نوازل الحرب الإيرانية ومشكلاتها الفقهية
د. حاكم المطيري
الأمين العام لمؤتمر الأمة ورئيس حزب الأمة، أستاذ التفسير والحديث - جامعة الكويت
(الاستشكال علم) كما قال ابن المواق، وزاد القرافي (وفتح من الله)!
وهو كشف الالتباس في المسائل، وإيراد الأسئلة على التعريفات في التصورات، وعلى الأحكام في التصديقات، والقضايا المحكوم فيها أو عليها بما يقدح في صدق التعريف، أو صحة الحكم، أو دليله، أو تعليله..
وقد أوردت هنا أسئلة على فتوى الشيخ الفاضل الصادق الغرياني -وفقه الله- تحمل في طياتها رأيي عرضا لا قصدا، فمن آداب استشكال الفتوى إيراد الأسئلة عليها للفت نظر المفتي إلى قيد، أو شرط لم يتنبه له، أو إطلاق حكم لم يتحقق مناطة، دون استطراد يكون جوابا، والأصل ترك الجواب للمفتي نفسه..
ولم يعرف بعض القراء وجه الإشكال وسببه، وهو قوله في الفتوى: (لا حياد في هذه الحرب بين إيران وأمريكا، لأنها حرب بين المسلمين والكفار، وأن الحياد فيها نفاق)!
وهذا حكم مشكل شرعا لمن تصور المسألة تصورا صحيحا، ولهذا افترضتُ السائل المستشكل للفتوى مسلما إيرانيا سنيا مضطهدا، لا يريد الخوض في هذه الفتن، فلا يقف مع النظام الذي اضطهده وظلمه وقتل ذويه، ولا مع معارضيه سواء من الجماعات السنية المجاهدة في إيران، أو الشيعية التي تتربص بالنظام وتعمل على إسقاطه منذ نصف قرن، وقد استعانت هذه المعارضة الآن بأمريكا لتغييره، كما استعانت بها المعارضة الشيعية بتفاهم مع طهران لإسقاط حكم البعث في العراق سنة 2003، وكما استعانت الثورة الليبية بالنيتو لحماية بنغازي وغيرها من قصف نظام القذافي سنة 2011م! فهل يسع هذا المسلم السني الإيراني اعتزال هذه الحرب فلا يتورط فيها بالدماء ويسلم له دينه وعرضه وماله ودمه؟
كما في حديث: (العبادة في الهرج كالهجرة إليّ).
فإذا قيل نعم يسعه الاعتزال -وهو بلا شك يسعه ولا ينبغي الخلاف في ذلك- فإنه حينئذ يسع كل مسلم إيراني سنيا كان أو شيعيا، سواء عملا بالنصوص المتواترة باعتزال الفتن زمن الهرج والمرج، والاقتتال على السلطة، أو بالنصوص القطعية بعدم إعانة الظالمين والمجرمين، وإذا جاز ذلك للشعب الإيراني وأنه لا يجب عليه الدفاع عن هذا النظام، وهو صاحب الشأن، وإنما يجب عليه الدفع عن أرضه حين يحتلها العدو، فالأمة وشعوبها من باب أولى؛ فلها لزوم الحياد، وهو ما حدث فعلا، فدول العالم الإسلامي كلها لزمت اليوم الحياد عجزا، أو مصلحة، أو عداوة للنظام الإيراني نفسه، مع رفضها كلها للعدوان على إيران كبلد وشعب ولو ظاهريا!
وسبب الخطأ في الفتوى هو المقدمات نفسها وهو توصيفها على أنها (حرب بين المسلمين والكفار، فالحياد فيها نفاق)!
فهذه المقدمة تفترض أن النظام الإيراني هو المسلمون جميعا، ومن خالفه في الداخل منافق!
وهذا إنما يصدق على المسلمين حال اجتماعهم في ظل الخلافة العامة، بحيث يصدق على من خالفهم بأنه اتبع غير سبيل المؤمنين، أو حين تقف الأمة بعمومها ومجموعها ضد عدو خارجي أو داخلي، فإنه لا حياد هنا.
أما حين يخوض نظام جائر في بلد من بلدان المسلمين حربا مع بعض شعبه ومن ورائهم عدو كافر، أو مع الكافر مباشرة، فهنا لا تكون الحرب بين المسلمين والكفار، بل بين بعض المسلمين وطائفة منهم والكفار، فإن كانت الأمة قادرة على دفع الكفار، فيجب دفعهم عن دار الإسلام لا عن هذا النظام بعينه، وإن كانت عاجزة، أو تخشى مفسدة أكبر، فلا يوصف عجزها وحيادها بنفاق!
ومما يوضح الصورة ما كان من جهاد أبي بصير وأبي جندل ومن معهم لمشركي مكة بعد صلح الحديبية، مع التزام النبي ﷺ بالصلح مع مشركي مكة، وعدم الاشتراك في هذا القتال، فالقتال كان بين طائفة من المسلمين والمشركين، لا بين المسلمين جميعا والمشركين، بحيث يوصف من لم يشارك فيه بالنفاق! كما تخلف أبي بن سلول ومن معه عن النبي ﷺ يوم أحد فقد شاقوا النبي ﷺ والمسلمين، فكان فعلهم ذلك نفاقا ظاهرا، وليس كذلك حال من اعتزل الفتن أو اعتزل القتال مع النظام الجائر في بلد من بلدان المسلمين، ليصبح الدفع عنه فرض عين! وهو ما لم يقل به أحد، فقد اعتزل أكثر الصحابة القتال والخليفة آنذاك علي رضي الله عنه!
ولو كان الأمر كما في الفتوى لكان وقوف دول العالم الإسلامي والجماعات الإسلامية بالحياد حين غزت أمريكا أفغانستان والعراق نفاقا ظاهرا، دع عنك من أعان أمريكا كالنظام الإيراني نفسه وميليشياته وأحزابه والجماعات الإسلامية الوظيفية!
وهذا الاستشكال وارد على الفتوى قبل أن يشن النظام الإيراني عدوانه على دول الخليج وشعوبها الإسلامية وقصف مدنهم ومراكز حياتهم المدنية، فحول الحرب إلى حرب بين المسلمين أنفسهم، وصار اعتزالها بحق المسلم الإيراني واجبا لا جائزا فقط كما في الصورة الأولى، لأنه سيكون إعانة على قتل مسلمين أبرياء لا علاقة لهم بالحرب أصلا!
وإذا كان قد أجاز فضيلة المفتي نفسه والشيخ القرضاوي استعانة أهل بنغازي بطيران النيتو لحمايتهم من قصف نظام القذافي لهم، فما الذي يحرمه على غيرهم! سؤالا لا إقرارا!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق