الأربعاء، 10 يونيو 2026

خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية

 خرافة «الحياد العلمي» في مراكز الأبحاث الغربية

د. جاسم الجزاع


دائماً ما نجد أنه حين يتحدث الأكاديميون أو الباحثون في المحافل الدولية عما يسمى بـ "الحياد العلمي"، يتبادر إلى أذهاننا سريعًا ذلك المختبر المعقم والمنعزل عن أي مؤثرات خارجية وتجرد الباحث من أهوائه ونزعاته، ليقف أمام الحقيقة بعيدا عن أي عوامل مؤثرة إلا من أدواته المنهجية الصارمة، لكننا كلما غصنا في سبر أغوار المنظومة الأكاديمية ، وتأملنا بعمق في تفاصيل "نفسية الباحثين" ودوافعهم الخفية، أدركنا أن هذا الحياد المطلق ليس سوى خرافة حالمة لا وجود لها على أرض الواقع، فالعلماء في نهاية المطاف بشر، يعتريهم تمامًا ما يعتري عامة البشر من تحيزات نفسية، ونزعات أيديولوجية، ورغبات غريزية في التقدير، والوجاهة، أو حتى مجرد البقاء المادي والخوف على المستقبل الوظيفي، فالباحث لا يترك هويته، أو قناعاته الثقافية، أو مخاوفه الاقتصادية عند باب المختبر أو عتبة الجامعة، بل يدخل بها مستسلمًا بوعي أو بدون وعي لآليات توجيه المعرفة، ليتضح لنا أن العقل العلمي ليس آلة مصمتة تُنتج الحقائق المجردة، بل هو كائن حي يتنفس بيئته، ويتأثر بسياقه النفسي والاجتماعي المحيط به.

وهذا التحيز النفسي والمؤسسي لا يظل حبيس الصدور، بل يتجسد بوضوح وبشكل كبير في بنية البحوث الأكاديمية والدراسات الغربية المعاصرة، والتي باتت تُفصَّل في كثير من الأحيان على مقاس أجندات الجهات المموّلة وصانعي السياسات، وتكفينا نظرة فاحصة على تاريخ "صناعة السكر" و"شركات التبغ" في العقود الماضية بالولايات المتحدة، وكيف اشترت اللوبيات والشركات الكبرى ذمم مراكز بحثية جامعية مرموقة لتوجيه أصابع الاتهام في أمراض القلب والوعائية إلى الدهون بدلاً من السكر، أو لتقليل مخاطر التدخين وتضليل الرأي العام العالمي لسنوات طويلة، واليوم، يتكرر المشهد ذاته وبشكل أكثر دهاءً في مراكز الفكر ودراسات العلاقات الدولية والعلوم السياسية والاجتماعية في الغرب، حيث يُعاد توجيه المعارف وصياغة المفاهيم حول حقوق الإنسان، والثقافات والأديان، والصراعات الإقليمية، لخدمة مصالح شركات ذات علاقة بإشعال الحروب والتوتر، أو حتى لتبرير التوجهات الاستعمارية الجديدة، ليتراجع البحث عن "الحقيقة" خطوات إلى الوراء لصالح إرضاء "المموّل" وضمان تدفق أمواله.

ومن يتأمل هذه المعضلة العميقة يجد أنها تعود بالأساس إلى نموذج "تسليع المعرفة"، حيث تحولت الجامعات والمراكز البحثية من منارات علمية تبحث عن الحقيقة المجردة لخدمة الإنسانية والمنفعة العامة، إلى مؤسسات ربحية شبيهة بالشركات، تعتمد في بقائها ونموها وتصنيفاتها الدولية على المنح، والتمويلات الخارجية، وعقود الرعاية التجارية، وهذا الواقع المرير جعل "أمان الباحث" واستمراره في وظيفته مرتهنًا بمدى مواءمة نتائجه البحثية لرغبة الجهة المانحة، تحت شعار خفي ألا وهو "انشر ما يرضينا، أو واجه مشكلة قطع الدعم عنك"، فالعلاج الحقيقي لهذه الآفة، فيبدأ أولاً من تفكيك قدسية هذه المراكز البحثية واحتكارها لإنتاج المعرفة، والاعتراف الصريح بوجود هذه التحيزات في عقول الباحثين دون مجاملة، ويتطلب هذا الأمر عمليًا السعي نحو إيجاد قنوات تمويل بديلة ومستقلة كإحياء نظام الأوقاف العلمية- كما كان معمولا به في تراثنا العربي الإسلامي- والصناديق التشاركية المجتمعية المستقلة عن نفوذ الشركات الكبرى والسياسيين بالتوازي مع فرض معايير أخلاقية صارمة للشفافية تلزم الباحثين بالإفصاح الكامل والعلني عن أي تضارب محتمل في إنتاج المعرفة، ليعود البحث العلمي إلى مساره الصحيح كأداة لنهضة الإنسان، وحمايتها من أن تكون وسيلة لشرعنة أهداف رأس المال المتوحش.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق