الأربعاء، 3 يونيو 2026

اليوم نرمي الدفاتر وغدا نفقد الإنسان

 اليوم نرمي الدفاتر وغدا نفقد الإنسان


  • ماذا تكشف ظاهرة رمي الكراريس عن أزمة التعليم؟

عند انقضاء الموسم الدراسي، تبرز بعض السلوكيات السلبية لدى المتعلمين، كرمي دفاترهم في الشارع، وتحطيم نوافذ المدارس، في صورة لا تمثل الأهداف السامية التي يسعى إليها النظام التعليمي، ولا تعد تعبيرا إيجابيا عن ملمح التخرج الذي تتبناه الجماعة التربوية للطلبة. فقد أصبح "رمي الكراريس" في الشارع ظاهرة اجتاحت مختلف الأطوار التعليمية، بعدما كان الاحتفاء بنيل الشهادات العليا يتمثل في إلقاء "قبعة التخرج" في السماء إيذانا ببدء مرحلة حياتية جديدة نحو عالم الشغل.

ومن الضروري النظر إلى تلك التصرفات الدخيلة على المجتمع، والتي تشكل "خطرا مستداما" على استقرار البنى التعليمية والهوية الاجتماعية، إذ تعبر عن صورة مخيفة للعنف الرمزي تجاه ما يفترض أنه اللبنة الأولى لمستقبل الأجيال، والطريق الأنسب لمحو التبعية والخنوع. فلا شيء يحمل معنى للنظام التعليمي أكثر من "حقيبة المتعلم" التي تجعل منه ذاتا باحثة عن صور النجاح.

قد نتفق على أن ثمة "عقبة تربوية" تواجهنا جميعا، مفادها اللامسؤولية الجماعية في تحقيق الارتباط الروحي والمعرفي بين التلميذ والمناهج والمجتمع، غير أن علينا أن ننظر بعمق إلى الأسباب التي أوصلتنا إلى مثل هذه التصرفات: فهل تقف الجماعة التربوية أمام تحديات ثقافة عابرة تستحوذ على كل شيء؟ أم إن بنية النظام التعليمي تحتاج إلى أطر أكثر إبداعا ومرونة؟

المتعلم يقف أمام اختبار مكتسباته عند ملمح التخرج، الذي يفترض أن يعزز قيمه وتنوعه وابتكاره، بل إن تحصيله الدراسي السنوي قد لا يتجاوز دفتي الكراس

ما الذي لا نتعلمه؟

تدور إشكالية التصرفات السلبية للمتمدرسين حول علاقتها بنظام ثلاثي معقد، يبدو في ظاهره بسيطا، لكنه من أكثر الأنظمة حساسية وإفراطا في البحث عن المعنى. إذ تقوم عناصره الثلاثة: المناهج، والمدارس، والجماعة التربوية، على رسم صورة حضارية للدولة، وتشكيل حصن هوياتي في مواجهة الثقافات الأخرى.

ويقوم هذا الارتباط بالضرورة على قواعد أخلاقية غايتها المتعلم. ويمكن القول إن التلميذ هو الحلقة الأساسية في العملية التعليمية التربوية، لإنشاء جيل يتمتع برؤيته الخاصة ويبتكر أدواته الجمالية والإبداعية، من أجل أن تقف الدول والمجتمعات أمام اختبار أخلاقي يتعلق بالمسؤولية السياسية والاجتماعية، لخلق فضاءات تكوينية تسمح بإنتاج ذوات تتمتع بالكفاءة النفسية والجمالية، وتتصالح مع مناهجها التعليمية، بدل أن تنظر إلى المدرسة باعتبارها مجرد "لمجة وسبورة". فالمدارس تمثل اتفاقية حضارية بين المجتمع والدولة، بنودها منظومة تعليمية داعمة للهوية، وليست سجنا ناعما.

يتهافت البعض على القول بضرورة تطوير النظام التعليمي، لكننا نتغافل عن البحث في سؤالين أساسيين: ماذا يتعلم المتعلم؟ وما الذي يمكن أن يجعله إنسانا فاعلا اليوم قبل الغد؟

بعد ذلك يمكننا أن نتفق على أن المعارف والمناهج هي التي ترسم هويتنا وتحفظ مجتمعنا وتنمي فينا روح الوطنية. لكن ماذا عن اللوحة التي تتوارى خلفها أحلام الأطفال، حيث المستقبل ترسمه براعم ناعمة وابتسامات حقيقية، حين يسأل المعلم تلميذه عن حلمه، فيجيب قائلا: "أريد أن أكون معلما".

إن النظام التعليمي ضروري لتحصيل المعارف واكتساب المهارات، غير أن الأهم هو تنشئة جيل يؤمن بأن محفظته ودفتر معارفه، اللذين يخط فيهما كل يوم، ليسا إلا طريقا أوليا نحو معرفة ذاته وبناء دولته، لا التزاما اجتماعيا يسلبه حريته وكرامته. فهو يرى أن "الجميع استقال" من أداء مسؤولياته التاريخية إلا هو، وأن الجميع يناصبه النصائح ويراقب أفعاله، متوقعا له أن يكون في عداد الفاشلين.

حين ترمى الدفاتر

يفترض أن يعد تكسير نوافذ المدارس، ورمي الدفاتر وتمزيقها في الشارع، تصرفا غير لائق تجاه منظومة متكاملة ومتوازنة. فالمتعلم يقف أمام اختبار مكتسباته عند ملمح التخرج، الذي يفترض أن يعزز قيمه وتنوعه وابتكاره، بل إن تحصيله الدراسي السنوي قد لا يتجاوز دفتي الكراس.

ويتشكل هذا "العنف المعرفي" ضد النظام التعليمي، الذي يتخذ صورة الدفتر والمدرسة، في ظل تأخر المناهج عن استيعاب الطاقات المتجددة للطلبة، وكثافة الحشو بدل التنوع، وارتهانها لامتحانات مصيرية تجعل ملمح التخرج المعرفي معلقا بمدى استجابة المتمدرس للنقطة. وهذا التصور للمعرفة هو ما ينفخ الذات المهووسة بالتحطيم والرفض السلبي.

حين يلقي التلميذ دفاتره في الشارع ويمزقها، فهو يعبر ضمنيا عن حالته الاجتماعية والنفسية المتأزمة، لا خلال موسم دراسي فحسب، بل طوال سنوات التمدرس التي يبدو أنها تسرق أحلامه وتحشره في زوايا العلامة الكاملة، لا الابتكار والتنوع. الأمر الذي يجعله إنسانا بلا معنى، هدفه تبرير الإخفاقات المتكررة لمنظومات تعليمية كان من الواجب عصرنتها وتقليل كثافتها، للحفاظ على نقاوة الذات المتعلمة، قبل أن نصطدم في المستقبل بعنف يفوق تحطيم نوافذ المدارس.

تدق أجراس الخطر إزاء مجتمع يظن نفسه متحررا ومواكبا للحضارة ومتناغما مع العصرنة، لكنه في الحقيقة يدخل نفقا معتما، غارقا في أوهام مستوردة

استقالة جماعية

لا يمكننا لوم النظام التعليمي فحسب، فثمة ما يمكن تسميته "استقالة جماعية" انساق إليها طوعا أولئك القائمون على ما يفترض أنهم صناع الهويات والحصن المتين للمستقبل. فإذا نظرنا إلى العائلة والمجتمع، نجد أن كثيرا منهم لا يبرح هوس حصول أبنائهم على أعلى النقاط. كما أن الإفراط في تحميل المناهج وتجريبها دون تقديم نقد حقيقي لها أسهم في حشو عقول المتلقين، بدل أنسنة النظام التعليمي، ما نجم عنه رضوخ شبه كلي للجماعة التربوية وتخليها عن مقاربة المعارف مع واقعها المعاش.

هي استقالة جماعية بكل ما تحمله العبارة من معنى، لا على الجانب التعليمي فحسب، بل امتدت لتطال احترام المدرسة والمعلم والمنظومة والمناهج. فالمجتمع أصبح ينساق نحو وهم الدروس الخصوصية والترندات والتباهي بمكاسب طفولية، في وقت يحتاج فيه المتمدرسون إلى احترام اختياراتهم وأحلامهم.

فلا قيمة للدفتر والمدرسة والسبورة ما لم ندرك أن الخلاص يبدأ أولا من فهم الطفل، ذاك المشروع الأساسي للنظام التعليمي والدولة برمتها.

وحري بنا ألا نتغاضى عن المعضلة التي تجتاحنا مع كل نهاية فصل دراسي. فربما تتمثل ظاهريا في بعثرة الدفاتر وتحطيم نوافذ المدارس، لكنها أعمق بكثير. إذ تدق أجراس الخطر إزاء مجتمع يظن نفسه متحررا ومواكبا للحضارة ومتناغما مع العصرنة، لكنه في الحقيقة يدخل نفقا معتما، غارقا في أوهام مستوردة.

فما نشهده من تصرفات سلبية يرسم صورة موت الإنسان، حيث لا معنى للأشياء ولا قيمة للحضارة، واغتراب موحش يقتات على الطفولة.

ويجدر بالذكر أن دولا عدة عالجت ظاهرة رمي الكراريس بجمعها وإعادة تدويرها ضمن حلقة اقتصادية واعدة، غير أن المسألة لا تقتصر على حلول استعجالية لسلوكيات تنخر بنية المجتمع والنظم التعليمية. فتمزيق الكراريس ليس إلا نتيجة حتمية لتراكمات سياسية واجتماعية.

وما لم نتدارك الأمر بوضع خطط حقيقية لمعالجة هذه الاختلالات، فإننا سنخسر أجيالا متعاقبة أنهكتها الأزمات والجوائح، وأصبحت، مع كل نهاية موسم دراسي، ترمي بذاتها في الشارع، سائلة: "هل من منقذ؟"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق