زرقاء اليمامة في برج فوكو
حين يقف إبهامك ثواني معدودة فوق شاشة الهاتف، تكتب رأياً صادقاً ثم تعود لتمحوه حرفاً بحرف، لا، لأنك اكتشفت خطأه، بل لأنك تخيلت وجوه الذين سيقرؤونه، تكون قد فعلت شيئاً أخطر من الصمت.
لقد استعرت عيون الآخرين كي تراقب بها نفسك.
لم يطلب منك أحد أن تحذف، ولم يصل إليك اعتراض، ولم تقع الإدانة التي تخشاها، لكنك رأيتها قبل أن تحدث، وسمعت الأحكام قبل أن تُقال، فأسرعت إلى تهذيب نفسك وفقاً لها. نسمي هذا حكمة أو مراعاة أو حفاظاً على الصورة، لكن المراعاة تختار كيف تقول الحقيقة، أما هذا فيغير ما تراه لتنجو صورتك، فلا تحمي علاقتك بالآخرين بقدر ما تسلمهم عينيك.
كانت زرقاء اليمامة في الموروث العربي تُبصر الجيش قادماً من مسيرة ثلاثة أيام. وحين رأت جنود الأعداء يتخفون خلف أغصان الشجر التي يحملونها ليستروا زحفهم، حذرت قومها فسخروا منها وكذبوا عينها التي رأت أبعد منهم، حتى داهمهم العدو فهُزموا. لم تكن مأساتها أنها أخطأت النظر، بل إن الحقيقة التي رأتها لم تحصل على موافقة الجماعة.
أما زرقاء اليمامة الجديدة فلا تنتظر قومها حتى يكذبوها، بل تسبقهم إلى ذلك. لم يعد العدو خارج السور، بل صار الرقيب داخل الرأس. ما إن ترى شيئاً حتى تشك في رؤيتها، وما إن تشعر بشيء حتى تعرض شعورها على عيون الآخرين، فلا تصدق ما رأت حتى يصدّقه الآخرون.
وهكذا نحكم على الفكرة قبل أن نقولها. قبل أن تكتب رأياً أو تتخذ موقفاً، يمر في ذهنك شريط سريع:
ماذا سيقول عني الناس؟ كيف سيفهمني أصدقائي؟ وهل تبقى صورتي كما يعرفونها إن قلت ما لا يتوقعونه؟ وحين تصبح كل فكرة رهينة هذا السؤال، فكيف تعرف أن مواقفك اليوم نابعة منك حقاً، لا مجرد خيارات آمنة اخترتها خوفاً من أن يتخلى عنك الناس؟
وهذه الرقابة التي نمارسها على أنفسنا هي بالضبط ما فككه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب» عام 1975، حين درس كيف تتحكم السلطة في الإنسان الحديث.
لم تعد السلطة عنده تحتاج سوطاً ولا سجاناً، يكفي أن تجعلك تشعر أنك مُراقب فتتولى أنت حراسة نفسك. وقد وجد صورته المثالية في سجن تخيلي صممه المفكر جيريمي بنثام قبل قرنين، تُبنى فيه الزنازين في دائرة حول برج حارس واحد.
لا يرى السجين داخل البرج، فلا يعرف متى تُراقبه العين ومتى تغفل، فيفترض أنها تراه دائماً، ويبدأ يراقب نفسه بنفسه.
أدرك فوكو أن قوة هذا السجن ليست في الحارس، بل في رأس السجين الذي حمل الحارس إلى داخله.
لكن برجنا اليوم لا يقف في منتصف جدران حجرية، بل نحمله في عقولنا وعلى شاشات هواتفنا. تدخل معنا تلك العيون فنغير نبرة صوتنا قبل أن يتكلم أحد، وترافقنا إلى التمرير اللانهائي فنحذف جملة لمجرد أنها قد تُفهم على غير ما أردنا.
قد تقول: وما العيب في أن نراعي من حولنا؟ أليس الإنسان كائناً اجتماعياً لا يعيش خارج جماعته؟ هذا صحيح، والاستقلال ليس أن يقول المرء كل ما يخطر له. الضمير نفسه عين نحتاج إليها.
لكن الفارق أن الضمير يسألك إن كان فعلك صحيحاً من الداخل، أما الرقيب الاجتماعي فيسألك إن كان مقبولاً من الخارج، فيعيد تشكيلك حتى تصبح النسخة التي لا يعترض عليها أحد، لأنها لم تعد تحمل منك ما يكفي لإزعاجهم.
والثمن ليس تردداً عابراً، بل استنزاف صامت.
لا يتنازل المرء عن ذاته دفعة واحدة، بل على أقساط صغيرة لا تثير الخوف: بكلمة يبتلعها اليوم، وموقف يؤجله غداً، ورغبة يتخلى عنها حتى ينسى أنها كانت له. وبمرور الوقت، تتوقف العين عن رؤية الأشياء كما هي، وتبدأ في رؤيتها كما تسمح الجماعة أن تُرى.
والأخطر أن جيلاً كاملاً ينشأ اليوم داخل هذا البرج دون أن يعرف أن له باباً. جيل وُلد والشاشة في يده، تعلم أن يقيس قيمة الفكرة بعدد من يوافق عليها، وأن يعرض مشاعره للتصويت قبل أن يعيشها.
لن يحتاج من يكذب رؤيته كما كُذبت زرقاء اليمامة، لأنه لم يعد يملك رؤية خاماً لم تمر على تصويت الآخرين أولاً.
وإذا كانت مأساة زرقاء اليمامة قديماً أن قومها لم يصدقوا ما رأت، فإن مأساتنا اليوم أننا حملنا قومنا إلى داخل أعيننا، فلم نعد نصدق ما نراه حتى يمنحونا الإذن.
ولو دخلت زرقاء اليمامة برج فوكو اليوم، لما رفعت رأسها بحثاً عن الحارس في الأعلى، بل اكتشفت أن البرج غادر مكانه منذ زمن، وأعيد بناؤه خلف عينيها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق