الخميس، 4 يونيو 2026

المسلمون الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإيرانية!

المسلمون الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإيرانية!
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية بين المد والجزر
  مضر أبو الهيجاء

إنَّ أقدارَ اللهِ الغلَّابةَ تقودُ إلى خيرٍ عظيمٍ، وكم مِن محنةٍ عصيبةٍ ولَّدت مِنحةً عظيمةً.

مِن نافلةِ القولِ أنَّه لا دورَ ولا فعلَ للمسلمينَ في الحربِ الأمريكيَّةِ الإسرائيليَّةِ الإيرانيَّةِ، والتي تدورُ حولَ صراعِ نفوذٍ بينَ مشاريعَ متوحِّشةٍ لا أخلاقيَّة، يجمعُ بينها قتلُ البشرِ الآمنين، وسرقةُ ثرواتِ الشعوب، واحتلالُ بلادٍ وأراضٍ ليست لهم، والعداءُ الشديدُ للإسلامِ والمسلمين.

ومِن روعةِ أقدارِ اللهِ الغلَّابةِ أنَّها قادتِ المشاريعَ المعاديةَ الثلاثةَ إلى حالٍ مِن التدافعِ الخشنِ الذي يُضعفُها ويفضحُها ويُعرِّيها ويُتلفُ قواها، ويُسهمُ في تفكيكِ مشاريعِها.

لقد باتت حالةُ المدِّ والجزرِ القائمةِ بينَ حلفاءِ الأمسِ وخصومِ اليومِ حالةً ينتفعُ منها المسلمونَ بشكلٍ غيرِ مباشر. وإذا كانت آثارُ التدافعِ قد مسَّت بلادَ المسلمينَ ونالها شيءٌ مِن الأذى، فإنَّ حجمَ الخيرِ الناتجِ عن هذا التدافعِ يتعاظمُ كلَّ يومٍ أضعافًا مضاعفةً.

اللَّا حلُّ هو الفرجةُ نحوَ الحلِّ!

إنَّ بقاءَ الحالِ بينَ المشاريعِ المعاديةِ الثلاثةِ: الأمريكيِّ والإيرانيِّ والإسرائيليِّ، في حالةِ مدٍّ وجزرٍ على أرضيَّةِ احترابٍ قائمٍ ودائمٍ، هو فرجٌ كبيرٌ وربحٌ للمسلمين.

وإذا كانتِ الحربُ الدائرةُ بينهم سببًا في هدرِ قواهم العسكريَّةِ، وارتباكِ مواقفِهم السياسيَّةِ، واختلالِ مشاريعِهم التي تجتمعُ على هتكِ العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ، وقتلِ شعوبِه، وتفكيكِ دولِه، وسرقةِ طاقاتِه ومواردِه، فإنَّ حالةَ المدِّ والجزرِ في الصراعِ الخشنِ القائمِ بينهم تُوجدُ خلخلةً سياسيَّةً في المنطقةِ العربيَّةِ والأقاليمِ الإسلاميَّةِ، تسمحُ ببعثِ مشروعٍ إسلاميٍّ يُعبِّرُ عن مجموعِ مصالحِ شعوبِها ودولِها التي تجمعُ بينها وحدةٌ ثقافيَّة.

دجلٌ مقصودٌ لدفعِ المسلمينَ نحوَ اصطفافٍ خاطئٍ

إنَّ الدجلَ الذي تمارسُه الماكينةُ الإعلاميَّةُ في مشاريعِ الخصومِ يهدفُ لدفعِ المسلمينَ، دولًا وشعوبًا، للاصطفافِ مع مشاريعِ الخصوم، وهو مخطَّطٌ مقصودٌ يستهدفُ تحويلَ المنطقةِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ وشعوبِها إلى حطبٍ ووقودٍ في سياقِ التدافعِ بينَ مشاريعَ توسعيةٍ لا أخلاقيَّةٍ ومتوحِّشة، لاسيَّما وقد اعتادَ الغربُ الإمبريالي خلالَ قرنٍ، كما اعتادَ النظامُ الإيرانيُّ الطائفيُّ خلالَ نصفِ قرنٍ، على امتطاءِ الحركاتِ والتنظيماتِ والجماعاتِ السياسيَّةِ، وتحويلِ الشعوبِ إلى حطبٍ ووقودٍ مستهلكٍ في صراعاتِ الغيرِ البينيَّة، وهو ما يجبُ ألَّا يتكرَّرَ اليومَ كشرطٍ لازمٍ لبعثِ مشروعٍ عربيٍّ إسلاميٍّ يُعبِّرُ عن عمومِ مصالحِ شعوبِها، ويستردُّ دورَه الحضاري انطلاقًا مِن وحدةٍ ثقافيَّةٍ قائمةٍ تنطلقُ مِن الهويَّةِ الإسلاميَّةِ قرآنًا وسيرةً وسنَّةً.

تركيا، كما الدولُ العربيَّةُ، مستهدفةٌ!

جاوزَ الحدَّ الترويجُ المخلُّ لمقولةِ إنَّه في حالِ انكسارِ إيرانَ وتفككِها فإنَّ إسرائيلَ ستتوجَّهُ برعايةٍ أمريكيةٍ لتدميرِ تركيا!

إنَّ تلك المقولةَ تحوي صدقًا وكذبًا، وهو ما يصنعُه الساحرُ الذي يفتنُ عقولَ وأبصارَ الناظرينَ إليه، ثم يسلبُهم عقولَهم ويمنعُهم مِن التفكيرِ السليم.

أمَّا الجانبُ الصحيحُ، فهو أنَّ إسرائيلَ وأمريكا تستهدفانِ تركيا المسلمةَ التي يحكمُها رجلٌ مسلمٌ وإسلاميٌّ -والتي لا تزالُ محكومةً بنظامٍ علماني- يناورُ الغربَ ولا يخضعُ له، كما تستهدفانِ مصرَ المسلمةَ التي يحكمُها رجلٌ علمانيٌّ انقلابيٌّ خاضعٌ للغرب، وكذا الحالُ بالنسبةِ للسعوديةِ والجزائرِ والمغربِ وغيرها.

وأمَّا الجانبُ الخطأُ والدجلُ الكبيرُ، فهو القولُ إنه بمجردِ حسمِ المعركةِ بينَ الوحوشِ الثلاثةِ فإنَّ الدورَ القادمَ سيكونُ بشكلٍ مباشرٍ وتلقائيٍّ على تركيا – إلى جانب سورية-، وكأنَّ تركيا دولةٌ هشَّةٌ لا تملكُ شعبًا، ولا إرادةً سياسيَّةً، ولا قوة عسكرية وجيشًا!

فإذا كانت إيران قد استفادت مِن قضيَّة هرمز، وزادت كراهيةَ الشعوبِ لها ونفورَ الدولِ تجاهَها، فإنَّ تركيا تملكُ مائةَ قضيَّةٍ أعلى مِن هرمز، قادرة على تحريكِها في كلِّ اتجاه، عداك عن أنَّ تركيا محبوبةٌ مِن قِبَلِ عمومِ الشعوبِ العربيَّة، وليس لها إشكالاتٌ سياسيَّةٌ ولا امتداداتٌ وميليشياتٌ وأذرعٌ تخريبية في الدولِ العربية.

ولذلك فإن الاستنتاجَ الغبي لتلقائيةِ تدميرِ تركيا في حالِ انكسارِ إيرانَ يُقصدُ منه الزجُّ بها، وعمومِ الدولِ العربية، في الاصطفافِ خلفَ المحاورِ المتصارعةِ، واتخاذِ مواقفَ خاطئةٍ، والدخولِ في عمليَّةِ الهدرِ الكبيرِ الذي يهدفُ لتفويتِ الفرصةِ على بعثِ مشروعٍ عربيٍّ إسلاميٍّ مستقل في نظرتِه ومواقفِه، يحفظُ قواه العسكريَّةَ واقتصاداتِه الماليَّةَ لموعدٍ آتٍ لا محالة، يُصارَعُ فيه على الكياناتِ الهزيلةِ التي أقامها الغربُ الصليبيُّ ليحلبَ منطقتَنا العربيَّةَ وأقاليمَنا الإسلاميَّة، ويحولَ دونَ نهضةِ العربِ والمسلمين واستردادِ دورِهم الريادي في قيادةِ البشريَّة.

نفشُ إيرانَ وإسرائيلَ وتقزيمُ العربِ والمسلمينَ

لا ينقصُ العربَ والمسلمينَ إلَّا مشروعٌ جامعٌ يؤطِّرُ قواهم الشعبيَّةَ، ومواقفَهم السياسيَّةَ، وجيوشَهم العسكريَّةَ، في اتجاهِ تحقيقِ الإرادةِ السياسيَّةِ المستقلَّةِ، وافتكاكِ القرارِ مِن أيدي القوى الدوليَّةِ المهيمنةِ، وعلى رأسِها القطبُ الأمريكيُّ، وهو ما لا يمكنُ تحقيقُه دونَ مشروعٍ يجمعُ الأمَّةَ العربيَّةَ والإسلاميَّةَ على مصالحِها الجمعيَّة، الأمرُ الذي تُسهمُ في الدفعِ نحوَه الحربُ القائمةُ، مستفيدا مِن حالةِ المدِّ والجزرِ بينَ أمريكا وإيرانَ وإسرائيل.

ولعلَّ مِن المستقبحِ أن يقومَ البعضُ المتهافتُ -الذي لا يملكُ قدرةً ذاتيَّةً على التفكيرِ والتقريرِ- بنفشِ إيرانَ وإسرائيلَ وتعظيمِهما، فيما يُقزِّمُ قيمةَ وقدراتِ العربِ والمسلمينَ إذا ما التفتوا إلى صياغةِ المشروعِ الجامع.

وبكلمةٍ يمكنُ القولُ إنَّ الحربَ الأمريكيَّةَ الإسرائيليَّةَ الإيرانيَّةَ منحةٌ عظيمةٌ تعطي فرصةً ذهبيَّةً للعربِ والمسلمينَ لتشكيلِ وتكوينِ مشروعٍ جديدٍ يعطي الأملَ ببعثٍ جديد، مستفيدًا مِن طولِ حالةِ المدِّ والجزرِ بينَ حلفاءِ الأمسِ وخصومِ اليومِ، المجتمعينَ في كلِّ وقتٍ وحينٍ على قتلِ العربِ والمسلمينَ ونهبِ ثرواتِهم واحتلالِ بلدانِهم.

فهل يتوازنُ العقلُ العربيُّ والإسلاميُّ في النظر، ويصوغُ مِن جديدٍ رؤيتَه المرحليَّةَ، ويعيدُ ضبطَ مواقفِه بما يؤولُ لنفعَ لشعوبِ ودولِ المنطقة، ويقيها مِن تكرارِ الامتطاءِ المهينِ، واستخدامِ الشعوبِ كحطبٍ ووقودٍ في مشاريعِ الغير؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 26/5/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق