نقطة نظام
موقِفٌ مُحْرِج!
الغيرةُ هي إحدى لغاتِ الحُبِّ، حين يَفيضُ عن حدِّ الاحتمال.
إنَّها ليست شكًّا أعمى، بقدر ما هي دفاعٌ عن مُمتلكاتِ القلب.
في بيتٍ تتنزَّلُ فيه الآيات، وتُصاغُ فيه الأخلاقُ قبل الأقوال، ظهرتِ الغيرةُ كما تظهرُ في كلِّ بيتٍ من بيوتِ النَّاس؛ صافيةً، عفويّةً، منساقةً مع الفطرة، بلا تزييفٍ ولا ادِّعاء.
كان من عادةِ النَّبيِّ ﷺ أنْ يقسِمَ المَبيتَ بين نسائه، لكلِّ واحدةٍ منهنَّ ليلتُها. وكانت تلك ليلةَ عائشة رضي الله عنها. وكان يجلسُ في بيتها، وعنده بعضُ أصحابه، الذين كانوا على موعدٍ مع درسٍ عظيمٍ من دروسِ الحياةِ الزَّوجيَّة؛ درسٍ يُريك كيف يُطفئ الزَّوجُ الحكيمُ فتيلَ مشكلة.
كان كلُّ شيءٍ يسيرُ على ما يُرام، إلى أن قُرِعَ الباب، وقامت عائشةُ رضي اللهُ عنها لتفتح، فإذا هي بخادمِ زينبَ بنتِ جحشٍ رضي اللهُ عنها، وبيده قصعةُ طعامٍ طبختْه، فاجتهدتْ أن يأكلَ النَّبيُّ ﷺ.
تأجّجتْ نارُ الغيرةِ في قلبِ عائشةَ رضي اللهُ عنها؛ إنَّه بعُرفِ الضرائر اعتداءٌ صارخٌ على ليلتها، وبعُرفِ المرأةِ التي تفهمُ المرأة: ليست قصعةَ طعامٍ فحسب، بل رسالةَ حبٍّ مفادُها: لم تَطِبْ لنفسي أن آكلَ دونك.
فتضربُ عائشةُ رضي اللهُ عنها يدَ الخادم، وتقعُ القصعة، فتنكسر، وينسكبُ ما فيها من طعامٍ على الأرض.
يا لهُ من موقفٍ مُحرِجٍ لزوج!
ضع نفسَك مكانَ النَّبيِّ ﷺ، وأخبرني عن مشاعرك في تلك اللَّحظة. لعلّك أوّلَ ما ستفكِّرُ به أنَّك قد أُهنتَ أمام ضيوفك، وأنّ فعلًا كهذا يستوجبُ ردًّا لحفظِ ماءِ الوجه، ولا يجبُ بأيِّ حالٍ من الأحوال أن يمرَّ مرورَ الكرام.
والآن، انظرْ إلى النَّبيِّ ﷺ كيف تصرَّف في موقفٍ أحسبُه أنا وأنت انتقاصًا من رجولتنا، وتعالَ نتعلّمِ الدرسَ من سيّدِ الرِّجال.
لم يفعلِ النَّبيُّ ﷺ شيئًا أكثرَ من أن جلسَ على رُكبتيه، وجمعَ أجزاءَ القصعةِ المكسورة، ولملَم بقايا الطَّعامِ المتناثرِ على الأرض، وقال لمن حوله مبتسمًا: غارتْ أُمُّكم.
ثمّ قال لعائشةَ رضي اللهُ عنها: أعطيها قصعتَك.
حربٌ زوجيّةٌ كانت على وشكِ أن تقع، وإن شئتَ فقل: شرارةُ طلاق، ولكنّ النَّبيَّ ﷺ أطفأَ كلَّ هذا بهدوئه، واتّزانه، وفقهه.
عَلِمَ أنَّ المرأةَ تغارُ في مثلِ هذه المواقف، والمحبُّ إذا غارَ يفقدُ شيئًا من اتِّزانه ولباقته. نحن نستشعرُ هذا إذا ما تعلَّق الأمرُ بقلوبِنا.
الحياةُ الزوجيَّة، والتَّعاملُ اليوميُّ، وضغوطُ الحياة، تضعُنا دائمًا أمام مشروعِ حربٍ وقطيعة، ولكنّ ردَّ فعلِنا هو الذي إمَّا يصبُّ زيتًا على النَّار، أو ينتزعُ فتيلَ القنبلةِ قبل انفجارها.
ومخطئٌ جدًّا من يعتقدُ أنَّ الحياةَ الزوجيَّة ساحةُ حربٍ عليه أن ينتصرَ في كلِّ معركةٍ فيها.
على العكسِ تمامًا؛ إنَّ الحياةَ الزوجيَّة لا تستمرُّ إلَّا بالتَّغاضي: تغاضي الزَّوج، وتغاضي الزَّوجة. ولو توقَّفنا عند كلِّ خطأ، ووقفنا عند كلِّ موقف، وحلَّلنا كلَّ كلمةٍ، لأصبحتِ الحياةُ الزَّوجيَّة جحيمًا لا يُطاق.
ثمّ انظرْ إلى النَّبيِّ ﷺ: إنَّه لا يتغاضى عنها فقط، بل يلتمسُ لها العذر: «غارتْ أُمُّكم». لقد راعى طبعَها، وطبعَ المرأةِ أن تأخذَها عاطفتُها بعيدًا، وتُخرجَها غيرتُها عن لباقةِ التَّصرف، وتُفقدَها شيئًا من اتِّزانها إذا شعرتْ بالتَّهديد. ولا يوجدُ تهديدٌ للمرأةِ أكثرُ من المرأة.
الحياةُ الزوجيّة ميثاقٌ غليظ، وعهدٌ كُتِبَ في السماء، فكان في الأرض. بناءٌ شيَّدناه في لحظة، وعلينا أن نحميَه ونحافظَ عليه كلَّ يوم.
إنَّها تشارك يدًا بيد؛ تحمِلُها مرَّة، وتحمِلُك مرَّة، تتغاضينَ له مرّةً، ويتغاضى لكِ مرّةً،
تسامحينَ لأنّكِ بحاجةٍ إلى أنْ تُسامَحي، وتغفرينَ لأنّكِ بحاجةٍ إلى أن يُغفَرَ لكِ.
هذه قصّةٌ لا تُروى لبيانِ حادثةٍ، بل لتُعلِّمَنا أنّ بيتَ النَّبيِّ ﷺ لم يكن مثالًا بعيدًا عن البشر، إنّما كان أقربَ البيوتِ إلى قلوبهم؛ لأنَّه عاشَ الإنسانيّة، ثمّ ارتقى بها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق