
في مسيرة الأمّة الإسلاميّة عبر التاريخ، لم يكن الخطر الأعظم نابعًا في الغالب من سيوف الأعداء بقدر ما كان وليدَ الداخل؛ حين يتحوّل الدين من قوّة باعثة على اليقظة والتحرّر والعدل، إلى أداة للصمت والتبرير والخضوع. فما أكثر الحضارات التي لم تسقط تحت وطأة الغزو الخارجي، بل انهارت من داخلها حين فُرِّغت من معناها، وتآكلت رسالتها، وانطفأت روحها.
وإنّ أخطر ما يتهدّد الأمّة الإسلاميّة اليوم هو ما يمكن تسميته بـ«الإسلام الانسحابي»؛ ذلك الفهم للدين الذي لا يقف في وجه الظلم، ولا يوقظ ضمير المجتمع، ولا يفتح أفق التحرّر والنهضة، بل يكتفي بتسكين الألم وتبرير الواقع.
الإسلام الانسحابي: قراءة مفرغة لدين حيّ
ليس الإسلام الانسحابي مذهبًا جديدًا ولا تيارًا مستقلاً، بل هو قراءة اختزالية للدين تُفرغه من رسالته التاريخية والحضارية. ففي هذا الفهم، يُختزل الإسلام في طقوس فردية وشعائر شكلية ومواعظ أخلاقية معزولة عن قضايا العدل والحرية ومواجهة الظلم. تُقام الصلاة، لكن تغيب العدالة؛ ويُدعى إلى الصبر، لا في وجه الابتلاء فحسب، بل في مواجهة القهر؛ وتُمجَّد الطاعة، بينما تُهمَّش كرامة الإنسان.
إنه تدين يدعو إلى التكيّف بدل التغيير، وإلى الاستسلام بدل المقاومة، ويحوّل الإيمان من طاقة فاعلة إلى حالة من الخضوع السلبي.
المؤسّسات الدينية وإعادة إنتاج السكون المقدّس
في غير قليل من المجتمعات الإسلامية، أسهمت بعض المؤسّسات الدينية -عن قصد أو عن غير قصد- في تكريس هذا النمط من التدين. فبدل أن تكون صوت الضمير الحيّ، تحوّلت إلى أدوات لتبرير الواقع القائم ومنحه غطاءً شرعيًا.
ومن أبرز مظاهر ذلك:
تبرير الظلم الاجتماعي والاقتصادي بلبوس ديني؛
قراءة انتقائية للنصوص الشرعية تخدم مصالح السلطة؛
تخوين كل صوت ناقد ووصمه بالفتنة أو الخروج عن الجماعة؛
الترويج لتدين فردي منزوع الحسّ الاجتماعي والمسؤولية الجماعية.
وبذلك يتحوّل الدين من قوة تحرير وبناء إلى وسيلة للضبط الاجتماعي وترسيخ السكون.
آليات تفريغ الدين من جوهره التحرّري
يتم تفريغ الدين من روحه عبر مسارات متعددة، من أبرزها:
1- تعطيل مفاهيم مركزية كالجهاد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛
2- تقديس الواقع القائم واعتباره قضاءً إلهيًا لا يجوز تغييره؛
3- قمع الفكر النقدي ووصمه بالبدعة أو التفرقة أو تهديد الوحدة؛
4- إنتاج فقهٍ يُعلي من شأن الاستقرار على حساب الحق؛
5- فصل الدين عن قضايا الفقر والظلم والاستعمار والتمييز.
المآلات الحضارية لتديّنٍ بلا روح
إن مآل هذا المسار مجتمعٌ يحتفظ بالمظاهر الدينية لكنه يفتقد الإرادة الفاعلة؛ إيمان بلا أثر، وشعائر بلا روح. ينشأ جيل إمّا منسحب إلى اللامبالاة، أو مندفع نحو تطرّفٍ مضادّ، وفي الحالتين يفقد الدين دوره الحضاري والإنساني.
العودة إلى الإسلام الرسالي: طريق الخلاص
إن الخلاص لا يكمن في نبذ الدين، بل في العودة إلى الإسلام الأصيل، الإسلام الرسالي الذي جاء به النبي ﷺ لتحرير الإنسان من كل عبودية سوى عبودية الله، ولإقامة العدل في الأرض.
إسلام يربط الإيمان بالمسؤولية الاجتماعية، ويجعل العبادة طريقًا للعدل، لا بديلاً عنه.
وهذا يقتضي:
استقلال العلماء فكريًا وأخلاقيًا؛
إعادة قراءة التراث في ضوء مقاصد الشريعة وروحها؛
إعادة وصل الدين بقضايا الناس وآلامهم الواقعية؛
تربية جيل واعٍ، شجاع، ومسؤول.
إن الخطر الأكبر الذي يتهدّد الأمة اليوم ليس عدوانًا عسكريًا، بل فراغًا داخليًا يفرغ الدين من مضمونه التاريخي والإنساني. فحين يتحوّل الإسلام إلى قشرة بلا روح، يغدو المجتمع هشًّا من الداخل.
وحده الإسلام الحيّ، الواعي، المسؤول، القادر على إحياء الضمائر وبعث الإرادة وبناء مستقبل يليق بكرامة الإنسان — هو الكفيل بإعادة الأمة إلى موقعها في مسار التاريخ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق