السبت، 13 يونيو 2026

لا تذهب إلى واشنطن منفردا.. فالذئب ينتظرك هناك! رسالة مفتوحة للأخ أحمد الشرع

 لا تذهب إلى واشنطن منفردا.. فالذئب ينتظرك هناك!

رسالة مفتوحة للأخ أحمد الشرع


مضر أبو الهيجاء

يقول المثل الشعبي: من لا كبيرَ له لا تدبيرَ له، ومن لم يجد كبيرًا فليتخذ له كبيرًا. وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يُؤاخذ الناس على عجزهم، فإنه يُحاسبهم على تقصيرهم.

أخي أحمد الشرع:

إن دعوةَ ترامب لحضورك إلى واشنطن ليست بريئة ولا نزيهة، وهي تأتي في سياق الفشل والاضطراب اللذين تشهدهما الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، الأمر الذي يشي بحاجته الملحة إلى تحقيق مكاسب سريعة مع طرف أضعف من إيران التي عاندته وفاجأته.

علاوةً على ذلك، فإن ترامب يسعى إلى إنقاذ نفسه وإدارته من الإخفاق، وذلك بدفع الكتلة العربية، بدءًا من سوريا، إلى خوض حروبٍ بالوكالة عن أمريكا تحت عناوين مرحلية وشعارات استهلاكية تسعى لإهراق دماء من تبقى من مجاهدي الشام في معارك طائفية محسومة النتائج ومضبوطة المسافات، الأمر الذي يدعوني لتكرار التنبيه من الوقوع في الفخ اللبناني العراقي حيث ستكون المهلكة واسعة على خشبة المسرح الإيراني اللعين.

الخِيَارَاتُ السياسيَّة الثَّلَاثَةُ لِلتَّعَامُلِ مَعَ لِقَاءِ الذِّئْبِ.

لا شكَّ بأن ترامب هو ذئبٌ شرس، وأن حال من يذهب إليه منفردًا سيكون كحالِ الغنمِ القاصية، ولذلك فإن أولَ الخياراتِ أمام تلك الدعوةِ القهرية هو الاعتذارُ والتعذُّر السياسي بشكل دبلوماسي، حتى لو احتاج ذلك إلى صناعة وقائع موضوعية.

وأما ثاني الخياراتِ الاضطرارية فهو الطلبُ والرجاءُ من أردوغان، بحضوره السياسيِّ الوازنِ والثقيل، مرافقةَ هذا اللقاء في واشنطن، لاسيما أنه صاحبُ خبرةٍ ودهاءٍ سياسي وصاحب لحمٍ مرُّ يصعُب أكلُه.

وأما ثالثُ الخيارات، في حالةِ الإكراهِ الملجئِ للذهاب إلى هذا اللقاءِ السيئ، فهو استحضارُ سيناريو ياسر عرفات في كامب ديفيد، حينما استفرد به كلينتون وايهود باراك، وفُرض عليه التوقيعُ على التنازل عن القدس، فأصرَّ على أخذِ موافقةِ الرؤساءِ العربِ الأساسيين الذين حدَّدهم وسمَّاهم جميعًا، وهو ما أدى إلى فشلِ وإفشالِ تلك الخطوة، والتي دفع ثمنها حياته ولكنه رحل في موعد موته دون أن يبيعَ القدس أو يسجِّل تنازلا عنها.

سُلْطَةُ دِمَشْقَ منذُ عَامِ 2024 هِيَ سُلْطَةُ يَاسِرِ عَرَفَاتَ فِي عَامِ 1994.

إنَّ سورية الحرة اليوم تعيش في ظلِّ سلطةٍ تسعى إلى بناء دولة لم تُبنَ بعدُ، وهي أقرب ما تكون -من حيث الظروف السياسية- إلى سلطة ياسر عرفات في عام 1994، بل إن سلطة ياسر عرفات التي نشأت برعاية دولية، كانت آنذاك أقوى بما حازته من إجماع دولي وتراجع وخفوت التهديدات وتعامل سياسي مرن من قبل رئيس وزراء العدوّ رابين، والمقصود أن حالة الضعف في الحالتين والسلطتين متقاربة، وهو ما يستوجب عدمَ توقيعِ أيِّ اتفاقياتٍ مصيرية، لأنها ستكون هشة، وتميلُ إلى خدمةِ الخصوم أكثرَ مما تخدمُ قضاياَنا وشعوبَنا، وهو ما حصل في المسار الفلسطيني برمّته.

صناعةُ أدواتِ الكتلةِ الحرجةِ في سورية الحرة ضرورةٌ مُلحّةٌ.

في ظل هشاشة وضعف الدولة القائم وغياب مؤسساتها القوية، وفي ظل تحكم المنظومة الدولية الظالمة بمفاصل الدولة وشراييينها بهدف تعويق تشكلها، فإن أدوات الكتلة الحرجة التي يجب صناعتها ترتكز على الشعب، سواء من خلال تشكيل مؤسساته المجتمعية المتنوعة، أو عبر وجود مجلس شعب حقيقي يعبر عن الناس وخياراتهم، إضافة إلى تفعيل دور النخب السورية بصورة نافذة في التفكير وصناعة القرار.

سوريةُ الحُرَّةُ بَيْنَ التَّحَدِّي وَالِاسْتِجَابَةِ.

أمام التحديات الكبرى الدولية والإقليمية التي تتعرض لها أرض الشام المباركة وسورية الحرة، وأمام ما تعرض له شعبها المكلوم من اضطهادٍ دام ستة عقود برعايةٍ أمريكية مكَّنت اليدَ الطائفيةَ المجرمة والعائلةَ الأسديةَ القاتلة، فإن سورية لن تقوى على مواجهة كل تلك التحديات منفردة، لاسيما في إطار المفهوم القطري العليل، الذي كان ركيزةً للعجز والفشل عن تحقيق أي نهضةٍ عربية أو إسلامية خلال قرنٍ منصرم، الأمر الذي يدعوها إلى البحث عن مقارباتٍ أوسع، وتحالفاتٍ أعمق، ورؤى أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.

إن الاستجابة اللازمة أمام كل تلك التحديات يجب أن تتجسد في مسارٍ خارجي يذهب نحو التكامل مع الكتلة العربية والتحالف مع الشوكة التركية، ومسارٍ داخلي يعزز الوحدة الوطنية، ويوسع مناخات الحرية لتشكيل مؤسساتٍ ونقاباتٍ وهيئاتٍ مجتمعيةٍ قويةٍ ومتماسكةٍ ومؤثرة.

كما يتطلب تجاوز العضل القائم أمام قيام مجلس شعبٍ حقيقي، فاعلٍ معبرٍ وقوي، وفتح القنوات وصناعة الأرضية التي تجمع النخب السورية المنتمية في فضاءاتٍ مؤطرةٍ تجمع الخير وتزيد الرشد.

وفي الختام، أعيد النصح منبِّهًا إلى خطورة زيارة واشنطن في هذا الوضع الدولي والإقليمي المضطرب، وأحذر من الذهاب منفردًا، مؤكدًا أن هذا اللقاء لن يكون لقاءَ عطرٍ وروائحَ جميلة، بل سيكون نفثًا لسمومٍ مؤذيةٍ.

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 12/6/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق