أسُود كوبري قصر النيل.. كيف وُلدَت أسطورة الشوارب المفقودة؟
6 يونيو 1933م: الملك فؤاد يفتتح كوبري الخديوي إسماعيل (قصر النيل)

في قلب القاهرة، حيث تتقاطع الذاكرة الوطنية مع المشهد العمراني، يقف كوبري قصر النيل واحدًا من أشهر معالم العاصمة وأكثرها حضورًا في الوجدان المصري.
فعلى مدى أكثر من قرن ونصف القرن، لم يكن هذا الجسر مجرد وسيلة لعبور النيل، بل شاهدًا على تحولات سياسية وعمرانية كبرى، ومرآةً لتاريخ مدينة سعت إلى أن تجمع بين أصالتها الشرقية ومظاهر الحداثة الوافدة من أوروبا.
هويّة القاهرة
وقد ارتبط اسم الكوبري في أذهان المصريين بتماثيل الأسود الأربعة التي تحرس مداخله، حتى غدت جزءًا من هوية القاهرة البصرية، وموضوعًا لعشرات الروايات والحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال.
وبين الوقائع التاريخية الموثقة والأساطير التي نسجها الخيال الشعبي، تبرز قصة كوبري قصر النيل بوصفها نموذجًا لكيفية امتزاج التاريخ بالحكاية، والوثيقة بالذاكرة الجماعية.
– لم يكن كوبري قصر النيل الذي افتتحه الملك فؤاد، في سنة 1933م، هو أول كوبري مُشاةٍ على النيل، كما يتردد بين العامة، ولكن سبقه في نفس المكان كوبري الخديوي إسماعيل، سنة 1871م، ولم يكن كوبري قصر النيل سوى تجديد وتوسعة للكوبري القديم
التماثيل
– كان الخديوي إسماعيل مفتونا بالتقدم الغربي، والتماثيل التي تملأ مدينة باريس، فقرر نقل الفكرة إلى القاهرة، وبدأ بالتماثيل التي تروي حكايات البطولة لأسرته،
المثّال “جاكمار”
– هو المثّال الذي صنع تمثال الكولونيل جوزيف سيف، الذي عهدَ إليه (محمد علي باشا) ببناء الجيش المصري الحديث، فاستوطن مصر التي أحبها، واعتنق الإسلام، فصار يُعرف بـ اسم (سليمان باشا الفرنساوي: جِد الملكة نازلي زوجة الملك فؤاد، وأُم الملك فاروق)
– أما تماثيل أسود قصر النيل، فقد صُـنعت في الأصل لكي تُوضع على بوابتَيْ حديقة حيوان الجيزة، لكن تلك التماثيل وصلت إلى القاهرة بعد خلع الخديوي إسماعيل، وتولّي ابنه الخديوى توفيق، الحُكم، وكانت تجري في ذلك الوقت عملية تجميل كوبري الخديوي إسماعيل (كما كان يُسمى آنذاك)، ورأى الخديوي توفيق، أن الكوبري يحتاج لمظهر يليق بهيبة اسم والده، فتم وضع أسدين على كل مدخل،
الأسطورة
– من القصص الشعبية التي تُروَى.. أنه في أثناء الاحتفال بتجميل الكوبري وإعادة افتتاحه بعد وضع الأسود، وقف المثّال العالمي “جاكمار” صانع أسود كوبري قصر النيل، يتحدث عن التماثيل التي لم يُصنَع مثلها في العالم، ويتباهَى بروعتها وكمالها، وأنها على وشك أن تتحرّك، وفجأة.. قال له طفل مرافق لوالده ساخرا: (هو في أسد من غير شنب؟؟).. فشعر النحّات الفرنسي العالمي “جاكمار” أنه وقع في خطأ تاريخي لا يُغتفر، وأن ما حدث لا يليق بمكانته كفنان عالمي، وانصرف وترك الحفل، وانتحر بعدها من شدة خيبة أمله..
(الرواية كاذبة، وغير منطقية، رغم أنها جاءت في بعض المصادر البريطانية.. لأن التماثيل وُضعت على الكوبري في سنة 1881م.. والمثّال “جاكمار” مات في مدينة باريس، سنة 1896م.. يعني عاش 15 سنة بعد الاحتفال!!)
البداية:
– بدأ العمل في الكوبري، عام 1869م، في عهد الخديوي إسماعيل،،
– كانت تكلفة الكوبري النهائية في ذلك الوقت: 110 آلاف جنيه.
– انتهت الشركة الفرنسية من بنائه في منتصف عام 1871م.
– الطول (406 أمتار)
العرض (10,5 متر) منها (2,5 متر) للرصيفين الجانبيين، وطريق بعرض (8 أمتار)،
– كانت رسوم عبور الكوبري كالتالي:
1- رُبع قرش (مليمان ونصف) الرجال والنساء.
2- (إعفاء من الدفع) الأطفال والحيوانات.
3- قرشان.. للعربات المليئة بالبضائع.
4- قرش واحد.. للعربات الفارغة.
سبب التسمية:
سُمّيَ الجسر بكوبري قصر النيل، بسبب وجود (قصر النيل) الذي أسسه محمد علي باشا، على النيل من جهة ميدان التحرير، وكانت تقيم به “زينب” ابنة محمد علي.. ولما تولّى سعيد باشا الحُكم، قام بهدم القصر وتحويله لثكنات للجيش، استولى عليها الإنجليز بعد ذلك، وبعد خروج الإنجليز من مصر، تم هدمها، وأصبحت : مبنى “جامعة الدول العربية” (السابق)
– بعد 59 سنة من إنشاء الكوبري، تم إنشاء كوبري جديد، مكان الكوبري القديم، في عهد الملك فؤاد، وبدأ العمل في 4 فبراير عام 1932م،
يبلغ طول الكوبري (382 مترا) – والعرض (20 مترا) بتكلفة بلغت 291,955 جنيها، وقام الملك فؤاد الأول بافتتاحه في 6 يونيو عام 1933م.
الذاكرة الشعبية
ورغم مرور عشرات السنين على إنشاء الكوبري وتجديده، ما زال قصر النيل يحتفظ بمكانته بوصفه أحد أبرز الشواهد العمرانية في تاريخ القاهرة الحديثة.
فالجسر الذي عبرته مواكب الحكام، وسارت فوقه أجيال متعاقبة من المصريين، لم يفقد بريقه أو حضوره في الحياة اليومية للعاصمة.
وتكشف قصته أن كثيرًا مما يستقر في الذاكرة الشعبية لا يكون دائمًا مطابقًا للحقائق التاريخية، وهو ما يجعل العودة إلى الوثائق والمصادر ضرورة لفهم الماضي كما جرى بالفعل لا كما روته الأساطير.
وبين حجارة الجسر وتماثيل الأسود الراسخة على ضفتي النيل، تبقى صفحات من تاريخ مصر الحديث حاضرةً أمام العابرين كل يوم، شاهدةً على زمنٍ صنع ملامح القاهرة التي نعرفها اليوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق