السبت، 6 يونيو 2026

وقفات مع آيات (32).. أهل المبادرة والهمم العالية

 وقفات مع آيات (32).. أهل المبادرة والهمم العالية


قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾

هذه الآية لا تصف مجرد فاعلي الخير، بل تصف أهل المبادرة والهمم العالية؛ الذين لا ينتظرون تمام العافية، ولا خلو الطريق من العوائق، بل يسارعون إلى ما يستطيعون من الخير، كأنهم يخافون أن تفوتهم الفرصة.

وقال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

وهذه آية جامعة في كل عمل نافع، دينيًا كان أو اجتماعيًا؛ فالخير ميدان واسع يشمل العبادة، والنفع، والبذل، والإصلاح، والدعوة، وخدمة الناس. والفلاح لا يُنال بالتمني، بل بفعل الخير والسعي إليه.

وقد عرفتُ رجلين فاضلين زمنًا، ثم فرّقت بيننا الأيام والحوادث. أصيب أحدهما بشلل شبه كامل إثر حادث سيارة مروّع، وأصيب الآخر بجلطة أثّرت في كثير من قدراته الحركية والكلامية.

زرت الأول بعد سنوات، فوجدته على كرسي متحرك، لا يكاد يحرك إلا يده بصعوبة، أما الجزء السفلي من جسده فقد شُلّ بالكامل. حاول واجتهد في البحث عن علاج، وطرق أبواب الطب ما استطاع، حتى إذا أُغلقت أمامه السبل، سلّم أمره لله، ورضي بقضائه، ولم يجعل عجز الجسد عجزًا للروح.

وكان العجيب أن هذا الرجل كان مشرفًا على مشروع دعوي وتعليمي ضخم في آسيا، وقد زرته هناك أكثر من مرة قبل مرضه. فلما سألته عن المشروع، أجابني بثقة عجيبة: ما زلت أتابعه.

قلت متعجبًا: مع حالك هذه؟

قال: نعم. أسافر بالطائرة، ومعي مرافق يتولى أمر الكرسي وحركتي، وأذهب هناك بانتظام، أتابع البرامج، وأشرف على العمل، ولم أتخلَّ عن مسؤوليتي.

أكبرتُ ذلك منه، واتهمت نفسي. 

قلت في داخلي: كم من صحيح الجسد مقصر الهمة، وكم من مبتلى مبادر معطاء! ليست العافية دائمًا في سلامة البدن؛ فقد يكون الجسد صحيحًا والهمة مشلولة، وقد يضعف البدن وتبقى الروح متقدة.

أما الثاني، فقد اجتهد في العلاج، وتحسن قليلًا بفضل الله ثم بالعلاج الطبيعي. وكان لديه مشروع تعليمي عالمي، له صيت وحضور في عدد من البلدان. 

سألته عن عمله بعد ما أصابه، فقال إن السيارة تنقله يوميًا بعد برنامج العلاج الطبيعي إلى المكتب، ومن هناك يتابع المشاريع، وينسق المؤتمرات، ويرتب البرامج والمحاضرات.

ورغم ما أصاب كلامه من صعوبة، كانت قوة الحماس والإيمان بمشروعه أكبر من أثر المرض. كأن عزيمته كانت تتكلم عنه حين يعجز لسانه، فاستمر مقدامًا، مكافحًا، باذلًا.

 لقد علّمني هذان الرجلان أن البلاء لا  يوقف الإنسان دائمًا، وإنما يكشف معدنه. وأن بعض الناس إذا ضاقت بهم الأجساد اتسعت أرواحهم، وإذا تعطلت منهم الجوارح نهضت منهم الهمم.

إن العمل الصالح يحتاج إلى قلب حي، وصدق مع الله، وإحساس عميق بالواجب. 

فكم من معافى يعيش على هامش الحياة، وكم من مبتلى صار ببلائه شاهدًا على معنى العزيمة والرضا والبذل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق