الاثنين، 1 يونيو 2026

كيف اعترف التاريخ متأخرا؟..

كيف اعترف التاريخ متأخرا؟.. 
سيد قطب وعبد الناصر في لقاء عاصف في يونيو!
طارق الزمر
"كأن هزيمة يونيو، وصعود إسرائيل، وتآكل المشروع القومي كله، كانت تعترف متأخرة بأن الرجل الذي أُعدم قبل عقود، كان يرى أكثر مما رأى من أعدموه"

في كل ذكرى لهزيمة الخامس من يونيو لا تعود الأسئلة القديمة بوصفها مجرد استدعاء لحدث عسكري عابر، بل بوصفها لحظة انكشاف تاريخي هائلة سقطت فيها أوهام كاملة، لا مجرد جيوش. 
لم تكن الهزيمة سقوط طائرات ودبابات فقط، بل سقوط تصور كامل عن الدولة والسلطة والإنسان. 

ومن بين أكثر الأصوات التي تبدو حاضرة في تلك اللحظة حتى اليوم، يقف جمال عبد الناصر بوصفه رمز المشروع القومي العربي، ويقف سيد قطب بوصفه أحد أكثر من حذروا مبكرا من المصير الذي ينتهي إليه الاستبداد حين يتحول إلى عقيدة حكم.

جلس عبد الناصر مثقلا بصورة رجل حمل مشروعا أراد به أن يغيّر وجه المنطقة، ثم رأى كيف انتهت أحلام الوحدة والتحرير والتنمية إلى هزائم وانكسارات وتبعية ممتدة. 
أما سيد قطب فكان أكثر هدوءا، لا يحمل نشوة المنتصر، بل يقين رجل رأى العطب مبكرا ودفع حياته ثمنا لتحذيراته قبل أن تتحول إلى واقع يطارد الأمة كلها.

بدأ عبد الناصر الحديث بصوت خافت: لو رأيت ما جرى بعدنا لأدركت كم كان الخطر كبيرا.. كنا نحاول إنقاذ الدولة من الانهيار.

نظر إليه سيد قطب طويلا ثم قال:
بل كنتم تبنون دولة تخاف من شعبها أكثر مما تخاف من أعدائها.. وهناك فرق هائل بين حماية الدولة وحماية السلطة.

ساد الصمت..


ثم تابع سيد قطب: تصورتم أن الأمة يمكن أن تُبنى بالأجهزة والإعلام والهتافات الكبرى والحشد الجماهيري، لكنكم لم تدركوا أن الأمة التي يُسحق فيها الإنسان لا يمكن أن تنتصر حتى لو امتلكت آلاف الخطب والشعارات.

رد عبد الناصر: كنا نواجه استعمارا ومؤامرات وضغوطا هائلة.

ابتسم سيد قطب ابتسامة حزينة: كل سلطة مستبدة تبدأ دائما من هنا.. من الخوف. الخوف من الخارج، ثم الخوف من الداخل، ثم الخوف من المجتمع نفسه.

ثم اقترب بصوته أكثر: لكن دعني أسألك.. ماذا بقي فعلا بعد كل هذه العقود؟ أين مشروع التحرير؟ أين الوحدة العربية؟ أين العدالة الاجتماعية؟ أين الاستقلال الوطني الذي ملأتم به الشوارع والإذاعات والخطب؟

أطرق عبد الناصر رأسه بصمت ثقيل.

واصل سيد: قلتم إنكم ستلقون إسرائيل في البحر، فإذا بإسرائيل بعد نصف قرن تصبح القوة العسكرية والتقنية والاقتصادية الأكثر تفوقا في المنطقة. جيشها أكثر تطورا، واقتصادها أكثر نفوذا، واختراقها السياسي والأمني أوسع، بينما تحولت الجيوش العربية التي رفعت شعارات التحرير إلى جيوش مشغولة بحراسة الأنظمة وليس حماية الأوطان.

ثم أضاف بحدة: هزيمة يونيو لم تكن مجرد هزيمة عسكرية.. بل لحظة انكشاف كامل للفكرة نفسها. انكشاف دولة ضخمة في الإعلام، هشة في الحقيقة. دولة كانت تخاف الكلمة الحرة أكثر مما تخاف الطائرات التي دمّرت سلاحها الجوي في ساعات.

ارتجف وجه عبد الناصر قليلا: كانت هزيمة قاسية.. لكننا حاولنا النهوض بعدها.

رد سيد: المشكلة لم تكن في الهزيمة وحدها، بل في العقل الذي صنعها. عقل ظن أن الجماهير المحشودة يمكن أن تكون بديلا عن الحرية، وأن الإعلام يمكن أن يكون بديلا عن الحقيقة، وأن الأجهزة الأمنية يمكن أن تصنع أمة قوية.

ثم قال: لقد بنيتم دولة ضخمة من الخارج، لكنها كانت خاوية من الداخل، وحين جاءت لحظة الاختبار الحقيقي انهار كل شيء بسرعة مرعبة.

تنهد عبد الناصر: لكننا أقمنا مشروعا للتصنيع والتنمية والاستقلال الاقتصادي.

أجاب سيد قطب: صنعتم مصانع.. لكنكم لم تصنعوا إنسانا حرا قادرا على الإبداع، ربطتم الاقتصاد بالدولة لا بالمجتمع، وبالسلطة لا بالحرية. ولهذا حين ضعفت الدولة تآكل المشروع كله، لأن الناس لم يكونوا شركاء فيه، بل مجرد أدوات داخل ماكينة مركزية هائلة.

ثم أضاف: حتى العدالة الاجتماعية التي رفعتموها شعارا انتهت مع الوقت إلى طبقات جديدة أكثر قربا من السلطة وأكثر احتكارا للنفوذ والثروة. تغيرت الشعارات، لكن المواطن بقي ضعيفا أمام جهاز دولة يتضخم كل يوم.

رفع عبد الناصر رأسه وقال: لكنكم أنتم أيضا لم تقدموا نموذجا ناجحا للحكم.

هز سيد قطب رأسه بهدوء: لأنكم لم تتركوا أصلا بيئة تسمح بنمو سياسة حقيقية. منذ الخمسينيات أُعيد تشكيل الدولة العربية على أساس إلغاء السياسة وتجريف المجتمع وتحويل مؤسسات القوة إلى أدوات لحماية النظام لا الأمة.

ثم أردف: ومع ذلك، فالمشكلة لم تكن فقط في الأنظمة. بعض الإسلاميين دخلوا الحكم بعقلية دعوية لا بعقل دولة، لكنهم على الأقل كانوا يحاولون إعادة وصل السياسة بالأخلاق، بينما كانت الدولة الحديثة تتحول تدريجيا إلى آلة قمع لا تنتج إلا السيطرة والخوف.

قال عبد الناصر بنبرة دفاعية: لكن الدولة القوية كانت ضرورية لحماية الأمة.

أجابه سيد بحسم: الأمة لا تحميها دولة تخاف من شعبها، الدولة التي تقوم على القهر تظل خائفة حتى وهي تملك كل شيء. ولهذا احتاجت أنظمتكم إلى مزيد من السجون، ومزيد من الإعلام، ومزيد من أجهزة المراقبة.. لأنها فقدت الشيء الوحيد الذي يمنح أي دولة استقرارا حقيقيا: الشرعية الأخلاقية.

ثم قال:
أنتم انتصرتم على المجتمع مؤقتا.. لكنكم هزمتم الدولة نفسها على المدى الطويل.

ساد الصمت من جديد.


ثم قال عبد الناصر: إذن ترى أنكم كنتم على حق؟

أجاب سيد قطب دون تردد: في الجوهر.. نعم.

ثم استند إلى كرسيه وقال: كنتم ترون الدين خطرا على الدولة، بينما كنت أرى أن إقصاء الدين عن الحياة العامة سيترك فراغا هائلا تملؤه السلطة المطلقة والانهيار الأخلاقي والفراغ الروحي.

وأضاف: لقد أخطأ كثيرون حين اختزلوا معركتي في خلاف سياسي مع نظام، بينما كانت معركتي الحقيقية مع الفكرة التي تجعل الإنسان عبدا لأي قوة غير الله.. سواء كانت سلطة أو حزبا أو دولة أو أيديولوجيا.

نظر إليه عبد الناصر طويلا: لكن الناس كانت تريد الخبز والتنمية والقوة.

ابتسم سيد قطب: والإنسان أيضا يريد الكرامة والحرية والمعنى. مشكلتكم أنكم تصورتم أن الخبز يمكن أن يكون بديلا عن الحرية، وأن الأمن يمكن أن يكون بديلا عن الكرامة، وأن الشعارات يمكن أن تكون بديلا عن الاستقلال الحقيقي.

ثم قال ببطء: لكن انظر إلى الحصيلة النهائية.. لا وحدة تحققت، ولا تحرير اكتمل، ولا عدالة استقرت، ولا تنمية استمرت، ولا استقلال وطني ترسخ. بل إن كثيرا من الدول التي رفعت شعارات التحرر انتهت أكثر تبعية وخوفا وارتهانا للخارج.

ثم اقترب بصوته أكثر: وإسرائيل التي قيل إنها كيان طارئ مؤقت، تحولت بسببكم إلى مشروع متصاعد أكثر حضورا ونفوذا وقوة، بينما تراجعت الأمة كلها إلى الخلف.

تنهد عبد الناصر: ربما كنا نظن أن الزمن سيعمل لصالحنا.

رد سيد قطب: لكنه عمل ضدكم، لأن الدولة التي تُغلق السياسة تُنتج الانفجار، والدولة التي تُقصي الدين تُنتج الفراغ، والدولة التي تبني الخوف بدل الثقة تظل مطاردة بالخوف نفسه.

ثم قال بحسم: لقد خفتم من المجتمع فحوّلتموه إلى خصم، وخفتم من الحرية فقتلتم السياسة، وخفتم من الإسلام ففتحتم الباب أمام أشكال أكثر غضبا وحدّة.

رفع عبد الناصر عينيه: وهل تعتقد أن المستقبل سيكون للإسلاميين؟

أجاب سيد قطب: المستقبل لن يكون لأحد بمجرد الشعارات، بل لمن يفهم الإنسان والدولة معا. لكن المؤكد أن الأمة لا يمكن أن تعيش طويلا بلا هوية، ولا بلا حرية، ولا تحت سلطة تحكمها بالخوف وحده.

ثم وقف أخيرا، ونظر نحو الأفق البعيد، وقال كأنما يخاطب قرنا كاملا: لقد ظننتم أنكم تستطيعون بناء أمة بالقوة وحدها، بلا حرية، وبلا عقيدة حية، وبلا إنسان مستقل داخليا.. لكن كل ما بُني على الخوف سقط أو سيسقط، وكل مشروع انفصل عن روح الأمة بقي غريبا عنها مهما امتلك من سلاح وإعلام وشعارات.

أما عبد الناصر، فبقي صامتا.. كأن هزيمة يونيو، وصعود إسرائيل، وتآكل المشروع القومي كله، كانت تعترف متأخرة بأن الرجل الذي أُعدم قبل عقود، كان يرى أكثر مما رأى من أعدموه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق