مغيث وبريرة
د. محمد علي يوسف
يمشي في طرقات المدينة ودموعه الساخنة تخضب لحيته..
يطوي الأزقة بخطىً تائهة وعبراته المنهمرة تغسل وجهه الشاحب.
مشهدٌ بالغ القسوة؛ لو طالعته مرسوماً في لوحة كلاسيكية، أو قرأته بين دفتي مأساة روائية، لتصدع قلبك رثاءً لهذا البطل المنكسر حتى المشهد الأخير.
رجلٌ يبكي عشقه على ملأ من الناس، تسبقه لوعته وهو يقتفي أثر امرأة كانت يوماً سكنه، هائماً لا يعبأ بفضول المارة، ولا يكترث لكبرياء الرجال الخشن الذي يتهشم صاغراً تحت مطارق الفقد.
اسمه «مغيث»..
دمعاته المنهمرة وخطواته المتعثرة كانت بسبب امرأة!
اسمها «بريرة».
كانت بريرة زوجة مغيث أَمَةً أعتقتها السيدة عائشة رضي الله عنها، بينما ظل الزوج على حال عبوديته..
وحين نالت حريتها وصارت ولايتها لنفسها منحها الشرع حق الخيار:
إما البقاء مع زوج لم يزل عبداً، أو فسخ عقد النكاح وتأسيس حياة جديدة.
وقد اختارت الحرية الكاملة.
اختارت أن تنزع هذا الرجل من نسيج حياتها لسبب آخر ليس بقاءه في العبودية
هي لم تكن تطيقه.
لم يكن مغيث رجلاً سيئاً، ولم نقرأ في كتب السير وتراجم الرجال أنه كان يضربها، أو يهينها، أو يسيء عشرتها.
الأمر كان فقط حباً من طرف واحد..
رجل يفيض قلبه بحب امرأة، بينما قلبها أقفر تماماً من ناحيته..
صار نحوه أشبه بصحراء قاحلة، لا تقطعها قوافل الود أبداً، ولا تسقيها حتى أمطار الشفقة.
لكن.. هل أذنب مغيث؟!
هل ارتكب جرماً شرعياً بانسياقه خلف عاطفته الجياشة التي أسقطت كبرياءه في طرقات المدينة؟
قد يثب إلى ذهنك هذا التساؤل الملح: أليس هذا التعلق الشديد والبكاء العلني خلف امرأة = مذلة وهوانا؟
أليس في هذا خروج عن مقتضيات الرجولة الصارمة التي نألفها؟
ربما تكون الإجابة بـ«بلى» عند تمام القدرة واستقامة الإرادة
لكن الحق أن الشريعة لا تؤاخذ الإنسان على ما لا يتحكم فيه بشرط ألا يمتد إلى ما يتحكم فيه.
ومغيث لم يعتدِ..
لم يظلم بريرة ولم يجبرها..
ولم يتجاوز حد الشرع أو يمارس عليها أي إكراها غاشما لإجبارها على العودة.
هنا أجاب العلماء أنه لا حرج على مسلم في هوى امرأة مسلمة وحبه لها مادام لم يترجم ذلك لمحرم
“عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَـٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّاۤ أَن تَقُولُوا۟ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا”
لذلك لم يرد أي دليل صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على مغيث مشاعره..
ولو أن ثمة إثم فلم يكن ليؤخر البيان عن وقت الحاجة..
ولذلك ذهبوا إلى أنه لا إثم على المرء حتى إذا إن ظهر وجده، طالما أنه لم يأتِ مُحرَّماً ولم يغشَ مأثماً.
لكن لا يؤاخذ الإنسان على ألمه وعاطفته، ولا يعاقب على نبض قلبه..
وحتى إن كان هذا الصنيع يُعد “خلاف الأولى” ويخدش كمال المروءة، فإن ترك “الأولى” لا يعني الوقوع في “المعصية”.
والنبي ﷺ لا ينكر إلا ما كان حراماً بيناً، أو مكروهاً ظاهراً، أو مؤدياً لفساد.
أما ما يُعد مجرد ضعف بشري وقلب مكسور، فهو مستحق للرحمة لا للإنكار؛
إذاً فالرجل غير ملوم شرعاً أو طبعاً على فرط هواه، ما دام قلبه يغلي بالحب وجوارحه ملتزمة بأدب الشرع.
والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، والحب القهري قدرٌ ينزل بالمرء وليس دوما لا ذنبا يُقترف مع سبق الإصرار والترصد.
والدليل العملي هنا..
فمغيث كان يمضي في طرقات المدينة لوعة وحزناً، وكأنه فقد السيطرة على ما كان ينبغي أن يخفي ما يجد في نفسه من فرط الهوى وشدة الحب وما تحركه لواعج الفراق… فقط إن استطاع.
لكن يبدو أنه لم يستطع!
القلب قد كُسر ففاضت العين
هذا ما حدث
وحين كان يمضي في أزقة المدينة يبكي، رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير إلى جوار عمه.
وفي مشهد إنساني بديع، التفت النبي إلى عمه العباس قائلاً بتعجب الخبير بتركيب النفس البشرية المعقد وأسرارها الغامضة
“يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً؟”
لقد التقط النبي صلى الله عليه وسلم هذه المفارقة الموجعة، ووضع يده على الجرح النازف.
حبٌ يبلغ حد التذلل وانهمار الدمع، وبغضٌ يبلغ حد النفور التام والإعراض المطلق..
كان ذلك “بعد” ما بانت منه وانفصلت عنه.
ولو كان هذا التتبع قبل اختيارها لنفسها وفسخها للعقد كما حاول البعض حمل الأمر بتكلف؛ فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقول لها لاحقاً: “لو راجعتِه”؛
لأنه لا يُقال لامرأة في بيت رجل وتحت عصمته: “لو راجعتِه”، وإنما تُطلب المراجعة ممن فارقت زوجها فعلاً..
لكن هذا المشهد تتجلى فيه أدق مواطن الفقه النبوي في مراعاة الطبائع البشرية، والتفريق الواعي بين صرامة الحكم الشرعي وسيولة المشاعر الإنسانية.
النبي ﷺ لم يرَ في بكاء مغيث نقصاً في دينه أو هدماً لرجولته.
إن دموع مغيث كانت ببساطة عرضا لبشريته ولم تكن خطيئة تستوجب التقريع.
لذا لم يُنكر عليه النبي ﷺ ولم يوبخه.
لقد رأى أمامه مأساة إنسانية رقيقة لرجل مكلوم، فاختار طريقا آخر..
طريق الشفاعة والإصلاح..
لقد تحركت رحمة النبي، وقرر أن يتدخل.
الرسول الأكرم، قائد الأمة، وقاضيها، وقبل كل ذلك نبيها وأسوتها؛ يتقدم بنفسه لحل أزمة بين عبد وأَمَة من فقراء الخلق.
ها هو يقف أمام بريرة ويقول لها بكلمات تقطر رقة وشفقة:
“لو راجعتِهِ فإنَّهُ أبو ولدِكِ»
هنا تتجلى أعظم لحظات الوعي الإنساني، وأرقى مشاهد احترام الحدود الشخصية..
امرأة بسيطة، كانت قبل أيام فقط تُباع وتُشترى في الأسواق، تقف أمام سيد الخلق ثم تجيب شفاعته بسؤال يحمل من الذكاء الفقهي والتأدب مع الصلابة النفسية، والفهم الدقيق للمقامات، ما يعجز عنه كثير من الناس اليوم..
“يا رسول الله.. أتأمرني؟”
هي هنا تفصل بدقة بين مقام النبوة الذي يوجب السمع والطاعة التامة بلا نقاش، وبين مقام الشفاعة البشرية الذي يقبل الاعتذار.
لو كان أمراً من السماء، فالظن بها أن تضغط على قلبها، وتبتلع نفورها، وتطيع راضية مرضية.
لكن النبي يدرك تماماً أن شأن القلوب لا يدار بالأوامر الصارمة، وأن المشاعر لا تُستزرع بالتوجيهات المنفصلة عن الواقع.
لذلك أجابها برحمة تتسع لضعف البشر وتقلبات أرواحهم:
“إنما أنا شافع”.
هنا جاء ردها القاطع كحد السيف:
“لا حاجة لي فيه”.
… انتهى الموقف.
الأمر محسوم إذاً!
لم يغضب النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتغير ملامحه الشريفة.
لم يقل لها النبي: “كيف تردين شفاعتي؟”.
لم يقل لها: “اتقي الله في الرجل الذي يذوب عليك حزناً، فدموعه ستكون لعنة تلاحقك في الدنيا والآخرة”.
فقط تركها تمضي في طريقها بسلام، وترك مغيثاً لاختباره مع العشق.
فالقلب، تلك المضغة الصغيرة المخبأة خلف القفص الصدري، هو قلعة سيادية بامتياز؛ لا يُقتحم بالشفقة، ولا يخضع لقوانين التعاطف المجاني.
والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسى قاعدة أن القلوب بيد الرحمن يقلبها كيف شاء
إن بغض شخص لآخر لمجرد كراهة القرب منه لأي سبب ولو كان عدم تآلف أرواح وافتقاد ارتياح غير مبرر = هو أمر جائز ولا إثم فيه، طالما أنه لم يتحول إلى بغي وعدوان.
“الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”
هكذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدة الأرواح
وهكذا كان يقضي على أساسها
ألم يأتِهِ من قبل خبر امرأة ثابت بن قيس بن شماس؟
ذلك الصحابي الجليل صاحب الدين والفضل والمكانة العالية… جاءت زوجته إلى النبي تطلب الفراق لا لشيء يعيبه في دينه أو خلقه، ولكن لدمامة أو قبح لم تستطع معه صبراً، حتى افتدت منه بحديقتها!
أجاز لها الشرع الافتراق، ولم يَرَ أنها أتت مأثماً، ولا ارتكبت معصية، بل عذرها وجعل لها مخرجاً من المقام معه، وسبيلاً إلى البعد عنه.
لم يذمها النبي على بغضها له لأسباب شكلية هي مما جبله الله عليه..
فإذا كان البغض والنفور لأمور خَلقية قهرية يُعذر صاحبه، فالذي يُبغض على قبيح الأحوال، أو ثقل الظل، أو انعدام “الكيمياء” بين الأرواح، هو أولى بالعذر وأبعد عن الذم.
حين أتأمل هذا المشهد النبوي العظيم، أقف مشدوهاً أمام أمرين:
“واقعية” هذا الدين، ودقة شريعته في التعامل مع أعقد مساحات النفس البشرية.
نحن أمام شريعة لا تطالب أتباعها بالتحليق في مثاليات ملائكية مجردة، ولا تفرض عليهم مشاعر معلبة.
القلب في ميزان الإسلام له سيادته، والنفور البشري حقيقة معترف بها، لا تُقمعَ، ولا تُعالج بادعاءات التحمل الخارقة.
ولقد تجلت رحمة النبي ﷺ هنا في أبهى صورها؛ لأنها وسعت الطرفين معاً.
وسعت دموع مغيث فلم يزجره، ولم يسفه لوعته، ولم يعنفه على ضعف قلبه أمام سطوة العشق.
ووسعت في الوقت ذاته رفض بريرة ونفورها، فلم يُنكر عليها حقها في الافتراق، ولم يمارس عليها أي ضغط لتبقي على زواج فقد روحه.
هذا الموقف الاستثنائي يضع أيدينا على حقيقة مهمة للغاية
الرجولة في ميزان الإسلام لا تعني التصحر العاطفي وانعدام المشاعر، ولم تكن يوماً رديفاً للقسوة.
لقد بكى النبي ﷺ نفسه عند فقد أحبابه، وقالها صراحة: “إن العين تدمع والقلب يحزن”.
وحين سُئل عن أحب الناس إليه؟
أجاب ببساطة ووضوح: عَائِشَةُ.
من دون حرج ولا تكلف باح بما يشعر وقال: عَائِشَةُ!
بدون أن يُكنّي أو يورّي، نطق باسمها وكرَّمها وقال: عَائِشَةُ!
كانت هذه إجابته الصادعة على سؤال سيدنا عمرو بن العاص عن أحب الناس إليه.
لم يستنكف، أو يتحرج، أو يخجل من ذلك الجواب الجامع المباشر:
زوجتي هي أحب الناس إلي، وأبوها هو أحب الرجال إلى قلبي.
هل انتقص ذلك من قدره أو عاب وقاره أو قلل قيمته؟!
حاشا وكلا..
النبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر قط طبيعته البشرية، ولا استعلى على فطرته التي فطره الله عليها
وما كانت هذه بالمرة الأولى ولا الأخيرة التي تحمل إعلاناً لمشاعره تجاه زوجته؛ فهو القائل: “فضلُ عائشةَ على النِّساءِ، كفضلِ الثَّريدِ على سائرِ الطَّعامِ”.
ولم يقف هذا الإعلان النبوي عن الحب عند ذلك، بل فاض ليصل إلى ابنته، السيدة الكاملة فاطمة رضي الله عنها، حين قال لها بوضوح الأب والمربي: «أتحبينني؟ فأحبي هذه».
ولم تكن مشاعره كلمات مجردة، بل واقعاً يمشي على الأرض؛ ألا تراه يوقف جيشاً وركباً كاملاً في قلب الصحراء لسبب يبدو في حسابات غلاظ القلوب هيناً..
لقد أضاعت زوجته عقداً!
وفي حجة الوداع، حين غلبها البكاء لأن عذرها سيحرمها من العمرة، سارع لجبر خاطرها المنكسر، وأمر أخاها بمرافقتها إلى “التنعيم” لتأتي بالعمرة..
موقف لخصه صاحبه سيدنا جابر بن عبد الله واضعاً قاعدة السواء النفسي قائلاً: «وكان رسول الله رجلاً سهلاً، إذا هويت شيئاً تابعها عليه».
ويكأن اللين مع الزوجة والنزول على رغبتها المباحة هو من مناطات المدح ومقاييس الرجولة السوية، عكس ما يتوهمه من يربطون الهيبة بافتعال الجفاء والغلظة!
ولما أزف الرحيل، وفي اللحظات الفاصلة بين الدنيا والآخرة، اختار النبي صلى الله عليه وسلم أن يلفظ أنفاسه الأخيرة مسنداً رأسه بين حاقنتها وذاقنتها.
أسلم القائد والنبي روحه على كتف امرأته، في رسالة صامتة تخبر الأجيال أن الحنان قوة، وأن لين الرجل في بيته هو التتويج الأكمل لمروءته.
لقد علمنا سيد الخلق أن الدين جاء ليرتب حياة الناس وفق الفطرة السوية، لا ليصنع قوالب خشبية تُحشر فيها الأرواح قهراً.
علمنا أن الحب لا يُستجدى بالشفقة، وأن التكليف الشرعي يقف أمام الاستطاعة مقدراً إرادة الإنسان في اختيار من يسكن إليه ومن ينفر منه.
مضت بريرة في طريقها وبقي الدرس معلقاً كقنديل مضيء في سماء الإنسانية.
الدين الذي شرع النكاح ميثاقاً غليظاً، هو ذاته الذي احترم إغلاق القلوب لأبوابها حين تجدب المشاعر وتتناكر الأرواح.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق