الثلاثاء، 2 يونيو 2026

هل خدعتنا كتب التنمية البشرية؟

هل خدعتنا كتب التنمية البشرية؟

د. جاسم الجزاع



أجتاحت المكتبات العربية في بداية الألفية الجديدة موجة عارمة وغير مسبوقة من كتب التنمية البشرية وتطوير الذات، حيث تحولت من مجرد إصدارات عابرة إلى ثقافة عامة موجهة تهيمن على أرفف المكتبات الخليجية والعربية، ولقد كنتُ –كغيري من أبناء هذا الجيل– شاهداً حقيقياً على ذلك التدفق المعنوي المستمر، حيث تفتّح أعيننا على عناوين براقة تَعِدُ بالنجاح المطلق، والثراء السريع، والصلابة النفسية التي لا تقهر أمام معضلات الزمن، فكنا نلتهم تلك الصفحات بشغفٍ ونتطلع باحثين عن البوصلة السحرية التي تدير تفاصيل حياتنا وتطور ذواتنا وتخطط مساراتنا و تحقق أهدافنا، وكنا مدفوعين بتلك الكلمات التي تعني بالتغيير وتفجير الطاقات المكنونة وإخراج المارد من قمقمه رغبة منا في اعتلاء مناصب ومكاسب اجتماعية ووظيفية، ومؤمنين بيقين تام بأن بين دفتي كل كتاب من تلك الكتب تكمن الشفرة السحرية الخفية التي ستعيد صياغة واقعنا بالكامل وتمنحنا تفوقاً استثنائياً مستداماً في حياتنا وبيئات العمل والمجتمع المحيط بنا.

إلا أن الحقيقة
تتمثل في أن هذه الكتب سرعان ما اصطدمت بأرضية الواقع المأزوم، لتتكشف لنا مبالغات غير معقولة وسلوكيات مغلوطة خطيرة صنعتها هذه الكتب في عقول العوام من القراء الباحثين عن طوق النجاة في حياتهم، فبدلاً من أن تكون هذه الإصدارات شعلة من نور تفتح للناس الأبواب المغلقة بالبصيرة وتضيء لهم الفكر القويم، أغرقت هذا الجيل في وهم "المثالية الصارمة" وصنعت ما يمكن تسميته بـ "النفاق النفسي المعاصر" والعيش في " النجاح الوهمي والخيالي"، حيث يطير الفرد فوق أجنحة شعارات رنانة تدعي القدرة اللامحدودة على تجاوز كل الآلام، بينما يعيش بحقيقته في واقع مرير وحالة من الانهيار الصامت والعجز التام أمام أول عائق يواجهه في حياته، وإن هذه المبالغات التجارية الفجة غير المسؤولة فرضت واقعاً مأساوياً من الإحباط والرغبة في الإنزواء لوجود حدث أنتج فشلاً ذريعاً.

وأمام هذه المعطيات، ألا يستحق الأمر منا وقفة مراجعة حاسمة لحماية عقولنا من هذا الخرف الثقافي ؟ 

فالحل الحقيقي والوقائي يبدأ بألا نثق كثيراً وبشكل مطلق في كل ما يُسطّر داخل كتب التنمية البشرية، فنحن أمام سوق فكرية شاسعة، منها ما هو مفيد يلامس الوجدان، ومنها ما هو زائف وغير واقعي بالمرة، والحقيقة المرة التي يجب مجابهتها هي أن بعض هؤلاء الكتاب يقتات بانتهازية على آلام الشعوب وحاجتهم للخلاص من مشاكلهم، وبعضهم الآخر جاهل يفتقد لأدنى شهادات المعرفة أو التخصص العلمي، متخذاً من الوسامة والخطابة قناعاً لتسويق النجاح الوهمي، لذلك، يا أصدقائي، لا تسلموا عقولكم لكل قائل، وحركوا عقولكم بالوقوف على الحقائق بدلاً من الاستسلام الأعمى، وثقوا بقدراتكم الكامنة واسعوا في مناحي الحياة سعياً استرشادياً ذكياً يجمع بين التدبر والعمل، ومتجاوزين ثقافة الشعارات المعلبة، وإذا التبست عليكم الطرق، فاستشيروا المتخصصين والخبراء الحقيقيين في كل مجال بحد ذاته، فهم الأقدر على تشخيص الواقع وتقديم مسارات رصينة وعملية بعيداً عن التنظير الجاف ومبالغات تلك الكتب، ولا تنسوا في نهاية المطاف، أن تجعلوا أمام أعينكم اللجوء إلى القوة السماوية وأعني أن تتوكلوا على الله وحده، فهو الخالق الذي يعلم قصورنا ونقصنا البشري.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق