الاثنين، 8 يونيو 2026

ترياق المواجهة.. وما أثبته معسكر أوشفيتز

 ترياق المواجهة.. وما أثبته معسكر أوشفيتز


ترياق المواجهة وما أثبته معسكر أوشفيتز حين تحذف رسائل شخص ما من هاتفك وتشعر بارتياح لثوان قليلة، ثم تجد نفسك تتذكره بنفس الحدة التي كانت عليها قبل الحذف، فاعلم أنك لم تمحُ شيئاً، بل أضفت إلى الجرح طبقة جديدة من الوهم. 

الهروب من الألم ليس إدارة للألم بل تأجيل له مع فائدة مركبة، وهذا تحديداً ما رصده فيكتور فرانكل حين قال إن الإنسان لا يُدمر بالمعاناة، بل بالمعاناة التي لا معنى لها. 

فرانكل الذي نجا من معسكرات الإبادة النازية لم يُبقه حياً تجاهل ما حوله، بل مواجهته الكاملة لكل لحظة من لحظات الرعب التي عاشها. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه:

إذا كانت المواجهة هي الطريق، فلماذا يظل الهروب هو الاختيار الأول لغالبيتنا حتى ونحن نعرف أنه لا يجدي؟

الهروب مريح لأنه فوري، والمواجهة مؤلمة لأنها تتطلب أن تجلس مع ما يؤلمك دون أن تطفئه. 

نحذف الصور ونحظر الحسابات ونسافر إلى مدن بعيدة، ظانين أن المسافة الجغرافية ستُقنع الذاكرة بالصمت.

لكن الذاكرة لا تحترم الحدود ولا تعبأ بالمسافات، وما تهرب منه يسافر معك في نفس الحقيبة ويستأجر غرفة في نفس الفندق. 

الألم المُتجنب لا يختفي بل يتحول، يصبح قلقاً مزمناً لا مصدر له، أو غضباً يبحث عن ذريعة، أو خدراً عاطفياً يجعلك تشعر بأنك تعيش لكنك لا تحيا.

وما أثبتته لويس ونوغل في جامعة ميشيغان الغربية عام 2017 يكشف هذا بدقة مزعجة: 

التجنب المتكرر للمشاعر والأفكار المؤلمة لا يُخففها، بل يحولها إلى نمط سلوكي مزمن يُعيق الشفاء، وكلما استخدمه الإنسان أكثر كلما أصبح أعجز عن مواجهة ما يؤلمه. 

وهذا ما عاشه فرانكل بشكل حرفي في أوشفيتز وداخاو، حيث لم يكن الهروب خياراً متاحاً. 

أوشفيتز لم يكن مجرد معسكر، بل كان المختبر الإنساني الأقسى الذي أثبت بشكل لا يقبل الجدل أن الإنسان الذي يُجبر على المواجهة ينجو، بينما من يجد طريقاً للهروب يتآكل من الداخل. 

وفي تلك المواجهة القسرية اكتشف فرانكل شيئاً لم يكن يتوقعه:

أن الإنسان الذي يجد معنى في معاناته يستطيع تحمل أي شيء، بينما الإنسان الذي يهرب من معاناته الصغيرة ينهار أمام أول عقبة حقيقية.

المواجهة لا تعني أن تُعذب نفسك بالتفكير فيما آلمك، بل تعني أن تسمح لنفسك بأن تشعر بالكامل دون أن تقطع الشعور في منتصفه. 

الجرح الذي يُغلق قبل أن ينظف يتقيح من الداخل، وهذا بالضبط ما يفعله الهروب العاطفي. 

والمفارقة المؤلمة أن كثيرين يحسبون الهروب تجاوزاً لأنه يبدو وكأنهم تقدموا، بينما هم في الحقيقة يحملون نفس الثقل بشكل مختلف. الإنسان الذي لم يواجه خسارته الأولى سيعيشها مرات ومرات في كل علاقة جديدة وكل موقف مشابه، لأن ما لم يُحسم يظل يطرق الباب حتى تفتحه.

الرمادي الموحش الذي يلف حياة كثيرين ليس غياب الفرح فقط، بل غياب الشجاعة على الجلوس مع الألم حتى يفقد سطوته. 

الترياق لم يكن يوماً في الحذف أو الحظر أو السفر، بل كان دائماً في تلك اللحظة الصعبة حين تقرر أن تبقى.

حين تفكر فيما تسميه تجاوزاً، هل هو فعلاً تجاوز، أم أنك فقط أتقنت فن التجاهل حتى ظننته شفاءً؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق