الخميس، 11 يونيو 2026

سورة «الطلاق».. وإحسان إنهاء الحياة الزوجية

 سورة «الطلاق».. وإحسان إنهاء الحياة الزوجية

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي


ما أيسر الإحسانَ في الابتداء! وما أعسره في التخارج والإنهاء! جميعنا في الابتداء نتسامح ونتصافح ونجتهد في إبداء روح التعاون والإيثار، وقليل منّا من يصنع بعض ذلك أو أقلّه في الانتهاء، هكذا تمضي الأمور في حياة الناس، وكلما ابتعد الناس عن المنهج الربّانيّ ازداد ما بين الابتداء والانتهاء من مسافات التناقض ومساحات التنافر، هكذا الناس في الأعم الأغلب، في تجاراتهم واستثماراتهم وعهودهم وعقودهم، بل وفي أنكحتهم، وهذا هو الأخطر، وهذا هو الأجدر بالتناول والأجدى بالمعالجة؛ لأنّنا إن أحسنّا إنهاء الحياة الأسرية في حال قرّرنا الإنهاء، فسوف نحسن في كل أنواع الإنهاء، والإحسان مطلوب في جميع الإنهاءات التي نمارسها ولا ننفك عنها؛ ولم لا؟ أليس الإحسان قيمة إسلامية لا تتقلب بتقلب الأحوال؟ أليس الله قد كتب الإحسان على كلّ شيء حتى القتلة التي نُنْهِي بها حياة المؤذيات التي تقتل في الحلّ والحرم، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

والأسرة بناية رفيعة العماد، شريفة المهاد؛ ومن ثمّ فإنّ إنهاءها يجب أن تُسَدَّ جميع الطرق المؤدية إليه، إلا (خَوْخَة) صغيرة لا تفتح إلا للضرورة، والضرورة هي صعوبة استمرار الحياة الزوجية إلا بمفاسد أربى من مصلحة قيامها، هذه (الخوخة) الصغيرة هي الطلاق؛ لذلك - ولقداسة عقد النكاح الذي سماه الله ميثاقًا غليظًا - تولى القرآن بنفسه ترتيب ذلك بما يخرج مشهد الإنهاء على قاعدة الإحسان، فالإحسان في إنهاء الحياة الزوجية وإغلاق مؤسسة الأسرة هو الموضوع الرئيس لسورة الطلاق، فسورة الطلاق تتحدث عن جملة من التشريعات والتوجيهات التي تُرْسِي قيمة الإحسان في خضم الإجراءات التي تنهي الأسرة.

(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ‌إِذا ‌طَلَّقْتُمُ ‌النِّساءَ ‌فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) (الطلاق: 1)، 

يا أيها النبيُّ -والخطاب لك ولمن وراءك إلى يوم الدين- إذا طلقتم النساء؛ فعليكم بالإحسان في فراقهنّ، وإياكم والإساءة إليهن؛ فهنّ تحت سلطانكم وولايتكم، فإذا لم تتقوا الله فسوف يقع منكم الطغيان لما لكم من الولاية والسلطان، ولكي تحسنوا الطلاق والفراق يجب عليكم الالتزام بجملة من الأحكام، أولها: ألّا تطلقوهنّ طلاق في حيض أو في طهر وقع فيه جماع، وأن تطلقوهنّ وهنّ مستقبلات عدتهنّ؛ لحِكَمٍ تتعلق كلّها بكرامة المرأة وحقوقها، والتي منها أن يكون طلاقها حدثًا له قداسة، وفيه إكرام وتقدير لها وللأسرة، فلا يكون مجرد ردّ فعل غاضب ممن في يده سلطة إنهاء الحياة الزوجية.

هذا أولًا، أمّا الحكم الثاني فهو حرمة إخراج المطلقة من بيت الزوجية في أثناء العدّة، فلا يجوز لزوجها ولا سيما إذا كانت رجعية أن يخرجها من بيت الزوجية، وهناك تفاصيل مختلف فيها لا تضرّ بالأصل (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ)، هذا الحُكم العام فيه -إلى جانب الحِكَم الجزئية التي تحدث عنها الفقهاء- أنّ الإسلام عندما جعل القوامة للرجال حرص في المقابل على أن تبقى كرامة المرأة محفوظة، فالزوجة إذا كانت بكلمة تخرج من فم زوجها ستجد نفسها في الشارع فسوف تشعر دومًا بالضياع والانقطاع، فلابدّ أن يكون إنهاء الحياة الزوجية يحدث ضمن إجراءات تراكمية تضمن للمرأة حقوقها وكرامتها.

وقد أحيط هذا الحكم من بين يديه ومن خلفه بمواعظ بالغة التأثير: (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ)، (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، أمّا الاستثناء المبيح لإخراجهنّ في ظروف استثنائية: (إِلَاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)، فقد جاء مجملًا مبهمًا؛ ليوسع على المجتهدين في تقدير الفاحشة المبيّنة التي تبيّن أنّ الزوجة لا تستحقّ البقاء في بيت الزوجية، وأمّا قوله تعالى: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً)، فهو تعقيل للتصرف ومنع للارتجال والتعسف؛ فلعلّ المرء يتعجل تحت وطأة الغضب ويتذرع للتحايل على الشرع فيخرج مطلّقته من بيته، وهو لا يدري أنّ بقاءها خير من إخراجها، وأنّه يومًا سيضطرّ لإرجاعها.

أمّا الحكم الثالث فهو حرمة تعليق المرأة وإمساكها على وجه الضرار، ووجوب الإحسان في اتخاذ القرار؛ بأن يتبع الزوج أحد طريقين: إمّا الإمساك بمعروف أو الفراق بإحسان، مع الانتباه إلى أهمية الإشهاد في الطلاق وفي الرجعة: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) (الطلاق).

فإذا بلغت المرأة الأجل وشارفت عدّتها على الانتهاء؛ فعندئذ يكون للزوج -ما دامت الطلقة رجعية- الحقُّ في واحد من خيارين لا بغي فيهما ولا مجاوزة للحدود الدنيا من الإحسان، الأول: إمساك بمعروف، بأن يراجعها ناويًا المعاشرة بالمعروف، الثاني: فراق بإحسان بأن يتركها حتى تنقضي عدتها وتبين منه، ويحسن إليها بإعطائها حقوقها الشرعية وزيادة، أمّا الأمر بالإشهاد فأميل إلى أنّه للتوجيه والإرشاد.

لكنّ اللافت للنظر جدًّا هذه الجملة المتصلة من المواعظ البالغة التأثير: 
(ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً)، ذلكم المأمور به من الإحسان في إنهاء النكاح وإغلاق مؤسسة الأسرة أمر كبير وخطير، لا يوعظ به ولا ينتفع بالموعظة فيه إلّا من كان يؤمن إيمانًا حقيقيًّا بالله واليوم الآخر، فيدفعه إيمانه بربّ عظيم له صفات الكمال ونعوت الجلال، وإيمانه بيوم عظيم تشيب من هوله الولدان، إلى أن يلتزم ذاتيًّا بما أوجب الله عليه من الأحكام المحققة للإحسان في إنهاء الزواج.


وقد يُقعد المرء المؤمن الصالح عن بلوغ رتبة الإحسان في إنهاء الزواج انغلاق الآفاق وانسداد الأبواب وضيق المعايش، أو الخوف من النتائج المترتبة على إحسانه وتضحيته وإيثاره؛ فعندئذٍ ينبغي استحضار المعاني الكبار، واستدعاء القواعد الإيمانية السننية المستقرة: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)، (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، كما ينبغي التفويض لله والاستسلام لقدره؛ لأنّ الله قاضٍ أمره في موعده على أيّ حال كان العبد (إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً).

رابع الأحكام المنظمة لعملية الإحسان في إنهاء الحياة الزوجية هو احترام أحكام عِدَد النساء التي شرعت للحفاظ على حقوق من متعلقات الزوجية، فإذا كانت سورة البقرة وغيرها قد بيّنت أغلب العِدَد، فهاكم البقيّة التي يجب أن تعلموها: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً {4} ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) (الطلاق).

لكنّ اللافت للنظر -أيضًا- ذلك التكرار للحثّ على التقوى ببيان آثارها وبركاتها في الآخرة والأولى، فأمّا في الدنيا فإنّ الله سوف ييسر له ما تعسّر من أموره المادية وغيرها بسبب التزامه بالاستحقاقات التي تحقق الإحسان: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)، وأمّا الأخروية فهي تكفير السيئات وتكثير الحسنات: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)، وقد سبق: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً)؛ فإذا كان الحضّ على التقوى قد تكرّر مقرونًا بألوان من المغريات فهذا يعني أنّ الله تعالى يريد أن يدفع عباده بدوافع داخلية ذاتية للالتزام بهذه الجملة من الأحكام، التي تحقق الإحسان في إنهاء الحياة الزوجية.

أمّا باقي الأحكام المحققة لمستوى الإحسان في إنهاء الزواج وغلق مؤسسة الأسرة فهي مرصوفة هنا بهندسة بالغة الروعة والإحكام: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى {6} لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (الطلاق).

وجوب السكنى للمعتدة، على تفصيل عند الفقهاء، وبعض الخلاف في غير المعتدة من طلاق رجعيّ، وتحريمٌ لإضرار الزوجة ومضاجرتها بغرض أن تفتدي نفسها بحقوقها أو ببعضها، ونفقة للمعتدة، على خلاف يسير في غير الرجعية والحامل، وأجرة للمطلقة إن أرضعت، فإن وقع تنازع في التفاصيل ردّهم الشرع إلى العرف بعد التشاور: (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ)، والميزان الدقيق الذي يجعل العرف لا يميل ولا يشتطّ هو: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ)، لأنّ الأصل العام القديم هو: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَاّ مَا آتَاهَا)، فاجتهدوا في إقامة العدل والحق قدر استطاعتكم، وأبشروا فإنّ الله يعدكم باليسر: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً).

فلا يسوغ في إنهاء الحياة الزوجية ظلم ولا عُتُوٌّ، وكذلك لا يسوغ في أنهاء أي عقد من العقود أو في غلق إي مؤسسة من المؤسسات، لا يسوغ العتُوُّ، فالعتوّ مرتعه وخيم، وكم من قرية عتت عن أمر بها وعمّا جاءها به المرسلون؛ فعوقبت وأُخذت بعتُوِّها؛ فلتكن لكم في هؤلاء عبرة وعظة: (وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُّكْراً {8} فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً {9} أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً {10} رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) (الطلاق).

وإنّ أخشى ما يخشاه المخلصون من أبناء هذه الأمة على أمتهم أن يمارس المسلمون العُتُوَّ والتجاوز لحدود الله، سواء في إنهاء الزواج أو في غير ذلك من الإنهاءات، التي غالبًا ما يجري فيها الخلاف ويقع في العدوان؛ فإنّ الأمة الإسلامية إن عتت عن أمر ربها في هذه الأمور وغيرها استحقّت عقوبة -وإن لم تكن عامّة طامّة- كعقوبة تلك الأمم، وإنّنا لنخشى أن تكون صور العذاب والخسران والوبال التي تقع بالمسلمين اليوم جرّاء العتو والتجاوز لحدود الله، ولا سيما في العقود التي تقوم بها علاقات جليلة ومؤسسات مقدسة، وبالأخص في إجراءات إنهاء (الميثاق الغليظ)، فهلّا اتقينا الله إن كنّا من أولى الألباب الذين تحرزهم ألبابهم من الوقوع في مساخط الله؟ فإنّنا والله لمحظوظون بهذا الذكر الذي أنزله الله إلينا: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً {10} رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً).

وتختم السورة بآية تبرز عظمة الناموس الكونيّ؛ لعلّ أهل الإيمان ينضبطون بنواميس الشرع؛ فالتزموا بقواعد الشريعة المنظمة للإنهاء ليحسن كما حسن الابتداء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق