الجمعة، 5 يونيو 2026

من سينتصرُ في سورية.. السلفية أم الصوفية؟ جواب في الصميم يقود لرؤيةٍ ومشروع

 من سينتصرُ في سورية.. السلفية أم الصوفية؟

جواب في الصميم يقود لرؤيةٍ ومشروع




كانتْ -ولا تزالُ وستبقى- التفاعلاتُ والتجاذباتُ بينَ المذاهبِ المختلفةِ قائمة، وهي تتسعُ بقدرِ حجمِ الفوارقِ بينَ الأصولِ والفروع.

وكما أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ الأربعةَ قد عرفتْ اختلافاتٍ في فروعِها انعكستْ على مدارسِها وأتباعِها، فإنَّ المذاهبَ العقديةَ السنيةَ كذلك شهدتْ عبرَ التاريخِ مساحاتٍ من التباينِ والاجتهادِ والتدافع، دونَ أن يُخرجَ ذلك عمومَها عن دائرةِ الإسلامِ وأهلِ القبلة.

وفي الحالةِ السوريةِ اليوم، تبدو الساحةُ في أرض الشام المباركةِ مفتوحةً على تنافسٍ فكريٍّ ودعويٍّ واجتماعيٍّ بينَ تياراتٍ متعددة، من أبرزِها التيارُ السلفيُّ والمدارسُ الصوفية، في ظلِّ فراغٍ دينيٍّ وفكريٍّ خلَّفته عقودُ الاستبدادِ والقمعِ الذي مارسه النظام الأسدي، وفي ظل مناهج القومية والبعثية والعلمانية التي شوهت العقل المسلم واختطفت جزءا من نخبه المؤثرة والفاعلة.

غيرَ أنَّ السؤالَ الأهمَّ ليس: مَن سينتصر؟

بل: أيُّ خطابٍ سيكونُ أقدرَ على حفظِ هويةِ المجتمع السوري، وبناءِ الإنسانِ، وترميمِ أخلاقِه، وحمايةِ عقيدتِه، وجمعِ كلمتِه، ومنعِ انزلاقِه نحوَ الفوضى أو التمييع أو الغلو؟

إنَّ أيَّ تيارٍ ينجحُ في الاقترابِ من الناسِ -على وجه الخصوص الشريحة الوسطى والفقراء- وفهمِ آلامِهم، وربطِهم بالقرآنِ والسنةِ، وبناءِ التدينِ المتوازنِ القائمِ على عقيدة التوحيد ونهج السنة، وعلى العلمِ والوعي والرحمةِ والأخلاقِ، سيكونُ الأقدرَ على الحضورِ والاستمرار.

أما تحويلُ المسألةِ إلى معركةِ إلغاءٍ وكسرٍ واستئصال، فإنها ستنتهي بخسارة الجميع ولن تنتجَ إلا مزيدًا من الانقسامِ والضعف، لا سيما في مجتمعٍ خارجٍ من حربٍ مدمرةٍ وتمزقاتٍ عميقة.

ولعلَّ سوريةَ اليومَ أحوجُ ما تكونُ إلى خطابٍ يجمعُ بينَ صفاءِ العقيدةِ، وعمقِ التربيةِ، وحكمةِ الدعوةِ، ورحابةِ الأخلاقِ، وتفهم عمق المشكلة وحقيقة التحديات بعيدًا عن التعصبِ والانغلاقِ والتنازعِ الذي يستهلكُ طاقاتِ الأمةِ ويُفرِّغُها من أولوياتِها الكبرى.

وإذا انطلقنا من وعيٍ أنه لا يوجدُ منتصرٌ بين السلفيةِ والصوفيةِ في سورية، وأنَّ أيَّ حالةِ تدافعٍ لا أخلاقيةٍ مُخِلَّةٍ ستهدرُ طاقةَ الجميع، وتستبعدُ وتُبعِدُ قيامَ الماردِ الإسلاميِّ من جديد، وأنَّ أيَّ حالةِ احترابٍ بينهما ستقودُنا قطعًا إلى حقبٍ وأزمانٍ جاهليةٍ يسودُنا فيها الخصومُ من جديد، وإذا سلَّمنا وآمنَّا وتعاونَّا على البرِّ والمعروف، وأقمنا الفضائلَ وحاربنا الرذائلَ وتعاونَّا، فيمكنُ أن نطرحَ السؤالَ المعقول!

والسؤالُ يقول: 

مَن سيتقدَّمُ في الحالةِ السوريةِ وعمومِ المنطقةِ السنية؛ السلفيةُ أم الصوفيةُ؟

الجوابُ:

إنَّ ذلكَ سيتحددُ إلى حدٍّ كبيرٍ وفقَ شكلِ التعاملِ مع المشروعِ الصهيوني والإمبريالي، وطبيعةِ الموقفِ من قضايا الأمةِ الكبرى، فالإشكاليةُ الحقيقيةُ في الأمةِ سياسيةٌ بامتياز، وليست مذهبية كما يُرادُ لها أن تظهر، ليغرقَ بها الجميعُ، وتُهدر فيها الطاقاتُ، ويفشل فيها المسلمُ المعاصرُ في البناءِ واسترداد الدورِ الحضاري.

إنَّ من أهمِّ جوانبِ تشكيلِ الهويةِ والحفاظِ على كينونة الأمةِ التصدي للمشاريعِ التي تستهدفُ الأمةَ في هويتِها الثقافيةِ، وبلادِها، وأرضها، وثرواتها، ومصيرِ أبنائها.

فكلُّ تيارٍ ديني أو دعويٍّ ينجحُ في الجمعِ بينَ حمايةِ العقيدة، وبناء الوعيِ، وربطِ الناسِ بقضاياهم الكبرى، والتصدي لمحاولاتِ الهيمنةِ والاختراقِ، سيكونُ أقدرَ على التمددِ والتأثيرِ والحضورِ والتحشيد الشعبي.

إنَّ المشروعَ الصهيوني المدعومَ غربيًّا شكَّلَ -ولا يزالُ- أحدَ أبرزِ التحدياتِ التي تواجهُ المنطقة، سواءٌ عبرَ الاحتلالِ المباشرِ، أو عبرَ محاولاتِ التفتيتِ والإضعافِ وإعادةِ تشكيلِ الهوياتِ والانقساماتِ الداخلية. كما أنَّ الصراعاتِ الإقليميةَ والطائفية أسهمتْ في إنهاكِ المجتمعاتِ العربيةِ والإسلاميةِ، واستنزافِ قدراتِها، وتعميقِ هشاشتِها السياسيةِ والاجتماعية، وهو سرُّ إبقاءِ الغربِ للمنظومةِ الطائفيةِ التي جمعتْ بينَ الملالي أتباعِ ولايةِ الفقيه وبينَ الدولةِ الإيرانية ومقدراتِها.

ومن هنا، فإنَّ التيارَ القادرَ على تقديمِ رؤيتِه للتصدي للمشروعِ الصهيونيِّ، بشكلٍ مترافقٍ مع تقديمِ رؤيتِه لمشروعٍ إصلاحيٍّ متوازنٍ يجمعُ بينَ صفاء الهويةِ، والوعيِ السياسيِّ الرشيدِ، والبناءِ الأخلاقيِّ والاجتماعيِّ، دونَ غلوٍّ أو تمييعٍ أو ارتهان، سيكونُ الأقدرَ على كسبِ الشارعِ السنيِّ في سوريةَ وعمومِ المنطقةِ العربيةِ والإسلامية.

أما الخطاباتُ المنعزلةُ عن قضايا الأمةِ الكبرى، أو التي تكتفي بالطقوسِ والجدالاتِ الداخليةِ، أو تنشغلُ بالصراعِ البينيِّ أكثرَ من انشغالِها بحمايةِ المجتمعاتِ وبنائِها، فستفقدُ كثيرًا من قدرتِها على التأثيرِ في الأجيالِ القادمة، وستكتشفُ أنها كانت تجري خلفَ سرابٍ وقراءةٍ تُديرُها وتُرسِّخُها وتُوسِّعُها الأجهزةُ الأمنيةُ المعادية.

ومن المناسبِ ذكرُه في هذا المقامِ أنَّ ما حصلَ مؤخرًا من ارتفاعِ أسهمِ المشروعِ والنظامِ الإيرانيِّ في عمومِ المنطقةِ العربيةِ والإسلامية، بعدَ الحربِ القذرةِ التي دارتْ -ولا تزالُ- بينه وبينَ أمريكا وإسرائيل على النفوذِ في المنطقة، يشيرُ بوضوحٍ إلى أنَّ عقولَ وقلوبَ العربِ والمسلمينَ ما تزالُ معلقةً بكلِّ مشروعٍ يُظهرُ نفسَه في موقعِ المواجهةِ مع الاحتلالِ وهيمنةِ المشاريعِ المعادية، حتى لو كانتْ لديه انحرافاتٌ أو مارسَ إجرامَه كما فعلَ النظامُ الإيراني.

وهذا يكشفُ حقيقةً مهمة، وهي أنَّ المزاجَ الشعبيَّ في المنطقةِ ما يزالُ منحازًا -في عمقِه- إلى قضايا التحررِ ورفضِ الاحتلالِ والتبعية، الأمرُ الذي يؤكدُ أنَّ أيَّ تيارٍ أو مشروعٍ ينجحُ في تمثيلِ هذه المعاني، أو الظهورِ بمظهرِ المدافعِ عن الأمةِ وقضاياها الكبرى، سيحظى بحضورٍ وتأثيرٍ واسعٍ في وجدانِ الشعوب، الأمرُ الذي جسَّده النموذجانِ المخادعانِ في تجربتِهما؛ وهما النظمُ القوميةُ العربيةُ، والنظامُ الإيرانيُّ الذي يقودُه الملالي.

ومن هنا فإنَّ مستقبلَ التأثيرِ في المنطقةِ لن يُحسمَ فقط عبرَ الجدلِ العقديِّ أو الصراعِ المذهبي، بل عبرَ القدرةِ على الجمعِ بينَ الهويةِ الإسلاميةِ الصحيحة، والوعيِ السياسيِّ، والانحيازِ الحقيقيِّ لقضايا الأمةِ الكبرى، وفي مقدمتِها فلسطينُ، ورفضُ مشاريعِ الهيمنةِ والاحتلالِ والتفتيت.

فهل سيعي إسلاميو اليوم الحقائقَ الموضوعيةَ التي برزتْ من خلالِ تجاربَ أُهدرتْ فيها دماءُ الأمةِ خلفَ قياداتٍ كاذبةٍ ومعادية، دفعتِ الأمةَ إلى الجريِ والتضحيةِ خلفَ سرابٍ؟

وهل سيدركُ إسلاميو القرنِ 21 أنَّ أعظمَ التحدياتِ التي تواجهُهم ليستْ فقط في خصومِهم، بل في أخطائِهم الذاتيةِ، وضعفِ قراءتِهم السياسيةِ، وعجزِهم عن بناءِ مشروعٍ حضاريٍّ متوازنٍ يجمعُ بينَ الهويةِ والوعيِ والقوةِ والأخلاق؟

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 23/5/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق