لماذا ينكر يوسف زيدان حادثة الفيل؟!
د. عطية عدلان
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي
لم تكن الحملات الصليبية التي هبّت على العالم الإسلاميّ في أواخر العهد الوسيط في أوروبّا إلّا بعضًا من إفراز الحقد الصليبي على أمّة الإسلام، وإذا كانت تسمية هذه الحملات بالحملات الصليبية قد ارتبطت بزمن معين رفعت فيه جيوش أوروبا شعار الصليب؛ فإنّ استمرار الحملات ذاتها بعد ذلك بالدوافع ذاتها وبالحقد ذاته يعني أنّها -وإن لم ترفع الصليب شعارًا- حملاتٌ صليبية.
فحملاتُ ما يسمى بالاستعمار الغربيّ الحديث على العالم العربي والإسلامي تُعَدُّ حملاتٍ صليبيةً وإن لم ترفع الشعار، والغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان حملة صليبية قد أفصحت عن نفسها بسلوكها وأدائها قبل أن تفصح عن نفسها في تصريحات جورج بوش، ولا تزال أمريكا تمارس عدوانها الصليبيّ بتحالفها مع الكيان الصهيونيّ.
أمّا أول وأبكر حملة صليبية على الأمة الإسلامية، فهي تلك التي استهدفت البيت العتيق -والأمة لا تزال جنينًا في الرحم المكرم لمكة المكرمة- تلك الحملة هي التي سميت بحادث الفيل، وهو الحادث الذي وقع في عام الفيل، الذي أخذ اسمه من الحادث نفسه وما وقع فيه، والذي صار يؤرخ به للحوادث، فيقال مثلاً: وقعت «حرب الفجار الثانية» بعد عشرين سنة من عام الفيل، وبعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أربعين سنة من عام الفيل، ومن المعلوم تاريخيًّا أنّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولد عام الفيل، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «وُلِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ»(1).
وكونها حملة صليبية مبكرة يعد أمراً واضحاً لا يفتقر إلى دليل؛ فليس مطلوبًا إثبات أنّها كانت ترفع الصليب شعارًا ورايةً لها لكي توصف بأنّها حملة صليبية، ألا يكفي أن يكون الذي قادها قائد صليبيّ متدين (أبرهة) إلى حدّ أنّه قيل: إنّه كان في أصله قسًّا؟ وأنّ الذي حرضه عليها حاكم الحبشة الصليبيّ (كالب) نجاشي الحبشة آنذاك أحد ملوك أكسيم؟ وأنّه هو الذي كلّف أرياط وأبرهة بغزو اليمن ونجران؟
ألا يكفي أنّ أبرهة حين بنى كنيسة «القليس» أعلن أنه بناها للملك النجاشيّ؟ وأنّه عزم أن يصرف العرب عن كعبتهم المشرفة إليها؟ ألا يكفي أنّ السبب في ذلك كله أنّ الناجي الوحيد من المجزرة التي ارتكبها ذو يزن الحميري في حقّ نصارى نجران قد لاذ أولاً بقيصر الروم الذي أحاله إلى نجاشيّ الحبشة(2)؟
ألأنّ سياق الرواية ذكر قصة -يبدو أنّها مدرجة ومقحمة على السياق- أنّ بعض الأعراب قضى حاجته في كنيستهم يُختزل السبب الضخم لهذا الحدث الهائل في هذه الواقعة الجزئية العارضة؟! كيف وقد ورد أنّ أبرهة -كما في سياق الروايات- عندما بناها كان عازمًا على صرف العرب عن قبلتهم؟ وأنّه إنّما بناها باسم الملك؟
وعندما عزم أبرهة على ذلك وأعدّ جيشًا عظيمًا دعمه بالأفيال الأفريقية يتقدمها فيل عظيم؛ «سمعت بذلك العرب فأعظموه وقطعوا به ورأوا أن جهاده حق عليهم حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج إليه رجل من أشراف اليمن وملوكهم يقال له: ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وإلى مجاهدته عن بيت الله الحرام وما يريد من هدمه وإخراجه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، ثم عرض له فقاتله، فهزم ذو نفر.. ومضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج إليه، حتى إذا كان في أرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبائل خثعم شهران وناهس ومن اتبعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة.
حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فقالوا له: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون.. وبعثوا معه أبا رغال يدله على مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزلهم بالمغمس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قبره، فهو قبره الذي يرجم بالمغمس، وهو الذي يقول فيه جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه
كما ترمون قبر أبي رغال»(3)
«وبعث أبرهة يسأل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم، فقيل: عبدالمطلب بن هاشم، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه ونزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتي أن يرد عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي؛ فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا ربُّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه.
وانصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رؤوس الجبال، ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لا همّ إنّ العبد يمــــــــــــــنع رحله فامنع رحالك..
لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدرا محالك..
إن كنت تاركهم وقبـــــــــــلتنا فأمر ما بدا لك..
ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو
ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون
فيها فينتظرون ما أبرهة فاعل فلما أصبح أبرهة
تهيأ لدخول مكة»(4) ولمهاجمة البيت العتيق،
فوقع ما حكته سورة الفيل: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ
رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ {1} أَلَمْ يَجْعَلْ
كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ {2} وَأَرْسَلَ
عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ {3} تَرْمِيهِم
بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ {4} فَجَعَلَهُمْ
كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) (الفيل).
وليس ها هنا مجال لإنكار قصة حكاها التاريخ الإسلاميّ، فكتب التاريخ الإسلاميّ -على الرغم من تأخرها كثيرًا عن رتبة كتب الحديث- تُعَدُّ من أوثق كتب التاريخ في العالم كله القديم والجديد؛ لأسباب، من أهمها أنّ أكثرها لا يخلو من الأسانيد، وهي -وإن كانت لم ترتق إلى أسانيد كتب الحديث- تُعَدُّ من فخر العلوم الإسلامية؛ إذ لم تحظ كتب تنسب إلى السماء بسند لو كان كسند الرواية الضعيفة في تراث المسلمين؛ فكيف إذا كان القرآن الكريم نفسه قد حكى بإيجاز وإنجاز وإعجاز هذه القصة العظيمة؟
وليس بوسع أحد أن ينكر ما حكاه القرآن؛ ليس -فقط- لأنّ القرآن الكريم معصوم مِنْ أنْ يُرَدّّ عليه شيءٌ، أمرًا كان أو خبرًا، لكنْ لذلك ولأمر آخر غفل عنه يوسف زيدان وأضرابه، وهو أنّ القرآن ذكر حادثةً وأخبر بأنّها وقعت للبيت العتيق في قلب مكة، ذكرها وذكّر بها المخاطبين بالقرآن من المكيين والعرب، وهم قوم أصحاب أدب وشعر وأنساب، يتناقلون ذلك كله مع الأخبار في بيئة صحراوية أمّية يعتمد فيها العربي على ذاكرته التي لا تزور ولا تزيف، فليس واردًا ولو بنسبة واحد بالمئة أن يكون حدث بهذا المستوى قد وقع ثم نُسِي ومحيَ من ذاكرة الناس، أو لم يقع ثم تحدث عنه متحدثٌ والناس لا يذكرون أَوَقَعَ كما يخبر المتحدث أم لم يقع؟ فلو كان محمد - وحاشاه - مختلقًا لهذه القصة لكان راكبًا متن المجازفة الكفيلة بنسف دعوته من جذورها؛ وإذْ لم يُنقل اعتراض من مؤمن أو كافر؛ فهذا أقوى دليل، ليس على صحة الحادثة وحسب، بل على أنّها نقلت فيهم جميعا نقلًا متواترًا إلى وقت نزول القرآن.
لن أغوص في قضية الحكم على من كذّب القرآن، فلا وقت نضيعه في أمر معلوم للعامة، وإنّما الذي أريد أن ألفت النظر إليه هنا أمران، الأول: أنّ يوسف زيدان كاتب وأديب فاشل، ثبتت عليه سرقات كثيرة من كتاب عالميين، وأغلب ما كَتَبَ ودَوّن من قصص مأخوذٌ من أدباء وكتاب آخرين، فهو شخص يحترف السرقات العلمية والأدبية؛ فكيف لمثل هذا أن يعترض على الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟! أم إنّه الزمن الذي يتحدث فيه الرويبضة في الأمور العامة الهامّة، الأمر الثاني: لماذا يُفتح المجال اليوم لأمثال هؤلاء بينما يضيّق على الدعاة والعلماء الربانيين؟ أهي حملة صليبية جديدة؟!
الهوامش
- 1 «المستدرك على الصحيحين للحاكم» (2/ 658) برقم (4180) - «مسند البزار = البحر الزخار» (11/ 240) (5017) - «تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري» (٢/ 155) - وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وقال الذهبي في تعليقه: صحيح على شرط مسلم.
- 2 راجع في ذلك كله كتب التاريخ، ومنها على سبيل المثال: «أخبار مكة للأزرقي» (1/ 134-145).
- 3 «أخبار مكة للأزرقي» (1/ 134-145) بإيجاز شديد وتصرف بسيط.
- 4 البداية والنهاية ط إحياء التراث» (2/ 214) بإيجاز وتصرف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق