الأحد، 7 يونيو 2026

منهج النبوءات بين إحياء العمل وتعطيل العقل! إضاءات منهجية عقدية سياسية وقتالية

منهج النبوءات بين إحياء العمل وتعطيل العقل!
إضاءات منهجية عقدية سياسية وقتالية

من نافلة القول إن النبوءات التي وردت في الوحي قرآنا وسنة هي سبب في زيادة إيمان المسلمين، ورفع مستوى الأمل والعمل بيقين، ولم تكن يوما سببا في الاتكال، أو تدني مستوى العمل الواجب، والحذر اللازم، أو ضعف نظر المسلم تجاه السنن الكونية التي خضع لها الأنبياء كما خضع لها عوام الناس.

وقد بشّر النبي ﷺ الصحابة بفتح بلاد فارس وتاج كسرى وكنوزه في غزوة الأحزاب (الخندق) وفي أحداث الهجرة النبوية، وذلك في أوقات شدّة عظيمة لرفع معنويات الصحابة. وقد تحققت هذه النبوءة بالفعل في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وأما عندما بشر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة وأنبأهم بالفتح وتحقق النصر فقد كانوا يقومون بالحفر حول المدينة ما يقيهم من أذى الأعداء متخذين كامل الأسباب دون تهاون يتجاوز متكئا على النبوءة، وفي هذا المشهد تجتمع النبوءة الصادقة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم مع الجهد العملي الجاد لأصحابه القائم على النظر والتدبر والتخطيط، بناء على واقع عالم الشهادة المعاش وحقائقه الموضوعية، وموازين القوى القائمة، والاحتمالات الواردة، دون ضعف في النظر أو صياغة خطط تقوم على تعطيل الأسباب بدعوى الاتكاء على النبوءات اليقينية.

النبوءات الفلسطينية وانعكاساتها المنهجية

منذ أن تحدث الشيخ محمد أحمد الراشد عن نبوءة جارته اليهودية العراقية التي بكت عام قيام إسرائيل سنة 1948، مخبرة والدته بأن زوال إسرائيل سيكون بعد ستة وسبعين عاما، وحتى تبنِّي الشيخ بسام جرار لهذه النظرية واعتبارها ركيزة أقام عليها تنبؤاته بزوال إسرائيل عام 2022، بناء على حساب الجمل المعتمد عند اليهود، وغير المقبول عند جمهور علماء المسلمين، ولا المعروف عن الصحابة رضوان الله عليهم، وحتى صدور كتابه الشهير: “زوال إسرائيل 2022.. نبوءة قرآنية أم صدف رقمية؟”…

دخل العقل الإسلامي المعاصر في حالة من التفاعل الواسع مع خطاب النبوءات والتأويلات الرقمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية بشكل مفارق ومنفصل عن واقع الحال.

وقد تأثر عموم العالم العربي والإسلامي، وخصوصا الحركات الإسلامية وقياداتها، وبعض من العلماء، بما ذهب إليه الشيخ أحمد ياسين رحمه الله من تنبئه بزوال إسرائيل عام 2027، بناء على حسابه للأجيال في القرآن.

وقد انعكس هذا الخطاب على شرائح واسعة من الإسلاميين والعوام، فأصبح جزء من الناس يتعامل مع الصراع تعاملا عاطفيا أو غيبيا مجردا من النظر السنني والسياسي والعسكري، الأمر الذي أضعف في بعض الأحيان القدرة على التقدير الواقعي، وصناعة المواقف المنضبطة بفقه الأسباب والمآلات.

وتجدر الإشارة إلى أن حركة حماس قد أقامت مهرجان «وعد الآخرة» عام 2021 ابتهاجا بزوال إسرائيل المرتقب، وقامت بتوزيع المهام على من رشحتهم لإدارة البلاد بعد زوال إسرائيل المتوقع في القريب حسب النبوءة!

وقد تفاعل مع ذلك كثير من الشخصيات الإسلامية العلمية والحركية، وهو أمر يدعو اليوم إلى التوقف والمراجعة الجادة دون مجاملة للعقل الإسلامي والذهنية الإسلامية العليلة التي كشفت ضعفها منهجية النبوءات المتبناة من قبل العقل الإسلامي السائد في سياق المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

ولا شك أن الإيمان ببشارات الوحي ونبوءاته الصحيحة أصل من أصول الإيمان، غير أن الإشكال يكمن في تحويل الظنون والتأويلات والاجتهادات البشرية إلى يقينيات حاكمة على الواقع، أو في بناء المواقف السياسية والعسكرية عليها، بحيث يتحول الخطاب من باعث على العمل إلى أداة لتعطيل العقل، أو الاستهانة بموازين القوى، أو القفز فوق السنن التي أقام الله عليها حركة الحياة والصراع.

ولعل من أخطر ما ينتجه هذا المسار أنه يدفع بعض الناس إلى التعلق بالمواعيد الغيبية أكثر من تعلقهم ببناء شروط النهوض والقوة، فيتحول انتظار النصر إلى حالة ترقب سلبي، بدل أن يكون دافعا لبناء القوة، وإعداد العدة، وتحقيق شروط التمكين التي أمر الله بها.

كما أن الفشل المتكرر لبعض التنبؤات والتوقيتات يؤدي لاحقا إلى اهتزاز ثقة الناس، ليس فقط في أصحاب تلك الاجتهادات، بل قد يمتد الأمر عند بعض البسطاء إلى اضطراب علاقتهم بخطاب الوحي نفسه، نتيجة الخلط بين النص المعصوم والتأويل البشري الظني والقاصر.

ومن هنا، فإن الواجب المنهجي يقتضي التفريق بين النبوءات الصحيحة الثابتة بالنصوص الشرعية، وبين محاولات التأويل والاجتهاد البشري التي تحتمل الصواب والخطأ، كما يقتضي التعامل المنهجي الصحيح مع النبوءات بما يبني الأمل ولا يضعف العمل ولا النظر، كما يقتضي إعادة الاعتبار لفقه السنن الكونية، وفقه الأسباب وربط الأمة بالعمل والتخطيط وبناء القوة المعتبرة لموازين القوى القائمة، بدل تحويلها إلى أمة تنتظر المواعيد الغيبية دون أن تنجز شروطها في الواقع.

كتبت مقالا تحت عنوان: “زوال بني إسرائيل مختلف عن زوال كيان إسرائيل“،

وقد طرحت فيه اجتهادي ووجهة نظري بأن الحديث القرآني عن زوال بني إسرائيل مختلف عما نسعى لإزالته اليوم وهو ذراع الغرب الصليبي المسمى كيان إسرائيل.

إن كيان إسرائيل اليوم مختلف عن المقصود القرآني المتعلق ببني إسرائيل ولذلك فقد رأى جمهور المفسرين السابقين أن زوالي بني إسرائيل قد تحققا قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأما فيما يتعلق بكيان المحتل الإسرائيلي فهو جزء أصيل من المشروع الغربي الصهيوني الإنجيلي ذي الأهداف التوسعية، الأمر الذي لا يتصور معه زوال إسرائيل الحالية دون تراجع وتفكك راعيها الأكبر وسيدها السياسي والعسكري ومرشدها القيمي وهو الغرب الذي انتقلت فيه رعايتها من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

إن هذا التصور يغير بالكلية شكل الفلسفة والخطة والعمل الواجب لإزالة الكيان الإسرائيلي، باعتباره ذراعا تنفيذيا لمشروع غربي أكبر وأخطر وأعقد يرتبط بالصهيونية الإنجيلية، وهو فهم غير مطروح اليوم في التصور العربي والإسلامي عموما، والفلسطيني خصوصا!

ويظهر أثر هذا الخلل في التصور للكيان الإسرائيلي في ذهاب ياسر عرفات إلى أمريكا واعتبارها الضامن لتحقيق السلام مع الكيان الإسرائيلي، في حين أن أمريكا هي الراعي الحقيقي الذي لا يحيى الكيان الإسرائيلي دون مدده المتواصل.

ومن هنا، فإن التصور والخطاب الإسلامي المعاصر تجاه المسألة الإسرائيلية بحاجة إلى تدقيق النظر في واقع الحال وحقائقه وكنه الكيانات كما هي، بدل التوسع في البناء على النبوءات دون بناء فهم واسع وعميق للفارق بين بني إسرائيل كجماعة تاريخية ودينية، وبين الكيان الإسرائيلي الحديث بوصفه مشروعا استعماريا غربيا يستخدم لفظ “إسرائيل” توظيفا سياسيا وأيديولوجيا، ويستخدم قطعان اليهود المتخلفين -وغالبهم من يهود الخزر الذين لا يمتون بصلة لبني إسرائيل- على نحو يشبه استخدام مشروع ولاية الفقيه وملالي إيران لرمزية الحسين بن علي في سياقات سياسية وطائفية تستخدم قطعان الشيعة كحطب رخيص في مشاريع احتلالية توسعية.

واليوم، في مناسبة الذكرى الـ573 لفتح القسطنطينية، التي بشَّر بفتحها ومدح فاتحَها النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم، هل تعامل السلف الصالح خلال ثمانية قرون ونصف مع النبوءة والوحي كما تعامل عموم المسلمين المعاصرين، وخصوصا الفلسطينيين، مع النبوءات التي اجتهدوا في تفسيرها، فأنزلوها في غير محلها، وبنوا عليها جزءا من خطط الإعداد؟

فتح القسطنطينية ومنهجية التحرير الإسلامي

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بـ فتح القسطنطينية، ومدح فاتحها وجيشه، ومنذ أن نطق النبي الكريم بتلك البشارة حتى تحقق الفتح، مضى ثمانية قرون ونصف كان المسلمون خلالها يعملون بجد واجتهاد، وهم مؤمنون بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقق نبوءته.

ومع ذلك، لم يكن هذا الإيمان سببا في ضعف تدبيرهم، ولا في تعطيل عقولهم أو قصور نظرهم، ولا في إهمال وسائلهم، بل تعاملوا مع وقائع عالم الشهادة تعاملا موضوعيا كاملا، غير متجاهلين لأي جزئية تتعلق بموازين القوى، أو إعداد القوة، أو بناء الدولة، أو تطوير أدوات الحرب والإدارة، حتى فتح الله عليهم بعد قرون من العمل والسعي الذي أثمر على يدي محمد الفاتح، بعد إعداده خطة اخترقت حصون الأعداء، وغيرت موازين المعركة، وتحقق الفتح الموعود بنصر من الله.

فهل يعيد الفلسطينيون خصوصا، والعرب والمسلمون عموما، بلورة تصورهم لتفكيك المشروع الصهيوني الغربي، وإزالة أحد أدواته التنفيذية القذرة المسماة إسرائيل، بعيدا عن منهجية التعامل المختل مع النبوءات، وبما يعيد الاعتبار للمنهج القرآني ومدلولات الوحي القائم على الجمع بين الإيمان بالغيب وحقائق عالمه، وفقه السنن، والعمل الدؤوب، وبناء القوة، والتعامل الواقعي مع حقائق عالم الشهادة ووعي الصراع القائم بكل تعقيداته؟

لا شك بأن وعي مشاريع الأعداء الصهيونية والصليبية والطائفية المتخادمة شرط من شروط الإعداد لخطة قوية، وقد جانب الصواب كل من حصر الإعداد بمفهوم القوة المادية القتالية، وغاب عنه معنى الإعداد في الفهم والنظر والتدبر، فأسقط وسائله وتجاوز عن استحقاقه.

ولعل من أبرز نتائج قصور الفهم للمشروع الصهيوني الصليبي هو الحلف الفلسطيني مع المشروع الإيراني الطائفي المتخادم مع الغرب الصليبي وراعيه الأمريكي، وهو أحد نتائج التصور المغلوط حول الكيان الإسرائيلي المحتل، والغرق في نبوءة زوال بني إسرائيل الثاني، وتنزيلها بشكل مجحف على كيان غربي وقاعدة عسكرية متقدمة لمشروعه التوسعي الإمبريالي تسمّى إسرائيل ويحترق في ظلها قطعان اليهود الخزر لصالح الغرب المهيمن.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 29/5/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق