الأربعاء، 3 يونيو 2026

التفكير بالمقلوب

 التفكير بالمقلوب

د. عطية عدلان

باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية

بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

أرسل إليّ أحد الشباب مقالة ممهورة في أسفلها بتوقيع الأستاذ (أحمد الوكيل)، وهو شخص ربما لا أعرفه، لكنّني احترم فيه اهتمامه بقضايا المسلمين، 

يقول بأسلوب سهل يجمع بين الفصحى والعامّية: "قبول الصحابة وعامة المسلمين لبيعة يزيد بن معاوية و( توريث السلطة ) كان عن وعى كامل وتعبيرا عن رؤية سياسية، ترى أن نموذج النظام الملكى هو الخيار السياسى الأكثر واقعية وقدرة على تمكين المسلمين من أداء رسالتهم وتحقيق أهداف الاجتماع السياسى الشرعى؛ لماذا؟! لأن الملكية و( توريث السلطة ) تتضمن آلية مستقرة مطردة لانتقال السلطة وتؤصل لشرعية حكم ممتدة، وتحقق نوعًا من الاستقرار السياسى وتحد من النزاعات المفتوحة حول المنصب الرفيع، وتحول دون تجددها واشتعالها عند كل فراغ للمنصب.

    فصراعات النظام الملكى هى صراعات داخلية مقيدة تدور حول النفوذ، طيب: وماذا عن نموذج خلافة النبوة أو الخلافة الراشدة؟ 

ما كنش يِتْعَزّ!..والعين بصيرة واليد قصيرة، كان الجميع يدرك أن (الخلافة المدنية) انتهت منذ الانقلاب على عثمان وقتله ونقض بيعة أهل المدينة على يد أناس من خارج المدينة .. إزاى يعنى؟! 

أقول لك - وأنا لا أهدف إلى تبرئة أحد أو إدانته..إنما تصويب ما أراه خللا فحسب - بُصّْ يا سيدى: 

خلافة المدينة قامت على ركائز أساسية: 

1- حاكمية بيعة المهاجرين والانصار وحجيتها وكون أنها مُلزمة لسائر المسلمين فى الامصار، 

2- مركزية المدينة المنورة وتسليم عموم المسلمين بأحقيتها لتكون عاصمة الدولة الاسلامية وشرعية استئارها بامتيازات العاصمة التقليدية، 

3-عصبية الايمان هى أساس نظام الحكم؛ ببساطة شديدة ، كل هذا لم يعد موجودا على أرض الواقع، ومعاوية بن أبى سفيان تسنم السلطة بسيوف الشاميين وبتضحياتهم ومغارمهم ، ولا يوجد أحد كان يتوقع أن يتنازل الشاميون عن امتيازات الخلافة المادية والأدبية ويقبلون بخروجها من دمشق، وسيدنا على قاتل بسيوف العراقيين ولو استقر حكمه ما كانوا ليسمحون أبدا بخروج الخلافة من العراق ولا بتداولها خارج ذرية على بن أبى طالب؛ فمسألة التوريت كانت محسومة ومقبولة بين الناس.

    فالخلافة كانت فى قريش باتفاق المسلمين وتسليمهم، وانما كان النزاع حول هوية الحاكم من قريش والولاءات والمصالح المتباينة لقبائل العرب، وكان داخل قريش ثلاث أسر وبيوت طالبة للسلطة وتعتقد الناس أنهم أهل للحكم ( وهذا شئ مهم جدا): الامويين -الهاشميين – الزبيريون، وجميعهم اعتمد على مركزية عشيرته وعصبية العرب الموالين لهم وأنصارهم من القبائل، فبعد عثمان حصل اختلاف ونزاع حول عاصمة الدولة وهوية الحاكم وانتمائه العائلى وما كان هذا ليحسم الا بالقوة. 

(انتهى حسب ما وصلني).

    ولولا أنّ السؤال وردني من الشاب مشفوعًا برجاء البيان ما تجشمت عناء الردّ؛ لأنّ هذه المسائل كتبت فيها كثيرًا، ومثل هذا الكلام رددت عليه من زمن بعيد، وهو كلام مولَّد من كلام رجال مشهورين، قمت - منذ ما لا يقل عن عقد من الزمان - بالردّ عليهم وتقويض نظريّاتهم، فانظر إليها في كتبي تراها متهدمة وخاوية على عروشها، وسوف أشير إلى بعض كتبي هذه في الهامش أثناء الكتابة، والله المستعان.

    وأبدأ بموجز سريع أزجيه بين يدي المقال، مطعمًا باللغة العامّية ذاتها التي كتب بها، ثم أردفه بالبيان من خلال مقال علميّ أجتهد في إيجازه وإنجازه إن شاء الله، والله المستعان.

    شوف يا سيدي: أنا هابدأ بهذه العبارة اللي حضرتك زقيتها في الضلمة كده علشان تعدي من غير ما حدّ يحسّ، وتعمل مفعولها بالراحة، وهي عبارة "ما كنش يتعز" اللي قلتها ردًّا على سؤال الخلافة الراشدة، أقولك - وأجرِي على الله - لا يا حبيبي؛ دا اتعزّ وأكل الوزّ، هل تعرف أنّ مدة الخلافة الراشدة التي لم تجاوز الثلاثين عامًا كانت بمثابة ال(Big Bang) الانفجار العظيم الذي لا يزال إلى اليوم يدفع الكون للاتساع ويعطيه قوانينه واتزانه وتماسكه؟ فلو كنت شايف إن الخلافة الراشدة قصيرة فالعبرة مش بطول العمر وإنّما بعظمة الإنجاز، وهو ده العزّ والوزّ اللي اتهنا بيه الإنسان ولسه عايش للنهارده على ريحته.

    أمّا أن الصحابة رضوا بولاية يزيد علشان فهموا إنّ نظام الملك هو النظام المستقر الدائم اللي يمكن المسلمين من أداء رسالتهم؛ فدي بصراحة مش عارف جبتها منين؟ 

أتحدى اللي نقلت منهم إنّ حدّ منهم يجيب قصاصة ورق عليها مقدار قلامة الظفر من الكلام الفارغ ده، يا ابني الصحابة لما رضوا بالملك اختارو أهون الشرين وارتكبوا أخف الضررين، وآثروا أن يدخل على نظام الحكم نقص وخلل إذا كان البديل الأمثل لن نصل إليه إلا بالاستمرار في إراقة الدماء وتهييج الدهماء واستمرار السيف مغمودًا عن الاعداء مسلولا على الأولياء، وعلشان كده خلفاء الدولة العباسية والأموية ما قدروش يعلنوها بصراحة أنها ملك وتوريث للحكم، وإنّما سموها خلافة وبيعة واستخلاف، علشان تعدي، زي الحكام العرب ما بيسموا اللي بيعملوه ديموقراطية؛ علشان يبرروا فسادهم، وده يدل على إنّ الثقافة اللي كان لها ضغط عام هي سنة الخلفاء الراشدين، ودا هو اللي غلب على الفقه السياسي الإسلامي آنذاك.

    وبعدين تعال هنا؛ إيه حكاية (الخلافة المدنية) دي؟! كأنّك أخدتها من المبتدع الضال المطبع "سعد الدين العثماني"، فهو الذي كان يرددها في كتبه ومقالاته وأوراقه البحثية، بل كان يزعم أنّ رسول الله - وحاشاه - كان رئيسًا لدولة مدنية في المدينة، على أيّ حال ممكن يكون تلاقي أفكار، لكنّ المهم هو إنّ الخلافة لم تكن مدنية، والظاهر إنك مش عارف مصطلح المدنية ده يعني إيه، المدنية تعني في هذا السياق الدنيوية، وطبعًا الكتاب اللي كلامك يشبه كلامهم بيقولوا إنّ التصرفات النبوية بالسياسة دنيوية، وهذا من القرف الفكري، ولكن هانعديها ومش هانقف عندها كتير؛ لأفرغ لقولك إن (الخلافة المدنية!) "انتهت منذ الانقلاب على عثمان وقتله ونقض بيعة أهل المدينة على يد أناس من خارج المدينة".

  عجيبٌ هذا السياق! كأنّ الخلافة التي انعقدت ببيعة أهل المدينة لم يرض بها أهل الأمصار، ما ينفعش الكلام (الديمقراطي) ده يا راجل يا (ملكي!)، 

أهل المدينة في الوقت الذي بويع فيه لعثمان كانوا هم المهاجرين والأنصار، وكان أهل الحل والعقد متركزين في المدينة، علشان الخلفاء حتى قبيل مقتل عثمان لم يسمحوا لعلماء الصحابة بمغادرة المدينة المنورة إلى الأمصار؛ فكانت بيعتهم ملزمة للجميع، ثمّ إنّ الثوار الذين قاموا على عثمان كانوا شذاذ آفاق وما كانوا يمثلون أهل الأمصار وسكان الأقطار؛ فلا قيمة لهذا السياق المنهدم في كلامك، وهو سياق يؤكد أنّ مساحات السياسة الوضعية تداخلت عندكم مع مساحات السياسة الشرعية، وهذا هو عين المسلك الذي يسلكه القائمون على علمنة الإسلام.

    أمّا أنّ الملكية واقع فرض نفسه فقد كانت كذلك، ولم تأت أنت ولا غيرك في ذلك بجديد، فقد أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن حُذَيْفَةُ بن اليمان: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ» ثُمَّ سَكَتَ.

     لكن هل الملكية هذه هي مناط الاستقرار بما يتيح للمسلمين إقامة أمر دينهم؟ 

هذا ما لا يمكن القول به عاقل، إلا إذا قلنا إنّ النظام الملكيّ في دولة المغرب - مثلا - نظام مكن فيه (أمير المؤمنين!) هناك للدين وللدعوة الإسلامية، وأنّه لم يكن على مدى التاريخ الظهير الأول للصهيونية في العالم العربي والإسلاميّ، إنّ الاستقرار النسبي الذي وقع في الأمة بالملك العضود كان له أسباب كثيرة، جميعها خارج بيوت (الخلافة!) التي توقف عندها المدّ الإسلاميّ إلا من بعض الامتدادات التي وقعت في عهد الوليد بن عبد الملك، ثم في عهد العثمانيين الأوائل، لكنّ الحقيقة التاريخية الضخمة هي أنّ المدّ الإسلاميّ الذي حول الكرة الأرضية من الاستظلال بمظلة الجاهلية إلى الاستظلال بمظلة الإسلام هو عهد الخلافة الراشدة الذي لم يدم أكثر من ثلاثين سنة، كانت الفتوحات قد توقفت قبل انصرامها بما لا يقل عن عشرة أعوام.

    أمّا قولك (العين بصيرة والإيد قصيرة)، فهذه تقولها عندما تحاول وتبذل جهدك ثم تحول أسباب أكبر منك دون الوصول إلى ذلك، ولا يصح أن تحذف من بداية الطريق النموذج الأمثل، بل الصحيح بموجب الأوامر الشرعية وبموجب فقه السياسة الشرعية هو أن تسعى للغاية الشرعية الكبرى، فإن بلغتها فبها ونعمت، وإن لم تبلغها فعليك أن تقيم من الحقّ ما تستطيعه، وما لا تستطيعه يسقط عنك مرحليًّا، وفقًا لقاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله، كفاية كده، أنا تعبت من الخضّ في قربة مخرومة، وقد كتبت مقالا، والمقال ستجده على موقعي بعنوان (هل جاء الإسلام بنظام للحكم؟).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق