‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الحليم عباس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الحليم عباس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 9 ديسمبر 2019

الأمن القومي.. بين حزم أردوغان وعجز السيسي


الأمن القومي.. بين حزم أردوغان وعجز السيسي
عبد الحليم عباس
مهندس معماري 

بينما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشكو من وصول مفاوضات سد النهضة مع الجانب الأثيوبي إلى طريق مسدود مستجدياً وساطة دولية لحماية حقوق مصر المائية، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعطي إشارة البدء لجيشه "المحمدي" للقضاء على خطر التنظيمات الانفصالية في شمال شرق سوريا. أثار هذا التزامن بين موقفين متناقضين لدولتين إقليميتين كبيرتين و وازنتين الكثير من التساؤلات حول مفهوم الأمن القومي لدى كل من تركيا ومصر ومدى جدية كل منهما في التعامل مع مهدداته والمخاطر التي تحدق به.

وبشكل عام فإن مفهوم الأمن القومي ينطلق من فكرة تحصين البلد أو الدولة لأراضيها ومواردها ومصالحها من كافة التهديدات الداخلية منها والخارجية باستخدام كل الخيارات المتاحة ومن ضمنها القوة العسكرية التي تأتي كنتيجة حتمية بعد استنفاذ الخيارات الدبلوماسية والسياسية. وعليه فإن مصطلح "تهديد الأمن القومي" ينطوي على مخاطر جمة تطال ركائز الدولة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، وقد تصل في حالات إلى حد تهديد وجود الدولة نفسها وقابلية استمرارها.

هبة النيل بلا نيل

قيل قديماً بأن المصائب تكشف عن معادن الرجال، وكذلك التهديدات فإنها تكشف عن قوة الدول ومنعتها ومدى إلتصاق قياداتها بشعوبها، وأمانتها في تحمل مسؤولياتها في الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها وأمنها القومي
يرى كثير من الباحثين والمختصين في مشروع سد النهضة خطراً كارثياً يهدد الأمن الغذائي والمائي لمصر في ظل دراسات تتنبؤ -في حال الإنتهاء من بناء السد- بانخفاض حاد بالإمدادات المائية وبوار آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية التي تروى بمياه النهر والتي يقتات المصريون من محاصيلها. وعليه فإن وصف سد النهضة بالسكين التي ستقطع شريان الحياة عن مصر التي ازدهرت حضارتها منذ الأزل على ضفاف النيل هو وصف يحاكي واقع الحال الذي لا يمكن تقييمه بأقل من كونه تهديد صريح للأمن القومي المصري وخطر وجودي يهدد المصريين في مائهم وغذائهم وأسباب معيشتهم.

أبو غزالة يتوعد والسيسي يستجدي
إذا كان وزير الدفاع المصري الأسبق المشير عبد الحليم أبو غزالة قد هدد أثيوبيا في أواخر الثمانينيات بحرب شاملة في حال إقدامها على المساس بحقوق مصر المائية، فإن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد لجأ إلى الأستجداء وطلب الوساطة الأمريكية في التعامل مع ذات الملف ونفس التهديد. صورة مأساوية لا يمكن وضعها إلا في إطار سلسلة من الإخفاقات المتتالية لحكومة الانقلاب التي أفقدت مصر هيبتها ووزنها الإقليمي والدولي ودورها الريادي في المنظومة العربية وصولاً إلى حالة من الضعف والهشاشة أصبحت فيها مصر "العظمى" عاجزة عن الحفاظ على حقوق أبنائها وحماية أمنها القومي الذي لم يهدده شيء في التاريخ الحديث كما فعل سد النهضة الأثيوبي.

متسلحاً بإسلوبه الشعبوي، ومكرراً وعوده التي لم تر يوماً النور، مضى السيسي في طمأنة المصريين بأن حقوق مصر المائية محفوظة ومؤمنة وأن أحداً لن يستطيع المس بمياه مصر "النيلية" وأن "الأشقاء" الأثيوبيين قد أكدوا له غير مرة أنهم لن يكونوا سبباً في أذية مصر وشعبها. لكن تالي الأيام أثبتت أن كل ما قاله السيسي كان هراءاً وسقطت آخر أوراق التوت عن أكاذيب الرجل ووعوده بعد أن أفضت الاجتماعات المتتالية للمسؤولين المصريين مع نظرائهم الأثيوبيين إلى فشل ذريع لم يكن أمام السيسي ونظامه سوى الإعتراف به وبمآلاته التي وضعت هبة النيل على حافة الفقر المائي.

وعلى الرغم من فداحة الحدث وخطورته على الأمن القومي المصري، فإن مواقف الرئيس المصري من الأزمة لم تتعد حدود التعبير عن القلق واستجداء الوساطة وطلب النجدة من الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي لإنقاذ المفاوضات المتعثرة بين مصر وأثيوبيا. في حين بدا جيش مصر "العظيم" المنشغل بتصنيع "صلصة المحاشي والمعكرونة" و"طناجر الضغط" وبيع "الفراخ" واللحمة والعصائر على الأرصفة، أبعد ما يكون عن الدخول على خط الأزمة وهو المنوط به افتراضاً حماية الأمن القومي والدفاع عن مصر وشعبها.

الأمن القومي التركي بين حزم القيادة ودعم الشعب
على النقيض من مواقف النظام المصري المتراخية، أظهرت الحكومة التركية الكثير من الحزم في التعامل مع التهديدات المتكررة لأمن بلادها القومي والمتمثلة بالمنظمات الكردية الإنفصالية في شمال وشمال شرق سوريا. فأطلق الرئيس التركي عملية نبع السلام التي جاءت استمراراً لسلسلة إجراءات اتخذتها تركيا لمنع تشكيل نواة لدولة كردية على حدودها الجنوبية. وبغض النظر عن كل الاختلافات القائمة حول شرعية التدخل التركي في الأراضي السورية ومدى تعارضه مع القوانين الدولية، وعن المواقف الأوروبية والأمريكية المنددة والمهددة بالعقوبات، وبغض النظر عن الموقف الروسي الملتبس والموقف الإيراني المستنكر، وبغض النظر عن موقف الجامعة العربية التي راعها إحتلال بني عثمان لأراض الجمهورية "العربية" السورية وأقلقها ضرب تركيا لمنظمات إنفصالية غير عربية تريد إنشاء كيان لها في أراض عربية، بغض النظر عن كل ما سبق، فقد تحرك الجيش التركي مدعوماً بقرار سياسي حازم ومدفوعاً بتوافق شعبي جامع قل نظيره وتمكن خلال فترة وجيزة من تحقيق ما نادى به الرئيس أردوغان طويلاً: منطقة آمنة بعمق ثلاثين كيلومتراً على طول الحدود السورية التركية أنهت أحلام الإنفصاليين بتأسيس دولتهم على الأراضي السورية وحمت الأمن القومي التركي الذي طالما أرقته تلك المنظمات الكردية المعادية على الحدود الجنوبية.

قيل قديماً بأن المصائب تكشف عن معادن الرجال، وكذلك التهديدات فإنها تكشف عن قوة الدول ومنعتها ومدى إلتصاق قياداتها بشعوبها، وأمانتها في تحمل مسؤولياتها في الحفاظ على مكتسباتها ومصالحها وأمنها القومي. هي صورة بمتناقضين إذاً، نظام إنقلابي في مصر لم يتوان عن تحريك جيشه لا لأجل أمن مهدد ولا خطر محدق ولا حفاظاً على حق، بل لاغتصاب شرعية منتخبة ووأد تحركات شعبية مسالمة تنادي بالحرية. وحكومة منتخبة في تركيا سخرت كل طاقاتها وإمكانياتها لا لاغتصاب سلطة ولا لتنصيب رئيس، بل للحفاظ على الأرض والشعب وحماية الأمن القومي من أي خطر يتهدده.

الأحد، 25 أغسطس 2019

السعودية والإمارات و مصر.. مثلث الشر الذي يصارع نفسه


السعودية والإمارات و مصر.. مثلث الشر الذي يصارع نفسه
 عبد الحليم عباس

لم يكن قرار الإمارات العربية المتحدة سحب قواتها العاملة في اليمن سوى حلقة من سلسلة التصدعات والخلافات التي ضربت تحالف الرياض والقاهرة وأبو ظبي أو ما عرف لاحقاً بمثلث الشر العربي. فعلى الرغم من أن قرار الإمارات الانسحاب من اليمن جاء صادماً في شكله، غامضاً في أهدافه وغاياته، ومفتقراً إلى أدنى درجات التنسيق مع الحلفاء المفترضين في تنفيذه، إلا أنه في حقيقة الأمر لم يخرج عن الإطار العام الذي وسم تحالف مثلث الشر الذي بلغت فيه التباينات في المصالح والاستراتيجيات حد التضاد في كثير من الأحداث، بينما كان القضاء على ثورات الربيع في مواطنها هو المشترك الوحيد الذي بالكاد جمع متناقضات المصالح السعودية والمصرية والإماراتية.

 حلفاء على الورق خصوم في الميدان
لم تكن سيطرة المجلس الانتقالي في الجنوب اليمني على عدن سوى حلقة جديدة من حلقات التصدع الذي أصاب التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن. ذلك أن من انقلب على الشرعية المعترف بها دولياً هي قوات محسوبة ومدعومة من الإمارات العربية المتحدة الحليف المفترض للسعودية والشريك في التحالف العربي الذي تقوده المملكة نفسها. وبغض النظر عن موقف السعودية من الانقلاب الذي بقي حتى اللحظة رخواً وفضفاضاً، فإن التزامن الغريب بين سحب أبوظبي قواتها من اليمن وسيطرة المجلس الانتقالي وقوات الحزام الأمني على العاصمة المؤقتة للشرعية يشي بتناقض فاضح بين الاستراتيجية السعودية الرامية إلى تقويض قوة الحوثيين وحماية حدودها الجنوبية من خطر حلفاء إيران، وبين الاستراتيجية الإماراتية التي كشفت الأحداث المتعاقبة أنها تتمحور حول خلق مراكز قوى مستدامة تابعة لها ومؤتمرة بأمرها ومنفصلة بل وحتى معادية للحكومة الشرعية وأهدافها المعلنة في القضاء على تمرد الحوثي والحفاظ على تماسك اليمن ووحدة ترابه.
  
لم ينحصر الخصام السعودي الإماراتي في الملف اليمني فحسب، بل تعداه ليشمل ملفات أخرى كان أكثرها وضوحاً وخطورة هو ذاك المتعلق بإيران وأزمة أمن الملاحة عبر مضيق هرمز ومياه الخليج العربي. ففي الوقت الذي أبدت في الرياض مواقف متشددة حيال الجمهورية الإسلامية وعملت جاهدة على حشد المواقف الدولية لإدانتها ومعاقبتها بتشديد الحصار الاقتصادي عليها، كانت أبوظبي تهرول في الاتجاه المعاكس صوب إيران مبدية رغبتها في تحسين العلاقات وتجاوز الخلافات معها. الأمر الذي أثمر عن لقاءات بين مسؤولي البلدين نتج عنها تفاهمات حول أمن الملاحة وإلغاء القيود المفروضة على التجار الإيرانيين من قبل المصارف الإماراتية.

الخليج يضرب والسيسي يتفرج
أثار موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتفرج على ما تتعرض له السعودية والأمارات من خروقات حوثية الكثير من التساؤلات حول جدية الرجل في تنفيذ وعوده بحماية الأمن الخليجي من أي خطر قد يهدده. فقد ظهر جلياً أن "مسافة السكة" أطول بكثير مما تخيله السعوديون، وأن "أمن الخليج من أمن مصر" لا تعدو عن كونها عبارة يكررها الرئيس المصري على سبيل الابتزاز كلما احتاج إلى بعض "الرز الخليجي". الأمر الذي دفع الكثير من المراقبين للتساؤل عن كيفية وتوقيت تحرك مصر لحماية أشقائها الخليجيين وهي التي لم تتحرك لاحتلال الحوثي أراض في الجنوب السعودي، ولا لقصف المملكة بعشرات الصواريخ البالستية، ولا لاستهداف مطار أبوظبي بطائرة مسيرة، ولا لتفجير ناقلات نفط قبالة السواحل الإماراتية وتهديد الملاحة في الخليج، ولا حتى لضرب أنبوب النفط الرئيسي الذي يصل شرق المملكة بغربها.

السعودية الجديدة والتوجس الإماراتي
بغض النظر عن الاختلاف في تقييم مدى نجاعة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي يروج لها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومراوحة وصفها بين الصادمة والملحة، فإن الثابت فيها أنها تشكل تهديداً مباشراً للمكانة الاقتصادية لدولة الإمارات العربية المتحدة وبخاصة لإمارة دبي التي طالما وصفت بأنها الأكثر انفتاحاً وجذباً للاستثمارات من مثيلاتها في الخليج العربي.

فقد بدا واضحاً أن الإمارات تنظر بكثير من الريبة والقلق إزاء خطط ابن سلمان في جعل المملكة مقصداً سياحياً وبيئة استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال التي فقدت الثقة جزئياً أو كلياً بالإمارات وخاصة إبان الإزمة المالية الخانقة التي ضربتها والتي مازالت مفاعيلها تسري حتى يومنا هذا. ولا شك أن تأسيس دور للسينما والسماح بإقامة حفلات غنائية ومهرجانات عالمية واعتماد الترفيه كمصدر للدخل القومي في المملكة سيحرم الإمارات من أهم امتيازاتها التي طالما استقطبت بموجبها مواطني مجلس التعاون الخليجي. لكن الخطر الأكبر الذي تخشاه الأمارات هو مدينة نيوم السعودية ومينائها الذي من شأنه حين اكتماله أن يحول جزءاً كبيراً من التجارة العالمية صوب البحر الأحمر ما يشكل ضربة كبيرة لموانئ دبي التي توصف بأنها الذراع الاقتصادية الضاربة للإمارات العربية المتحدة.


غياب الرز الخليجي
وفي مقابل التراخي الذي وسم الدور المصري حيال التهديد المتكرر للأمن القومي الخليجي واستنكاف الرئيس المصري عن تنفيذ وعوده المتكررة بالتصدي لمحاولات زعزعة استقرار السعودية، أوقفت الرياض منذ مطلع عام ٢٠١٨ معظم أشكال الدعم الاقتصادي للقاهرة فيما بدا أنه إجراء عقابي يراد منه إيصال رسالة للسيسي مفادها أن صبر السعودية حيال وعوده الكاذبة قد نفذ، وأن تغليف ابتزاز الدعم بمعسول الكلام لم يعد يجدي، وأن "الرز الخليجي" ينتظر أفعالاً على الأرض لا أقوالاً في الهواء.

ما بني على باطل فهو باطل، وزارع الشوك لا يحصد ألا الأذى. وأما نيران الشر فإنها تأتي أول ما تأتي على مضرميها. ذلك هو حال تحالف لم يكن ليجمعه شيء سوى خوف مشترك من ربيع أزهر فأعمل فيه حرقاً، ومن حرية حلمت بها شعوب مقموعة فأراد وأدها، ومن أصوات حرة تعالت فسارع إلى خنقها. ذلك هو ما جمع السعودية والإمارات ومصر. وأما ما فرقهم فهي مصالحهم التي أظهرت الأحداث حجم تناقضها وتباعدها وتحولها إلى وقود لصراع خفي بينهم خرجت بداياته جلية إلى العلن، ولا ندري كيف ستكون نهاياته.