الأحد، 7 يونيو 2026

رانيا العباسي.. أيقونة وشاهد المرحلة الكبير! رِسالَتي لِلْمُنْتَمِينَ العُقَلاءِ وَالأَوْفِياءِ

رانيا العباسي.. أيقونة وشاهد المرحلة الكبير!
رِسالَتي لِلْمُنْتَمِينَ العُقَلاءِ وَالأَوْفِياءِ

  مضر أبو الهيجاء

لم تعرف الشعوب العربية والإسلامية في القرنين الأخيرين وحشيةً كما شاهدها العالم بأم عينيه في الديار الشامية، والتي ذُبح أهلها، وقُتلوا، وهُجِّروا، وأُحرقت مدنها وقراها، في سياق تحالف خشن بين مشاريع الصادات الثلاث (الصهيونية، والصليبية، والصفوية) المعادية لشعوب المنطقة وهويتها، سواء ما حصل خلال ثورة الشام المباركة، أو خلال جهاد شعب فلسطين ومعاركه الأخيرة.

ورغم حجم تلك البشاعة التي تفوق بمراحل كبيرة الهولوكوست وكثيرًا من المآسي التي شغلت الرأي العالمي لعقود، فإن المنظومة الدولية وامتداداتها الإقليمية لا تزال تحاول القفز عن حقيقة حقبة العذاب التي وقعت في أرض الشام، فضلًا عما عاناه العراق العظيم من آلام صامتة.

فهل يليق بأمة العرب والمسلمين أن تكون منسجمة مع هذا المسار، أو غافلة عن حجم تلك المظلومية وآثارها العميقة؟ 

أم أن الواجب يقتضي أن تتحول تلك الحقبة إلى بصمة عار على جبين المنظومة الدولية، وشاهد كبير على مرحلة تاريخية سوداء، ووعي واسع وعميق بطبيعة المشاريع الصليبية والصهيونية والطائفية والتخادم العميق بينها، وعنوان لمظلومية إنسانية كبرى تُظهر الحقائق، وتُربك الخصوم، وتُضعف سردياتهم، ولا تسمح بإعادة إنتاج امتدادات المشاريع المعادية للمنطقة وشعوبها، مهما تبدلت أسماؤها، أو تغيرت واجهاتها، أو لبست أثوابًا جديدة في حُلّة مدنية وشخصيات وأطر مجتمعية دخيلة.

ومن هنا فإن شكل التعامل مع الحدث الأليم الذي وقع للدكتورة العباسي وأسرتها، لا يخص أسرة سورية فحسب، بل هو عنوان لمرحلة تمر بها شعوب الأمة المستهدفة من قبل الغرب والصهاينة وأتباعهم، وهو أمر لا يمكن القفز عنه باعتباره جزءًا من الماضي المندثر، بل هو اليوم اختبار حقيقي لمستوى وعي الناس وانتمائهم وجديتهم وقدرتهم على حفظ الذاكرة الجمعية للأمة.

كما أنه يعبر عن مدى قدرتهم على جعل هذه الشهيدة وأطفالها أيقونة إنسانية وشاهدًا كبيرًا على تلك المرحلة العصيبة من تاريخ الشام والأمة جمعاء، وسببًا لإعادة رسم تصور جديد في الوعي الجمعي لشعوب الأمة الذي تلوث بالمفاهيم العلمانية والقومية والبعثية والإسلامية الحداثية المتماهية مع الفلسفات الغربية والمستخذية أمام القوى والمشاريع الدولية.

إن الدكتورة الشهيدة رانيا العباسي، ابنة العالم الكبير محمد عيد العباسي، وزوجة المجاهد الكبير، وأم الشهداء، يجب أن تكون أيقونة أعلى قيمة من السيف الدمشقي؛ فهي ليست صنمًا، وإنما مشروع يعبر عن أمة وهوية وانتماء وبذل وتضحية وفداء، وهو مسار يشير إليه القرآن الكريم، وجسده الأنبياء وأتباعهم.

فلماذا لا تحظى بما يجب تجاهها من قبل الدولة الجديدة، والحكومة الحرة، والعلماء الربانيين، والشعب المنتمي؟ 

وهل يليق أن يُكتفي بتعزية عائلتها عبر الهاتف حتى ينساها الناس بعد ثلاث ساعات؟

 أم أن الواجب أن تتحدث عنها كل القنوات معبرة عن عموم أهل الشام الكرام، أصلاب الصحابة والتابعين، ومن هم لدينهم أوفياء ومنتمون؟

وهل يليق أن تكون المهرجانات وافتتاح الصالات للعب واللهو أولى بحضور المسؤولين وأولي الأمر من الحضور إلى بيت عائلة العباسي وبيوت أمثالها المتناثرة في كل مساحة الشام المباركة؟

رانيا العباسي هي محمد الدرة في فلسطين

كما كان العالم شاهدًا على وحشية القتل الإسرائيلي للطفل محمد الدرة في غزة، فانتفضت شعوب العالم لأجله، فإن الشهيدة رانيا العباسي، وزوجها، وأطفالها الستة، هم أضعاف محمد الدرة، الأمر الذي يتيح للسوريين الأوفياء والمنتمين لشعوبهم، والمرتبطين بهويتهم الإسلامية ومظلوميتهم الإنسانية، أن يفعلوا مئة ضعف ما فُعل لأجل محمد الدرة، الأمر الذي يجب أن يُعري صورة المشاريع الطائفية المتخادمة مع الغرب والصهيونية على نحو أكبر مما تعرت صورة وحشية الكيان الإسرائيلي، الخادم الحقير للسياسات الغربية.

ومن نكد الزمان اليوم ألّا يكون بعض علماء ودعاة وخطباء الشام على المنابر كل يوم مؤذنين، وللشهيدة رانيا العباسي بأصابعهم مشيرين، ولقاتلها مُعرّين، ومن أتباعه وفلوله محذرين، غافلين عن أن تلك المرحلة مرحلة مؤقتة لن تدوم، كما يراها العقلاء المدركون.

فلماذا كل هذا الاستخفاف بكنوز يضعها الله بين أيدينا، تعيننا على تصحيح المسار والارتقاء بشعوبنا، ووعي التحديات القادمة التي لم تنته بسقوط الآبق الذليل بشار الأسد، والذي كان خروجه بإرادة غربية لا تقصد إنهاء معاناة أهل الشام بل نقلهم لميدان تحديات مستقبلية يرعاها الكاهن الغربي باحتراف كبير، وتحتاج منا صلابة، ومواقف فولاذية، وعقولًا مبصرة، وقلوبًا واعية، لا إلى الدنيا راكنة، لعلنا نكون في نهاية المطاف المنتصرين.

إن القامات الواعية لا تعقد مقارنةً بين فعل أولياءِ الأمر المتقين وفعل الشياطين بل تقارنهم بالصحابة المعدلين طلبا للسموّ وحرصاً على الاستقامة.

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 1/6/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق