الخميس، 4 يونيو 2026

المحاكمة الكبرى!

المحاكمة الكبرى!
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي

عمّا قريب سترحل العجوز الشمطاء، سترحل وتغادر غير مأسوف عليها، فقد آذنت شمسها بالأفول، لكنّها قبل أن ترحل سوف تتعرض لمحاكمة عادلة، هناك عند الحدّ الفاصل بين الذاهب والآيب ستقف لتدلي باعترافاتها، هناك -وقد تمّ البيان وعمّ البغض والشنآن- ستتزاحم الدعاوى المرفوعة ضدّها من كلّ زاوية في كوكب الأرض ومن كلّ ناحية في بنيان الإنسان، وقبل هذه المحاكمة الآتية لا محالة سوف يفيض الوعي الإنسانيّ بالأسئلة، التي قد تبدو في أول الأمر مزعجة رغم القبول المبدئيّ بها، ثمّ لا تلبث أن تصير دوحة كثيرة الأفنان؛ تأوي إليها العقول، وتأنس بها القلوب، وتسكن إليها المشاعر والضمائر.

ما الذي قدمته للإنسانية الحضارة 

المعاصرة؟

لقد سبح بنا العلم المعاصر في آفاق الكون السحيق، وخرج بنا من ذلك الصندوق المحدود الذي عاش فيه الإنسان طويلًا يفترش الغبراء ويلتحف السماء، إلى كون فسيح فيه مئات المليارات من المجرات، في كلّ مجرة مئات المليارات من النجوم، تقاس المسافات بين بعضها بملايين السنين الضوئية، وكما سبح بنا في آفاق المجرات المتناهية في الضخامة والكبر غاص بنا في أعماق الذرات المتناهية في الضآلة والصغر.

وأخذَنا في رحلات عبر دروب غاية في الدقة ونهاية في الرقة؛ لنكتشف المكونات الداخلية للخلايا الحية، تلك المدن العجيبة التي يخيل للمرء أنّها يوم خُلقت أول مرة صممت الواحدة منها بحجم الكرة الأرضية ثم اختزلت كلُّها في هذا الحجم الذي لا يُرى إلا بالميكروسكوب المتقدم، دون أن يتأثر تكوينها الداخليّ البالغ التعقيد بذلك الضغط الشديد، فرأينا الآيات التي وعد الحقّ تبارك وتعالى الخلق برؤيتها:
 (سَنُرِيهِمْ ‌آياتِنا ‌فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53)؛ فهل يُشكر العلم على ذلك؟ أجل بالتأكيد يُشكر العلم على ذلك ويُشكر كذلك العلماء؛ ولا يَشكر اللهَ من لا يشكر الناس، لكن..

لكن..لا تُحمد الحضارة التي احتضنت هذا العلم وهؤلاء العلماء، وكيف تُحمد أو حتى تُمدح؛ وهي التي انتهت بالعلم إلى هذه النتائج المتهالكة؟ 

لأنّها لو كانت حضارة سويّة لقادها هذا العلم إلى معرفة الله والإيمان به، ولقادها من ثمّ إلى إصلاح الحياة في ضوء الإيمان القائم على العلم، لكنّ الذي جرى كان صادمًا للإنسانية؛ فإذا بالعلم الذي سبح بنا في الآفاق وغاص بنا في الأعماق يقف عاجزًا عن الإجابة عن الأسئلة البسيطة التي تطرحها الفطرة، وإذا به بهذا البَلَه العلمي! يجحد الله الذي تجلَّى في كل ما تبدّى له من الخلق، وتجلّت قدرته وإرادته في كلّ ما عنّ له من قوانين تحكم هذا الخلق.

وإذا بالبشرية لأول مرة في تاريخها يشيع فيها الإلحاد والإنكار العلنيّ لربوبية الله على خلقه، وذلك في وقت لم تكن البشرية في يوم من أيامها على علم بأسرار الكون مثلما هي في هذا الوقت؛ وما ذاك الذي وقع من العلم في شيء، وما العلم بمتهم في ذاك الذي وقع، إنّما العلموية التي صنعتها الحضارة المعاصرة هي المدانة.
ما الذي قدمته الحضارة المعاصرة للإنسان إذا كانت النتيجة هي حرمان هذا الإنسان من ولاية الرحمن؟ ثمّ ما الذي جنته الإنسانية من العلم إذا كان الأثر في النهاية سلسلة من الكوارث التي ارتكبتها الحضارة باسم العلم.

وعلى الرغم من التكميم الناعم لأفواه الأحرار في الغرب خرجت أصوات من هنا وهناك تنعي العلم الذي أهدته الحضارة المعاصرة لحفنة من المرابين المجرمين؛ ليصنعوا به المآسي، فهذا على سبيل المثال العالم الكيميائي صودي يقول: 

«إنّ لآلئ العلم لم تلق إلى الآن إلا للحلاليف؛ فكوفئنا على ذلك بفئة من أصحاب الملايين وبأحياء الفقراء القذرة وبالتسلح استعدادا للحروب وما تجره من ويلات ودمار.. فالحرب تعبئ العلوم في سبيل التدمير الشامل»(1).
ويقول العالم والمفكر الأمريكي ديفيد بيرلنسكي: أقحم عالم النفس ستيفن بنكر القول: 
«إن شيئًا ما في الحداثة ومؤسساتها الثقافية قد جعلنا أكثر نُبلاً.. بعض الأدلة كانت تحت أنوفنا طوال الوقت.. الوحشية كتسلية، والتضحية بالبشر لإرضاء الخرافة.. الفتح العسكري كمهمة منوطة بالحكومة، القتل الجماعي كوسيلة لحيازة العقار.. جميعها كانت سمات حياة لا غضاضة فيها عبر معظم التاريخ الإنسانيّ، ولكنها اليوم ما بين نادرة ومعدومة في الغرب.
هذا بالأحرى تقويم أدقّ للقرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين؛ ينبغي على أيّ شخص مقتنع بأنّها تمثل لوحة سعيدة على نحو مدهش أن يبذل جهداً تخيلياً لإدراك حجم الشقاء البشريّ الذي توحي به هذه الإحصائيات: الحرب العالمية الأولى 15 مليوناً، الحرب الأهلية الروسية 9 ملايين، الاتحاد السوفييتي نظام ستالين 20 مليوناً، الحرب العالمية الثانية 55 مليوناً، نظام ماوتسي تونغ 40 مليوناً، دولة الكونغو الحرة 8 ملايين، المكسيك مليون.
وكذلك الصين الحقبة القومية 3 ملايين، الحرب الكورية 2.8 مليون، كوريا الشمالية مليونان، حرب الهند الصينية 3.5 ملايين، بنجلادش 1.25 مليون، أفغانستان مليون، الحرب العراقية الإيرانية مليون.

الاستنتاج الوحيد الذي يمكن أن يظفر به المرء هو أنه لا يمكن في العادة العثور على هذا الغباء الفاحش في الطبيعة»(2).

وتنقل جيرمندر بامبرا عن ليمرت قوله: «إنّ اكتشاف الغرب وبقاءه تأسّسا على الإنكار الكبير لحقيقة عدوانه وشره»، ثم تعلّق قائلة: «ويكون الموقف الحاليّ بتجاهل هذه الأحداث وتجنبها وحظرها وعدم التأمل فيها كجزء من تاريخ الغرب في تصور الغرب لذاته؛ إنّهم يحتاجون إلى اهتمام عاجل!»(3).

وتنقل البرلمانية الكندية نعومي كلاين، أثناء حديثها عن شرور الغرب، عن عالم الاجتماع الأرجنتيني دانيال فييرستاين قوله: «لم تكن الإبادة في الأرجنتين عفوية، ولم تكن كذلك وليدة حظّ أو عملية خالية من المنطق، إنَّما كانت عملية إلغاء منظم لجزء كبير من الشريحة الوطنية الأرجنتينية، يهدف إلى تحويل تلك الشريحة؛ من خلال إعادة تحديد أسلوب حياتها وعلاقاتها الاجتماعية وقدرها ومستقبلها»(4).

هذا قليل من كثير من المجازر التي ارتكبت في حقّ

 الإنسانية؛ وما الحروب الأخيرة على غزة وغيرها

 منّا ببعيد.
أمّا عن عالم المال والاقتصاد والسوق فلا تتسع المجلدات لرصف الصرخات التي تتعالى كلّ يوم محذرة ومنذرة من الوحش الذي يبتلع كلّ شيء، كان من هذه الصرخات ما نقله صاحب كتاب «نظام التفاهة»، حين تحدث عن مؤلفات وأعمال فنيّة عديدة تصب اهتمامها على حقيقة أنّ السوق قد فقدت عقلها حرفيًّا، حيث تعمل السوق الآن دون تدخل من العقل البشريّ، باستعمال خوارزميات تقوم بعمليّاتها خلال «نانو ثانية»؛ أي خلال واحد على مليار من الثانية، وتستطيع هذه الآلات الذكية اصطناعيّا السيطرة على عدد هائل من الأسهم وبيعها بسرعة فائقة؛ ما قد ينتج عنه أهوالاً جسيمة.
وينقل عن توماس بيترفي قوله: «إنّ هذه الأجهزة قد تطورت بطريقة أسرع من قدرتنا على فهمها أو السيطرة عليها، ومن الصعب فهم رد فعل السوق تجاه أي معلومة سياسية؛ لأنّ السوق لم تعد خاضعة للمعطيات الاجتماعية، لقد صارت المعطيات الاقتصادية الآن مدمجة مع برامج الكمبيوتر يلقيها
 الخبراء في المقلاة»(5).

لم نتحدّث عن «مافيا» الدواء والغذاء التي سخرت العلم لنفخ حافظة نقود الأكابر على حساب صحة الإنسان وسلامته، ولا عن تواطؤ منظمة الصحة العالمية ومنظمة الغذاء العالمية مع هذه «المافيا»، ولم نتحدث عن الشذوذ والجندرة والمثلية، ولا عن فضيحة إبستين وما تفرع عنها وانشعب منها من فضائح وفظائع، ولم نتحدث عن اصطياد واستعباد 210 ملايين أفريقيًّا ليسخروا لبناء حضارة الرجل الأبيض، ولا عن أمّة برمتها (الهنود الحمر) أبيدت عن آخرها -وهي صاحبة الأرض- لتخلو القارة لقيام أكبر دولة إرهابية حملها الكوكب الأرضيّ على ظهره وحمل آثامها معها.

فيا لها من محاكمة كبيرة تلك التي ستقيمها الإنسانية لهذه الحضارة قبل رحيلها! 

ويا لعظمة التبعة التي تلقى على كاهل هذه الأمة الإسلامية؛ حيث لا يوجد للحضارة المعاصرة بديل إلا الإسلام، وكما يقول مراد هوفمان: «فليس الإسلام بديلاً من البدائل لنظام ما بعد التصنيع الغربيّ، بل هو البديل»(6)، 

فهلّا أدركنا مسؤوليتنا ووضعنا مشروعنا الواعد 

الصاعد؟!

الهوامش
  • 1 الحرية والثقافة، جون ديوي، ترجمة أمين مرسي قنديل، مطبعة التحرير، مصر، ط 2003م صـــــــ 175-176. 
  • 2 وهم الشيطان «الإلحاد ومزاعمه العلمية»- ديفيد بيرلنسكي، ترجمة عبدالله الشهري، مركز دلائل، الرياض، ط أولى 1437ه صـــ51-55. 
  • 3 إعادة التفكير في الحداثة، جيرمندر ك بامبرا، ترجمة ابتسام علام وحنان حافظ، المركز القومي للترجمة، ط أولى 2016م، صـــ 121. 
  • 4 عقيدة الصدمة «صعود رأسمالية الكوارث»، نعومي كلاين، ت نادين خوري، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت ط 3، 2011م – صـــــــــــ147. 
  • 5 المرجع السابق. 
  • 6 الإسلام كبديل، د. مراد هوفمان، ترجمة عادل المعلم، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1997م، صــــــ9. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق