السبت، 6 يونيو 2026

الأَخَوان (غير المسلمَيْن)

الأَخَوان (غير المسلمَيْن)

 


جعفر عباس 

 

عندما صدر كتاب "الأَخَوان" عام 2013، قالت عنه كاثرين فاينر، رئيسة تحرير جريدة الغارديان اللندنية: "من اراد منكم أن يعرف ما الذي يجعل معظم دول العالم تكره أمريكا؛ فإنه لا يحتاج إلى أكثر من هذا الكتاب"


ابتكر إعلاميون عرب كلمة الجملوكية، للسخرية من الأنظمة العربية "الجمهورية" ظاهريا، وملكية وراثية ممارسةً: حافظ الأسد في سوريا، ومنه إلى ولده بشار (بعد وفاة ولي العهد الأول باسل في حادث سيارة)، حسني مبارك في مصر، إلى ولده جمال، معمر القذافي في ليبيا، إلى ولده سيف الإسلام، علي صالح في اليمن، إلى أخيه أحمد، أما لبنان فهو الساحة الأبرز للديمقراطية الحزبية الوراثية: كميل شمعون (حزب الوطنيين الأحرار) يسلم الراية إلى داني شمعون، وبيار الجميل (الكتائب) يسلم الراية لابنه بشير، ومنه إلى أمين، وكمال جنبلاط (الاشتراكي التقدمي) ومنه إلى ابنه وليد، وفي السودان تنتقل زعامة حزب الأمة من عبد الرحمن المهدي، إلى ولده الصديق، فحفيده الصادق، وهلمجرا.

شخصان ترعرعا في بيت وبيئة كان أقطابها يرون أنفسهم فوق الآخرين، فهما وإدراكا وحسا وطنيا وقربا من الرب، كان من البدهي أن يرثا عنهم ليس فقط المناصب، بل أيضا النظرة المانوية للكون: إما أبيض وإما أسود، إما خير مطلق او شر مطلق، إما معنا وإما علينا، فكان الحصاد المر لأهل عشرات البلدان التي عانت ولا تزال تعاني من ويلات التدخل الأمريكي.

ثم ألقِ نظرة عابرة على الولايات المتحدة، التي نصبت نفسها وصيّة على الديمقراطية والسلام العالمي، والحكم المدني: الرئيس جون كيندي، نصب أخاه روبرت وليا للعهد، وأسند إليه منصب المدعي العام (وزير العدل) ليتدرب على شؤون الحكم، توطئة لشغل كرسي الرئاسة، بينما أعد أخوه إدوارد نفسه للدور بأن دخل مجلس الشيوخ (اغتال الفلسطيني سرحان بشارة روبرت كينيدي في 5 حزيران/ يونيو 1968). أما الرئيس جورج هيربرت بوش، فقد ورث كرسيه ولده جورج دبليو بوش، بينما لم يجد الرئيس بيل كلينتون وليا جاهزا للعهد، فدفع زوجته هيلاري لتخوض الانتخابات الرئاسية، وربما كان ذلك عرفانا بعدم "خلعها" له، بعد انكشاف ممارساته الخليعة مع مونيكا لوينسكي، التي كانت متدربة عنده في البيت الأبيض.

وارتكب الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (1953 ـ 1961)، جريمة في حق البشرية، بأن أسند منصب وزير الخارجية لجون فوستر دلاس، ومنصب مدير جهاز المخابرات المركزية لشقيقه الين، وهكذا أصبح أمر سياسة أمريكا الخارجية العلنية والسرية "شأنا عائليا"، فكان ان ولغ الأمريكان في الدماء في كل القارات، من خلال الانقلابات العسكرية والاغتيالات، وتسبب الشقيقان في أوضاع مضطربة ما زال العالم يعاني من عواقبها، فقد لعبا دورا مركزيا في حرب فيتنام، وقلب أنظمة الحكم في غواتيمالا وإيران والكنغو اندونيسيا وجمهورية الدومينكان وتشيلي والبرازيل.

عندما صدر كتاب "الأَخَوان" عام 2013، قالت عنه كاثرين فاينر، رئيسة تحرير جريدة الغارديان اللندنية: "من اراد منكم أن يعرف ما الذي يجعل معظم دول العالم تكره أمريكا؛ فإنه لا يحتاج إلى أكثر من هذا الكتاب". ومن يقرأ الكتاب يعرف كيف غرس جون، والين دلاس الفيروس الأمريكي غير الحميد في أوصال النظام العالمي، فهما من صاغا ما يعرف بمبدأ أيزنهاور، الذي يقضي بأن تملأ الولايات المتحدة الفراغ الذي نجم عن جلاء بريطانيا وفرنسا عن مستعمراتهما، في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبالتدخل العسكري المكشوف والمستتر في أي بلد تُشْتَم فيه رائحة النفوذ السوفييتي، وعلى مستوى الشرق الأوسط، فالأَخَوان دلاس، هما مهندسا التدخل العسكري في لبنان عام 1958 مناصرة لحكومة كميل شمعون، ولمنع لبنان من اللحاق بسوريا، التي توحدت مع مصر الناصرية، فكان ميلاد الجمهورية العربية المتحدة. وعندما أبلغ المكتب الشرق أوسطي للمخابرات الأمريكية، مدير الوكالة الين دلاس بأن مظلة الوحدة العربية التي يرفعها الرئيس المصري جمال عبد الناصر تتسع، كان تعقيب الين: لو تمادى ناصر في سياسته هذه، فإنني لن أتردد في تمزيقه إلى نصفين.

ارتكب الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (1953 ـ 1961)، جريمة في حق البشرية، بأن أسند منصب وزير الخارجية لجون فوستر دلاس، ومنصب مدير جهاز المخابرات المركزية لشقيقه الين، وهكذا أصبح أمر سياسة أمريكا الخارجية العلنية والسرية "شأنا عائليا"،

والأخوان دلاس مثالان كلاسيكيان لتوريث المناصب العليا في الولايات المتحدة، فقد نشآ في بيت كان الكبار فيه أعضاء نشطين في الكنيسة المشيخية، ويعتبرون أنفسهم أعلى شأنا من أتباع الكنائس والملل الأخرى، وكان المثل الأعلى للشقيقين جدهما جون واتسن فوستر (1836 ـ 1917)، الذي تمدد بأعماله التجارية إلى يسمى بالغرب الأمريكي، ونصب نفسه مسؤولا عن تمدين السكان المحليين (الهنود الحمر) الذين كان يصفهم بـ "البرابرة"، وصار من ذوي الشأن السياسي، وفاز بمنصب وزير الخارجية في عام 1890، وكان أحد مهندسي اول انقلاب عسكري "خارجي" نفذته الولايات المتحدة (في هاييتي). وكان هناك روبرت لانسنغ، خال الشقيقين، الذي شغل منصب وزير الخارجية خلال الحرب العالمية الأولى.

وشخصان ترعرعا في بيت وبيئة كان أقطابها يرون أنفسهم فوق الآخرين، فهما وإدراكا وحسا وطنيا وقربا من الرب، كان من البدهي أن يرثا عنهم ليس فقط المناصب، بل أيضا النظرة المانوية للكون: إما أبيض وإما أسود، إما خير مطلق او شر مطلق، إما معنا وإما علينا، فكان الحصاد المر لأهل عشرات البلدان التي عانت ولا تزال تعاني من ويلات التدخل الأمريكي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق