامًا.
- الروائح الطيبة التي شهد بها من حضروا
روى ابن سعد في الطبقات الكبرى بسند معتبر عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: «ما شممتُ قطُّ رائحةً أطيبَ من رائحة رسول الله ﷺ حيًَّاوميِّتًا»
وروى جابر بن سمرة رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ لا يمسُّ شيئاً قطُّ فيُشمَّ إلا وُجدت له رائحةٌ أطيبُ من المسك» وهذه السمةُ لم تنقطع بالوفاة كما شهد الحاضرون.
- حديث طِيب جسده في الغسل
روى أبو نعيم في «دلائل النبوة» وابن عساكر أنَّ الصحابة الذين تولَّوا غسله ﷺ - وكانوا: عليٌّ والعباس والفضل وقُثَم وأسامة بن زيد وشقران - لم يُنقَل عن أحدٍ منهم حرفٌ يُشير إلى رائحةٍ غير طيبة، بل جاء في الروايات أنَّ طِيبَه ﷺ كان بائنًا.
-تفنيد الروايات التي تذرَّعت بها هالة الوردي وإبراهيم عيسى
ثلاثة مصادر رئيسية يستند إليها إبراهيم عيسى وهالة الوردي:
- روايةٌ منسوبة إلى ابن سعد في الطبقات تُشير إلى تأخُّر الدفن مع إيحاء بتغيُّر الحال.
- ما نُسب إلى بعض كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير من ذِكر المدة الزمنية بدون السياق الكامل.
- رواياتٌ واهية لا سند لها في كتب الحديث المعتمدة.

أولًا نقد السند:

لا توجد في كتب الصحاح الستة - البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه - رواية واحدة صحيحة أو حسنة تُشير إلى تغيُّر جسد النبي ﷺ أو تحلُّله.. وهذا وحده كافٍ للردِّ.
أمَّا ما يستشهد به المشككون فيأتي من طرق:
- مقطوعة السند: لا تصل إلى صحابيٍّ شاهد عيان.
- فيها رواة مجهولون أو متروكون: وهذا يسقطها من الاعتبار أصلاً.
- مُنتزَعة من سياقها:إذ يُستشهَد بجزء من رواية تصفُ المدة الزمنية دون ذِكر ما يُثبت أنَّ هذه المدة أفضت إلى تحلُّل.
ثانيًا نقد المتن:

أي رواية تزعم تحلُّلَ جسد النبي ﷺ هي منكرة المتن لأسباب منهجية:
- تعارُضها مع الحديث الصحيح الصريح: «إنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». وقاعدة الحديثيين: «إذا تعارضَ حديثٌ صحيح مع رواية ضعيفة، ضُرب بالضعيفة عُرض الحائط».
- تعارُضها مع شهادة عشرات الصحابة الذين كانوا حاضرين ولم يُنقَل عن أيٍّ منهم ما يُثبت هذه الدعوى.
- تعارُضها مع السنة العلمية الثابتة في صفاته ﷺ إذ لم يكن يمسُّه أذىً في حياته كما يُصيب سواه من الناس، فعرَقه ﷺ كان طيِّبًا يُجمعه الصحابة، وهذا مرويٌّ عند مسلم والبخاري.

ثالثًا نقد التوظيف:
حتى لو افترضنا - جدلاً لا تسليمًا - أنَّ بعض روايات الطبقات أو تاريخ الطبري ذكرت المدةَ الزمنية، فإنَّ انتزاع هذا الذِّكر ليُبنى عليه زعمُ التحلُّل هو استخدام السياق المبتور.. وهذا يُشبه أن يأخذ المرء آية قرآنية كريمة جزئية ويبني عليها حكمًا معاكسًا للسياق الكامل.. مثل هذا المنهج يُبطل كل معرفة تاريخية.. لأن أي حدث تاريخي يمكن تشويهه بانتزاع فقرة منه.
رابعًا: مزاعم هالة الوردي وإبراهيم عيسى
إبراهيم عيسى كاتبٌ يكره الإسلام.. فيأخذ من الروايات ما يخدم أطروحته التشكيكية ويترك ما يُعارضها..
وسؤالٌ واحد يخرسه: إن كنتَ تستند إلى الروايات فاعرض علينا السند كاملًا ورجاله، وندرسه معًا.. وهذا ما لا يفعله ولا يستطيعه.
وهالة الوردي تسير على النهج ذاته.. نقلٌ من غير تمحيص.. وتهويلٌ من غير دليل.. والمنهج العلمي يقتضي أنَّ مَن ادَّعى وجود رواية صحيحة تثبت تحلُّلَ الجسد الشريف فعليه إثبات ذلك بعرض السند كاملًا.. وحينئذٍ نُطبِّق عليه قواعد علم الحديث بكل دقة.. أمَّا الكلام المُرسَل فليس دليلًا.

خامسًا: ماذا يقول العلم؟

- عامل درجة الحرارة لا يعمل منفردًا
ذكر إبراهيم عيسى «الحر القائظ» في جزيرة العرب، غير أنَّ علم الطب الشرعي يُثبت أنَّ التحلُّل الكامل في درجات الحرارة العالية يتطلَّب عدة عوامل:
- التعرُّض المباشر للهواء والرطوبة.
- عدم وجود إجراءات الحفظ كالغسل والتكفين.
- مرور ساعات أو أيام في ظروف بعينها.
أمَّا الجسد المُغسَّل المُكفَّن في حُجرة مغلقة، فحكمُه مختلفٌ تمامًا.. حتى بالمعطيات العلمية البحتة.
- الطب الشرعي الحديث يَعرِف حالات «التحلل المؤجل» (delayed decomposition) حتى في بيئات حارة.. بسبب الجفاف.. أو المواد الطيبة الطبيعية (كالعطور والحنوط)، أو التركيب الجسدي الفريد.. جسد النبي ﷺ الذي كان عرقه طيبًا (كما في الصحيحين) يشبه حالات الحفظ الطبيعي الموثقة في بعض الجثث المقدسة تاريخيًا.. إضافة إلى ذلك، المعجزة الإلهية لا تناقض العلم؛ إنما تُعلِّق قوانينه في حالات استثنائية، كما في إحياء الموتى أو شق البحر.
- شهادة مَن باشروا الغسل.. الدليل الأقوى
المباشِرون لغُسله ﷺ هم الدليل العلمي الميداني الأول. وإجماعهم الضمني - عبر الصمت التام عن أي رائحة أو أي تغيُّر - هو أقوى ردٍّ على هذه الشبهة.. إذ لو كان ما يدَّعيه إبراهيم عيسى وصاحبته صحيحًا لكان ذلك أوَّلَ ما يُروى وأشيعُ ما يُنقل.. ولأثار ضجةً تاريخية كبرى.

سادسًا: القاعدة المنهجية الفاصلة

يُقرِّر علماء الحديث قاعدةً ذهبية: «الحاضرُ يغيب عنه ما لا يغيب عن الشاهد» وشهود الوفاة والتجهيز والدفن كانوا عشرات الصحابة الموثوقين، الذين نقلوا كل صغيرة وكبيرة بأمانة علمية لا مثيل لها في التاريخ الإنساني. ولو كان ثمة تحلُّلٌ أو رائحة لكان هذا من أوائل ما يُروى.
سابعًا الإعجاز الإلهي في حماية جسد سيد الكائنات ﷺ
- التوافق مع سنن الله في الأنبياء: كل الأنبياء لهم خصائص جسدية وروحية استثنائية كعدم أكل الأرض لأجسادهم.. هذا حكمة إلهية ليكون جسد رسول الله ﷺ شاهدًا على استمرار بركته حتى بعد التحاقه بالرفيق الأعلى كما في زيارة قبره الشريف ﷺ اليوم.
- إذا كان التحلل «طبيعيًا» فلمَ لا يذكره أحد من الرواة الثقات الذين وصفوا حتى أدق التفاصيل (مثل مكان الدفن، والغسل، والكفن)؟ الغياب التام لأي إشارة سلبية هو دليل على كذب هذه الترهات.
- جثث بعض القديسين أو الأجساد في بيئات جافة حارة (مثل مومياوات) حُفظت قرونًا بدون تحنيط صناعي.. فكيف بجسد هو معجزة إلهية مباشرة؟!
- تذكر وقائع التاريخ كيف أن الجسد الشريف تعرض لمحاولات اختطاف وتم إحباط هذه المؤامرات الشنيعة وأشهرها كان في عهد السلطان نور الدين محمود رضي الله عنه
إن الجسد النبوي الشريف صانَه الله تعالى بأمرٍ ربَّاني وهذا ثابت بالحديث الصحيح، وشهدت له أقوال الصحابة المتواترة.. وتعضِّده المعطيات التاريخية الموثَّقة.. أمَّا ما يُروِّجه إبراهيم عيسى وهالة الوردي وأشباههما فهو حقد أعمى واستدلال من الروايات الضعيفة المنتزَعة من سياقها.. مع الإخفاق الكامل في تقديم سندٍ واحد صحيح يُثبت ما يدَّعون.
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السبت، 7 يونيو 2025

‏شُبُهَاتُ المُنبطحين!.. سيقولون لك

 ‏شُبُهَاتُ المُنبطحين!.. سيقولون لك


الدكتور خالد حمدي

1.سيقولون لكَ:تبتئسْ، فإنَّه لا يضرُّهم من خذلهم!
هذا الحديثُ لهم، كي يربتَ على قلوبهم هم، وليس لكَ لتُبررَ فيه خُذلانكَ لهم!
صحيحٌ أنّه لن يضرَّهُم من خذلهم، ولكن من خذلهم فقد باء بإثمهم! المكتوب سيقعُ لا محالة، ولكنَّه يقعُ بعلمِ اللهِ له وليس بإجبار عباده عليه! مكتوبٌ منذ الأزل أن فلاناً سيقتلُ فُلاناً، وأنَّ فُلاناً سيسرقُ مالَ فلان، ولكنَّ القاتل والسَّارق سيقفان للحساب يوم القيامة على جرائمهما!

2.سيقولون لكَ: الكثيرُ من العلماءِ الثِّقاتِ لا يتكلَّمون عنهم، ولا يستنكرون سفكَ دمائهم، ولو كانوا على حقٍّ لفعلوا!
وأقولُ لكَ ومنذ متى نعرفُ الحقَّ بالرِّجال، يا صاحبي نحن نعرفُ الرِّجال بالحقِّ، وهذا أوان أن تعرفَ أنَّ من حسبتهم ثِقاتاً ليسوا ثِقاتاً!
ألمْ تقرأ تاريخ هذه الأمة في زمن أزماتها، ألمْ تعلم أن خمسين فقيهاً أفتوا للمعتصم بقتل أحمد بن حنبل!
العلماء لا يُعرفون من الكتب يا صاحبي وإنما يُعرفون من الحياة، أحمد بن حنبل ليس إمام السُنة لانه صاحب المسند بل لأنه صاحب الجلد يوم فتنة خلق القرآن!

3.سيقولون لكَ: الإعلامُ لا يتحدَّثُ عنهم على أنّهم أبطال، أكانَ إعلامنا سيتركهم لو كانوا أبطالاً فعلاً؟!
يا صاحبي عندما أُلقيَ القبض على عمر المختار، عنونتْ صحيفة بَرَقة بالخط العريض: القبض على زعيم المتمرّدين عمر المختار!
إذا كان ميزانك من الجرح والتّعديل قناة العربيّة وأشكالها فإنّه يُؤسفُ عليكَ أكثر مما يُؤسفُ على رضيعٍ اُنتِشَلَ قطعاً من تحت الأنقاض!

4.سيقولونَ لكَ: كان النَّاسُ يعيشون بهدوءٍ، ويأكلون ويشربون، فهل كان الأمرُ يستحقُّ؟! وهذا هو شأن البهائم دوماً أنّها لا تُفكِّرُ إلا بالعلف! تسمنُ بهدوءٍ لتُذبحَ نهاية المطاف، أما مصطلح الكرامة فمصطلح إنسانيّ لم تسمعْ به الدَّوابُ يوماً!

5.سيقولون لكَ: ماذا عن كلِّ هذا العدد من الضحايا؟
أوّلاً: هؤلاء شُهداء بإذن الله وليسوا ضحايا! ثانياً: إنَّ الثبات على العقيدة والمبدأ عبادة وليست تجارة لتُقارن بالثّمن! أصحاب الأخدود أُحرِقوا جميعاً فسمّى الله هذا فوزاً عظيماً! وسُميَّةُ طعنها أبو جهلٍ بالحربة وهي مثبتة بالأوتاد في الأرض، وهي رغم هذا أول شهداء الإسلام!
حمزة بن عبد المطلب وصُهيب بن عمير قتلتهما قريشُ ولم يقتلهم النَّبيُّ ﷺ حين خرج بهم إلى أُحد!

6.سيقولون لكَ: ألا ترى كيف جاعَ الأطفال، وكيف ماتَ بعض النّاسِ من الجوع؟!
وأقولُ لكَ جاعَ الصّحابةُ وعيالهم يوم الخندق، فمن الذي جوّعهم النَّبيُّ ﷺ حين رفضَ أن لا يركعَ إلا لله، أم قريشُ والأحزاب حين حاصروهم في ديارهم؟!

7.سيقولون لكَ: ماذا عن موازين القوى؟! ألا يجب أن يكون المرءُ عاقلاً ولا يُخاطر ويُغامر؟!
وأقولُ لكَ ماذا عن ثلاثة آلافٍ في مؤتة بعثهم النَّبيُّ ﷺ لمواجهة مئتي ألف؟!
ماذا عن اليرموك والقادسيّة، أعندكَ فكرة عن تفاوت موازين القَوى؟!
ماذا عن بدرٍ والمشركون أربعة أضعافهم؟!
الجهاد يا صاحبي فريضة وليست رحلة، تُؤدَّى بالمستطاع، فقبل أن تسألهم: لمَ تُقاتلون وحدكم، سلْ أُمَّةً كاملةً: لمَ تركتموهم وحدهم؟!

8.سيقولون لكَ: هم الذين جلبوا الوبال كلّه!
يريدون أن يُقنعوا ضحيَّةً تُقتلُ منذ زمنٍ كلَّ يومٍ ألف مرَّةٍ على يدِ عدوٍّ حقير وجبان أنَّ السبب في موتهم هذه المرّة أنَّ ضحيَّةً أخرى سئمتْ أن تبقى ضحيَّةً، وأنها عرفت أنَّ الحُرَّ يموتُ واقفاً على قدميه ولا يركع، وأنه لا ضير أن لا يُحقِّقَ نصراً ساحقاً، يكفيه فخراً أنه خمش وجه عدوّه، وترك فيه أثراً سيبقى يذكره كلما طالع وجهه في المرآة!
لم تقتلكَ جرأة بعض قومك، لقد جعلتكَ ندًّا، كنت قبل اليوم تُقتل سُدى، أما اليوم فإنهم يردُّون صفعةً تلقُّوها، أرأيتَ الفارق بين هذه الموتة وتلك؟! ليستا سواءً أبداً، ولن تكونا، وإني أُعيذك أن لا تُدركَ الفارق بين من قتلكَ بدايةً، وبين ما كان يأخذ بثأرك!

الأربعاء، 9 أبريل 2025

الأسطورة الزائفة

 الأسطورة الزائفة


حقيقة العداء بين آيات قم وطهران، وحاخامات تل أبيب وواشنطن (تصريحات مهمة)
(( -تاريخيا فإن الولايات المتحدة وافقت على قدوم الخميني للسلطة ... وقد ذهب البريطانيون أبعد من ذلك ونقلوا للخميني أسماء عملاء ال " كي . جي . بي "
في طهران التي حصلوا عليها من منشق روسي .- أي أنهم تولوا حماية الخميني - وفي نفس الوقت وقف المحافظون الجدد مع إيران من أمثال ريشارد بيرل ومايكل ليدين وتحالفوا مع إسرائيل لتزويد إيران الخميني بالسلاح واستمر ذلك ما بين 1981 حتى 1985 عندما كشف الموضوع)).
الباحث الأمريكي روبرت ديفوس، صاحب " لعبة الشيطان "
في مقابلة مع مجلة الوطن العربي 10/3/2006.:..
***
- (( لقد كان هناك ثورة وافق عليها الخميني كما وافق على الديمقراطية وعلى أن يكون الشعب هو مصدر السلطات، لكنه بعد ما وصل إلى قيادة الثورة عقد صفقة مع الأمريكيين والإسرائيليين وقام بانقلاب. هذه الحقيقة)).
أبو الحسن بني صدر أول رئيس إيراني بعد الثورة والقائد
العام للقوات المسلحة، بين 1980 و1981، في مقابلة
مع مجلة المشاهد السياسي العدد 36، 17-23نوفمبر1996

وقال بني صدر: ((نحن قمنا بالثورة من أجل إقامة الديمقراطية الحقيقية في إيران ليس ديمقراطية على طريقة الغرب، بل ديمقراطية تفتح الباب لمشاركة الجميع في القرار. لكن الخميني كما قلت سابقا، عقد صفقة سرية مع الأمريكيين والإسرائيليين والبريطانيين وقام بانقلاب حقيقي)) .
***

-(( أما فيما يخص أزمة الرهائن الأميركيين بعد احتلال الطلبة الإيرانيين للسفارة الأميركية، فبالطبع عقدت السلطات في إيران صفقة سرية مع إدارة رونالد ريغان لإطلاق الرهائن الأميركيين، في إيران ولبنان. (جزء منها كان معروفا تم الاتفاق عليه في الجزائر ويقضي بالإفراج عن نحو 7 مليارات دولار من الأموال الإيرانية التي جمدتها أميركا بعد الثورة مقابل إطلاق الأميركيين المحتجزين في السفارة الأميركية بطهران، وجزء آخر متعلق بشراء أسلحة أميركية وإسرائيلية لدعم المجهود الحربي الإيراني خلال الحرب مع العراق مقابل إطلاق أميركيين محتجزين في لبنان، وهى الصفقة التي عرفت بإيران غيت)).

أبو الحسن بني صدر في مقابلة مع جريدة
الشرق الأوسط 4 فبراير2009


الثلاثاء، 12 نوفمبر 2024

شيخنا كيف ترد؟

 

شيخنا كيف ترد؟



 د. محمد عياش الكبيسي.   

مفكر وداعية إسلامي، دكتوراه في الفقه الإسلامي

شبهات متهافتة، وفتاوى مكذوبة، وأقاويل بلا زمام ولا خطام، لا يعرف لها قائل، وإن عرف باسمه فهو اسم ليس محسوبا في أهل العلم ولا الفكر ولا حتى الدين.

كل هذا يصلنا يوميا بالعشرات، وربما عن طريق بعض الإخوة والأصدقاء مشفوعة بعبارة (شيخنا كيف ترد؟).

أرد على ماذا يا إخوة؟ هل فعلا أنتم تبحثون عن أجوبة؟ أو هو شيء من قبيل قتل الأوقات وملء الفراغات؟

انزعجت اليوم حينما وصلني رد مؤصّل من عالم مؤصّل وهو كبير في العلم كبير في السنّ، يرد فيه على ما يمكن تسميته بالتفاهة،

ولقد شخص الشيخ هذه التفاهة فقال بالنص في مقدمة رده:

(ما كنت أنوي الرد على هذا المعتوه لولا كثرة ما وصلني من الإخوة..)

الله يسامح الإخوة.

(في الملحق صورة لهذا الشخص الذي يطلب الإخوة من العلماء الرد عليه في قوله أنه لا يوجد دليل على تحريم الخمر)

والحقيقة أن هذه التفاهة ليست من اختراعه وإنما هو يكرر كلام الباطني المعروف (شحرور).

إن مجرد الاهتمام بهذه (التفاهات) يعطيها وزنا أكبر مما تستحق ويساعد في نشرها والترويج لأصحابها وهذا هو مبتغاهم.

أما إذا كانت هذه التفاهات لها فعلا نوع من التأثير في العقول، بحيث تتطلب فتاوى وبيانات من العلماء،

فنحن أمام كارثة معرفية وربما إيمانية خطيرة.

ومن المفارقات العجيبة هنا هذا الاهتمام الكبير والبحث عن الموقف الشرعي المؤصل بالأدلة تجاه هذه التفاهات،

بينما الأمور التي تحدد مصيرنا ومصير أمتنا في الدنيا والآخرة ترى الناس يخوضون فيها دون حاجة إلى دليل ولا بحث ولا تأصيل،

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الأربعاء، 11 سبتمبر 2024

لماذا لا أحتفل في ذكرى المولد النبوي؟

 


لماذا لا أحتفل في ذكرى المولد النبوي؟

لأن هذا الأمر ينطوي على أمور خطيرة فقد يبدو هذا الأمر صغيراً في أوله ولكنه عظيم في نهايته فالاحتفال بالمولد: أوله بدعة ومعصية وآخره كفر وزندقة والعياذ بالله.


لماذا لا أحتفل في ذكرى المولد النبوي؟

الجواب:
 

مع أنه جدي وقبل ذلك نبيي وقدوتي وحبيبي صلى الله عليه وسلم فإن هناك أكثر من 40 سبب يمنعني من الاحتفال بيوم مولده، والحق أحق أن يُتبع وإليكم هذه الأسباب بالتفصيل من كلام علماء الدين:

1- لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرني بذلك، وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي لم يقبضه ربه إليه حتى أكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة كما قال سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فأبان سبحانه بهذه الآية الكريمة أن الدين قد كمُل والنعمة قد أتمت ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفيد بمشروعية هذا الاحتفال.


2- لأنه لو كان الاحتفال بيوم المولد النبوي مشروعا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأنه أنصح الناس للناس، وليس بعده نبي يبين ما سكت عنه من حقه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وقد أبان للناس ما يجب له من الحق كمحبته واتباع شريعته، والصلاة والسلام عليه وغير ذلك من حقوقه الموضحة في الكتاب والسنة، ولم يذكر لأمته أن الاحتفال بيوم مولده أمر مشروع حتى يعملوا بذلك.

3- لأن الله قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. ولم أجد في الكتاب والسنة ما يدعوني إلى هذا المولد وطاعة الله وطاعة رسوله تقتضي الامتثال والتسليم بما شرعوا بدون زيادة أو نقصان.


4- لأن في هذا الاحتفال إساءة ظن بنبي الإسلام وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم ولم يفعله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، ثم الصحابة رضي الله عنهم أحب الناس له وأعلمهم بحقوقه لم يحتفلوا بهذا اليوم، لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، ثم التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة لم يحتفلوا بهذا اليوم.
أفتظن أن هؤلاء كلهم جهلوا حقه أو قصروا فيه حتى جاء المتأخرون فأبانوا هذا النقص وكملوا هذا الحق؟! لا والله! ولن يقول هذا عاقل يعرف حال الصحابة وأتباعهم بإحسان. وإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الاحتفال بيوم المولد النبوي لم يكن موجودا في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه الكرام ولا في عهد أتباعهم في الصدر الأول، ولا كان معروفا عندهم، علمتَ أنه بدعة محدثة في الدين، لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا الدعوة إليها، بل يجب إنكارها والتحذير منها.

5- ولا نحتفل بهذا اليوم لأنه لم يحتفل بولادته عليه السلام بعد وفاته أحب الخلق من الرجال إليه، وأحب الخلق من النساء إليه؛ ذلكما أبو بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما لم يحتفلا بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم. كذلك الصحابة جميعًا عمر وعثمان وعلي وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. كذلك التابعون وأتباعهم لم يحتفلوا به.


6- لأنه مع اختلاف الناس في مولده عليه الصلاة والسلام فإنه لم يفعله الصحابة ولا التابعون ولا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص، وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». وكانوا أشد الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأكثرهم تعظيماً له، ومع هذا الحب وهذا التعظيم ما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه لأنهم علموا أن كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنّته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

7- لأن تعظيمه صلى الله عليه وسلم يكون بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه ولا يكون في مخالفته صلى الله عليه وسلم، والله تعالى حذرنا وطلب من نبيه صلى الله عليه أن يطرح علينا هذا السؤال المهم وأعطانا جوابه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103- 104].


8- لأن محبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه لا تكون بالبدع والخرافات والمعاصي وإنما تكون بالاقتداء والإتباع:
 

لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحبّ لمن يحب مطيع



9- لأنه صلى الله عليه وسلم حذرنا من الاختراع في الدين كما في جاء في الحديث عن عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْفَجْرَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (أحمد: 16694).


10- لأن محبته صلى الله عليه وسلم تقتضي إحياء سنته والعض عليها بالنواجذ، ومجانبة ما خالفها من أي قول أو فعل، ولا شك أن كل ما خالف سنته وهديه فهو بدعة مذمومة ومعصية ظاهرة مشئومة ومن ذلك الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.

11- لأن أهل السنة والجماعة يرونه أنه لا يتم إيمان عبد حتى يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، ومن لوازم ذلك أن يعظمه بما ينبغي أن يعظمه فيه، وبما هو لائق في حقه صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أقول مولده بل بعثته لأنه لم يكن رسولاً إلا حين بُعِث كما قال أهل العلم: "نُبىءَ بإقرأ وأُرسل بالمدثر"، لا ريب أن بعثته عليه الصلاة والسلام خير للإنسانية عامة، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].


12- لأنه ذلك ليس من الأدب معه في شيء فإن من لوازم تعظيمه وتوقيره والتأدب معه واتخاذه إماماً ومتبوعاً ألا نتجاوز ما شرعه لنا من العبادات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ولم يدع لأمته خيراً إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شراً إلا بينه وحذرهم منه، وعلى هذا فليس من حقنا ونحن نؤمن به إماماً متبوعاً أن نتقدم بين يديه بالاحتفال بمولده أو بمبعثه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]. وبالتالي فإن الاحتفال بالمولد النبوي ينافي الأدب الواجب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعارض مع حفظ حقوقه المشروعة بعد موته عليه الصلاة والسلام.

13- لأنه لا يصحُّ لإنسانٍ يخشى الله، ويقف عند حدود الله، ويتَّعِظَ بقول الله عز وجل: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] أن يحتفل بهذا المولد وغيره من الموالد المبتدعة. فلا يقولنَّ أحد من الناس أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحتفل به لأن هذا متعلق بشخصه؛ لأن الجواب -كما سبق- لا أحد من أصحابه جميعًا احتفل به عليه الصلاة والسلام فمن الذي أحدث هذا الاحتفال من بعد هؤلاء الرجال الذين هم أفضل الرجال، ولا أفضل من بعدهم أبدًا، ولن تلد النساء أمثالهم إطلاقًا؟


14- ونحن لا نحتفل بهذا المولد لأننا نتمثل وصايا العلماء حيث قالوا: "اصبر نفسك على السنة، وقِف حيث وَقف القوم، وقل بما قالوا، وكُف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم". ووالله إنه يسعنا ما وسعهم.

15- لأن الأعياد والمناسبات التي ترد على أمة الإسلام معدودة معروفة جاء الشرع ببيانها وحث الناس على الاعتناء بها، من ذلك مواسم الخير في رمضان وعيدي الفطر والأضحى وعشر ذي الحجة والمحرم، ونحوها، وليس منها يوم المولد النبوي لما فيه من التشبه بالكفار، ومعلوم أن المسلمين ليس لهم عيد سوى الفطر والأضحى، وعيد الأسبوع الذي هو يوم الجمعة، وأي احتفال بعيد آخر فهو ممنوع، ولا يخرج عن أحد أمرين: البدعة، إن كان الاحتفال به على وجه التقرب إلى الله، كالاحتفال بالمولد النبوي، والتشبه بالكفار: إن كان الاحتفال على وجه العادة لا القربة؛ لأن إحداث الأعياد المبتدعة هو من فعل أهل الكتاب الذين أمرنا بمخالفتهم.


16- لأنه ليس فقط بدعة وتشبه إلا أنه وسيلة للغلو الذي نُهِينا عنه أن الاحتفال بذكرى مولد الرسول مع كونه بدعة وتشبهاُ بالنصارى وكل منهما محرم، فهو كذلك وسيلة إلى الغلو والمبالغة في تعظيمه حتى يفضي إلى دعائه والاستعانة به من دون الله، كما هو الواقع الآن من كثير ممن يحييون بدعة المولد، من دعاء الرسول من دون الله، وطلب المدد منه، وإنشاد القصائد الشركية في مدحه كقصيدة (البُردة) وغيرها، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه فقال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (البخاري: 2445).
وَالْإِطْرَاء: الْمَدْح بِالْبَاطِلِ والإفراط في المدح، ومفهوم الحديث أي: لا تغلوا في مدحي وتعظيمي كما غلت النصارى في مدح المسيح وتعظيمه حتى عبدوه من دون الله، وقد نهاهم الله عن ذلك بقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171]. ونهانا نبينا صلى الله عليه وسلم عن الغلو خشية أن يصيبنا ما أصابهم؛ قال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: هَاتِ الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (النسائي: 3057 وهو في صحيح سنن النسائي برقم 2863).

17- لأن الرسول صلى الله عليه وسلم غني عن هذا الاحتفال البدعي بما شرعه الله له من تعظيمه وتوقيره كما في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4]، فلا يذكر الله عز وجل في أذان ولا إقامة ولا خطبة وإلا يذكر بعده الرسول صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك تعظيماً ومحبة وتجديداُ لذكراه وحثاً على اتباعه.


18- لأنه ليس في البدع شيء حسن فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (مسلم: 1718)، وقال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (مسلم: 867) فحكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة.
وهنا سِّر لا يتنبَّهُ له الكثير فالسر في أن كل بدعة كما قال عليه الصلاة والسلام بحق ضلالة هو أنَّه من باب التَّشريع في الشَّرع الذي ليس له حق التَّشريع إلا ربّ العالمين تبارك وتعالى. وإذا انتبهتم لهذه النقطة عرفتم حينذاك لماذا أطلق عليه الصلاة والسلام على كل بدعة أنها في النَّار أي صاحبها ذلك لأنَّ المبتدع حينما يُشرِّع شيئًا من نفسه فكأنَّه جعل نفسه شريكًا مع ربِّه تبارك وتعالى.

19- والله عز وجل يأمرنا أن نوحِّده في عبادته وفي تشريعه؛ فيقول مثلاً في كتابه: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أندادًا في كل شيء ويدخل في ذلك التَّشريع.


20- لأن مفهوم الحديث أن من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة كما قال العلماء.

21- لأن إحياء بدعة المولد يفتح الباب على مصراعيه للبدع الأخرى والاشتغال بها عن السنن. ولك أن تلاحظ أن هؤلاء القوم ينشطون في إحياء البدع ويكسلون عن أداء السنن ويبغضونها ويعادون أهلها، حتى صار دينهم كله ذكريات بدعية وموالد ولا ينكر ذلك إلا جاحد أو مماري.


22- لأننا كمسلمين نرجو أن نحبه صلى الله عليه وسلم حباً حقيقيا؛ فحب هؤلاء ليس بحب حقيقي. فهل سيشفع للنصارى حبهم لعيسى بن مريم وقولهم أنه ابن الله -تعالى الله عن قولهم-؟ وهل اتبعوه حقيقة عند تحريف دينه وتغيير شريعته؟ حتى جاء الإسلام وأعاد الأمور إلى نصابها بعقيدة واضحة بينة سيحكم بها عيسى بن مريم عليه السلام عند نزوله في آخر الزمان.

23- لأن فيه تشبها بأهل الكتاب في أعيادهم البدعية فلا شك أن في المولد النبوي مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وقد أمرنا الله بمخالفتهم قال صلى الله عليه وسلم: «وَخَالِفُوا الْيَهُود» (صحيح أبي داوود: 2113)، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّة وَاشْتُهِرَ أَمْر الْإِسْلَام أَحَبَّ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْكِتَاب صلوات الله وسلامه عليه. والمخالفة في أمر دينهم قد تكون على سبيل الوجوب ومن ذلك اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدا كما اتخذوا يوم مولد عيسى عليه السلام عيداً.
ومن المفارقات أنه لم يثبت عند النصارى يوم محدد لولادة عيسى عليه السلام ولا عند أمة الإسلام تحديد مولد نبينا عليه الصلاة والسلام؛ فالخلاف فيه قوي. وإذا نظرنا في كتب السيرة النبوية: سنجد أن كتَّاب السيرة يختلفون حول ميلاده صلى الله عليه وسلم إلى أقوال هي كما يلي:
1. يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.
2. ثامن ربيع الأول.
3. عاشر ربيع الأول.
4. ثاني عشر ربيع الأول.
5. وقال الزبير بن بكار: ولد في رمضان.

24- لأنه لو كان يترتب على ميلاده صلى الله عليه وسلم شيء لسأله عنه الصحابة رضي الله عنهم، أو لأخبرهم هو به صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك لم يكن.


25- لأنني لا أريد أن احتفل بيوم وفاته صلى الله عليه وسلم. فيوم وفاته صلى الله عليه وسلم لم يُختلف في أنها وقعت في الثاني عشر من ربيع أول من السنة الحادية عشر للهجرة أفلا ننظر بعدها متى يحتفل هؤلاء المبتدعة؟ إنهم يحتفلون في وقت وفاته لا ميلاده!


26- لأن الإقرار بيوم المولد وأمثاله ينافي الوضوح التام الذي هو من مزايا دين الإسلام فلو كان ذلك من الأمور التي ينبني عليها شيء لكانت واضحة؛ فتعساً لمن كان دينه بهذه الضبابية. ومن البدهي لكل ذي لب وبصيرة أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته لم يكن ليحتفل بولادته؛ ذلك لأن الاحتفال بولادة إنسان ما إنما هي طريقة نصرانيَّة لا يعرفها الإسلام مطلقًا.

27- لأنَّ عيسى عليه السلام نفسه الذي يحتفل بميلاده المدَّعون من أتباعه لم يحتفل بولادته مع أنها ولادة خارقة للعادة وإنما كان الاحتفال بولادة عيسى عليه السلام من البدع التي ابتدعها النَّصارى في دينهم، وهي كما قال عز وجل: {ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] كغيرها من بدعهم الكثيرة التي انتهت بهم إلى تغيير دينهم وانحرافهم عنه حتى صاروا من الضالين إلى قيام الساعة والمسلم يدعو في كل صلاة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6-7].


28- لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بالأنبياء بعدم احتفاله بهذا اليوم فعيسى عليه السلام لم يحتفل بميلاده، ومحمد صلى الله عليه وسلم أيضًا لم يحتفل بميلاده، والله عز وجل يقول: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]. فهذا من جملة اقتداء نبيِّنا بعيسى عليه الصلاة والسلام، وهو نبينا أيضًا ولكن نبوَّته نُسِخَت ورُفِعَت بنبوَّة خاتم الأنبياء والرُّسل صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك فعيسى حينما ينزل في آخر الزمان كما جاء في الأحاديث الصحيحة المتواترة إنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

29- وهكذا تتوالى الأسباب الوجيهة المتناسقة كما نجد ثم جاء الضغث على إبالة كما يُقال؛ فصار عندنا أعياد واحتفالات كثيرة؛ كما جاء الاحتفال بسيد البشر تقليدًا للنصارى؛ كذلك جرينا نحن؛ حتى في احتفالنا بمواليد أولادنا أيضًا على طريقة النصارى، وإن تعجب فعجبٌ من بعض هؤلاء المنحرفين عن الجادة؛ يقولون: النصارى يحتفلوا بعيسى بنبيهم، نحن ما نحتفل بميلاد نبينا عليه الصلاة والسلام؟! أقول: هذا يذكِّرُنا بما هو أقل من ذلك، وقد أنكره الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حينما كان في طريق في سفر فمرُّوا بشجرةٍ ضخمة للمشركين؛ كانوا يعلِّقون عليها أسلحتهم؛ فقالوا كلمة بريئة جدًّا؛ ولكنها في مشابهة لفظيَّة قالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ؛ قال عليه السلام: اللَّهُ أَكْبَرُ! هَذِهِ السُّنَنُ، لَقَدْ قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً» (صحيح الترمذي: 2180).


30- لذلك فمن الأدلة التي تمنعنا من هذا الاحتفال القصة السابقة والتي استدل بها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: «اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً». وقد يستغرب الإنسان كيف الرسول عليه السلام يقتبس من هذه الآية حجة على هؤلاء الذين ما قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؛ وإنما قالوا: اجعل لنا شجرة نعلِّق عليها أسلحتنا، كما لهم شجرة؛ فقال: «اللَّهُ أَكْبَرُ! هَذِهِ السُّنَنُ»؛ يعني بدأتم تسلكون سنن من قبلكم كما في الأحاديث الصحيحة، «قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة»، فكيف بمن يقول اليوم صراحة النَّصارى يحتفلوا بعيسى نحن ما نحتفل بنبينا عليه السلام؟! الله أكبر! هذه السَنَن، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حين قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ؛ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! اليَهُودُ وَالنَّصَارَى هُمْ؟ قَالَ: فَمَنْ» (البخاري: 7320).

31- لأن العبادات الأصل فيها التوقف والاتباع ولا تُبنى على الرأي والابتداع. وما عظمه الشرع من تعظيم زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم بالدليل وعلى سبيل المثال اتخاذ مقام إبراهيم مصلى قد جاء به الشرع أما الاحتفال بالمولد فلم يرد به دليل أو سنة.


32- لأن التقدم بين يديه في سنته كالتقدم بين يديه في حياته والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]. أي لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعجلوا بالأمر والنهي دونه في جميع أموركم صغيرها وكبيرها أي في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن الحقيقي فيتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مرجعاً له في حياته ولا يتعدى سنته؛ فالتقدم بين يديه في سنته كالتقدم بين يديه في حياته.

33- لأن من أراد أن يعظِّم اليوم الذي وُلد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فعليه بالبديل الشرعي، وهو صوم يوم الاثنين، وليس خاصّاً بيوم المولد فقط بل في كلّ يوم اثنين. فقد روى (مسلم: 1162) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ»، وروى (الترمذي: 747) وحسنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كانت قدماه تتفطر من طول قيام الليل ويقول أفلا أكون عبداً شكوراً لن يختار إلا الأفضل وهديه أكمل الهدي ناهيك عن يوم الاثنين يتكرر في كل أسبوع ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لذلك فحسب؛ بل لأنه يوم تُرفع فيه الأعمال إلى الله ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم الثاني عشر من ربيع والاستدلال بهذا فاسد.


34- لأن من أشاعه واحتفل به العبيديون -الذين سُموا زورا (فاطميون) الذين كانوا من الخلفاء أجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، كما أخبرنا العلماء في تاريخهم- وهؤلاء أول من أحدثها وحضرها وحث عليها. وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة (إربل): الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالمولد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا كل ما تهواه أنفسهم، وتوحيه شياطين الإنس والجن. وفي جميع الأحوال فإن أصل عمل المولد النبوي لم يُنقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما أُحدِث بعدهم وفي هذا وحدة كفاية لترك العمل به.

35- لأنك تشاهد الكثير ممن ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها ممن يتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأساً، ولا يرى أنه أتى منكراً عظيماً، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي نسأل الله العافية لجميع المسلمين.
36- لأنك تشاهد اليوم أيضاً حال هؤلاء المبتدعة وكيف أنهم انقسموا إلى فرق كل فرقة تحيي ذكرى موالد أئمتها كمولد الجيلاني والبدوي وابن عربي والدسوقي والشاذلي، وهكذا لا يفرغون من مولد إلا يشتغلون بآخر، ونتج عن ذلك الغلو بهؤلاء الموتى وبغيرهم ودعائهم من دون الله، واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون؛ حتى انسلخوا من دين الله وعادوا إلى دين أهل الجاهلية الذين قال الله فيهم: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، وقال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3].

37- لأننا رأينا أن جُل من يقوم بذلك هم من القبوريين، بل كيف أصبح هذا المولد ذريعة للتشقيق والاحتفال بالموالد التي تنطلق من قبور الأولياء ليستفيد منها السدنة وأرباب الطرق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا» (البخاري: 437)، وعنه صلى الله عليه وسلم: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (البخاري: 437، ومسلم: 530). أليس في هذا تحذير من مشابهتهم وتحذير واضح في عدم الوقوع بمثل أمرهم؟ بلى والله.


38- لأنه ثبت أنها ساقت بعض القوم إلى الشرك الأكبر فإذا تأملت أحوال هؤلاء المولعين بمثل هذه البدع بالإضافة إلى ما ذكرنا من أنك تجد عندهم فتوراً عن كثير من السنن؛ بل في كثير من الواجبات والمفروضات تجد أمراً خطيرا يقع في بعض هذه الاحتفالات من الغلو بالنبي صلى الله عليه وسلم المؤدي إلى الشرك الأكبر المخرج عن الملة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يحارب الناس عليه، ويستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم، ومن أشهر ذلك أنه يلقى في هذه الاحتفالات من القصائد قول البوصيري:
 

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك *** عند حدوث الحادث العمم
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي *** صفحاً وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علمُ اللوح والقلم


وهذا مما يُخرج عن الملة قطعاً فمثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز وجل، والعجب العجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناه كيف يسوغ لنفسه أن يقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام: "فإن من جودك الدنيا وضرتها" والقارئ يعرف أن (من) للتبعيض (والدنيا) هي الدنيا (وضرتها) هي الآخرة، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم السلام وليس كل جوده! فما الذي بقي لله عز وجل؟
الجواب: إن هذا لم يبقي لله تعالى شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة تعالى الله عن قوله علواً كبيراً وكذلك في البيت الآخر: "ومن علومك علم اللوح والقلم" (ومن): هذه للتبعيض أيضا وليت شعري ولا ندري ماذا أبقينا لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب؟! وهذا هو الغلو بعينه وحوله يدندنون، حاشا لرسوله الكريم أن يرضى عن هؤلاء، وتعالى الله عن قولهم سبحانه عز وجل. فلا تقتصر على مجرد كونها بدعة محدثة في الدين بل يضاف إليها شيء من المنكرات مما يؤدي إلى الشرك.

39-لأن هذه الاحتفالات حرام في ذاتها فكيف وقد سمعنا أنه يحصل فيها اختلاط بين الرجال والنساء، ويحصل فيها تصفيق ودف وغير ذلك من المنكرات التي لا يمتري في إنكارها مؤمن، ونحن في غِنَى بما شرعه الله لنا ورسوله ففيه صلاح القلوب والبلاد والعباد.


40- لأنها ليست من قضايا الخلاف السائغ فالعلماء لا يعتبرونها من المسائل الخلافية المعتبرة التي لا ينكر فيها؛ بل يعتبرونها من المسائل البدعية التي يُنكر فيها على المخالف فالمخالفين لهم ليس عندهم سند علمي صحيح سوى العواطف.

41- لأن الدين وعبادات أهل الإسلام لا تؤخذ من المنامات والأحلام بل مصدرها الوحيد هو الوحي. لأنك تجد أن بعض هؤلاء المبتدعة يستدل على مشروعية الاحتفال بناء على الرؤى والمنامات فجعلوا ذلك سنة مؤكدة.
والصحيح أن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا.
 

42- لأن هذا الأمر ينطوي على أمور خطيرة فقد يبدو هذا الأمر صغيراً في أوله ولكنه عظيم في نهايته فالاحتفال بالمولد: أوله بدعة ومعصية وآخره كفر وزندقة والعياذ بالله.


وهذا الجواب رسالة أخ محب لإخوانه المسلمين، ونصيحة من القلب إلى القلب لا أنسبها لنفسي: إن هي إلا كلمات جمعتها من كلام أهل العلم قد رتبتها ورأيت أن تكون بدون إشارة اختصارا وقد نقلتها نصاً مراراً وبتصرف يسير أحياناً، ومقصودي الأول والأخير أن يُعرض الحق بالدليل والكلام الرصين بدون تطويل بعيداً عن التنفير؛ فبعض القوم هداهم الله قد ينفر من الكلام بمجرد سماع اسم قائله لما جرى لهذا القائل من التشويه أو التحقير من مشايخ السوء والضلال أعاذنا الله من شرورهم.

أسأل الله تعالى أن يجزي كل من استفاد منه وجميع علمائنا خير الجزاء، وأن يرشدنا لما فيه الخير والصواب وأن يرزقنا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يوردنا حوضه وأن يسقينا منه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً إنه سميع قريب.


حازم بن أحمد الهاشمي