الاثنين، 15 يونيو 2026

تعزية للدكتورة رانيا وأطفالها الستة في الجامع الأموي

 تعزية للدكتورة رانيا وأطفالها الستة في الجامع الأموي


ياسين أقطاي 

- يني شفق - ترجمة و تحرير ترك برس

دمشق. قبل فترة، وبعد إلقاء القبض على أمجد يوسف، المعروف في سوريا باسم «جزار التضامن»، في مكان اختبائه، كشفت التحقيقات التي أُجريت معه وما جرى الحصول عليه من معلومات وبيانات، الستار عن اختفاء الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة مع زوجها قبل ثلاثة عشر عاماً.

وأظهر مقطع فيديو عُثر عليه في هاتف أمجد يوسف كيف جرى قتل الأطفال الستة بوحشية، وهم في منتهى البراءة والجمال، وأصغرهم لم يتجاوز عامه الأول. ومن خلف الكاميرا التي كانت تتجول فوق أجسادهم الهامدة، كانت تُسمع أصوات قاتليهم وهم يصرخون: «انتقام».

أيُّ انتقام؟ وممن الانتقام؟ وأيُّ ألم تسبب فيه هؤلاء الأطفال، أو أيُّ ضرر ألحقوه بأحد، حتى يُلقى على عاتق حياتهم عبء انتقام كهذا؟

وبعد القبض على هؤلاء القتلة، بدأت تفاصيل الحياة المأساوية التي عاشتها سوريا طوال أربعة وخمسين عاماً تظهر إلى العلن بشكل أوضح، كما استعادها من بقي على قيد الحياة.

كنا نتابع ما يجري في سوريا من خلال أولئك الذين لجأوا إلى بلادنا. وبالطبع، لم يكن بمقدور أحد أن يتخيل، من دون أن يعيش التجربة بنفسه، نوع الحياة التي تركها وراءه أولئك الذين اضطروا إلى الفرار من بيوتهم وأوطانهم واللجوء إلى تركيا.

فالذين جاؤوا بهذه الطريقة كانوا يحملون معهم، في الحقيقة، شرعية ما حدث في بلادهم. إذ لا يمكن لأي نظام يدفع شعبه بأكمله إلى الفرار منه بهذه الصورة أن يمتلك أي مبرر لوجوده.

سبق أن كتبت عن ذلك. فأسرة الدكتورة رانيا العباسي تعود بجذورها إلى تيلو في سيرت. وكان والدها محمد عيد العباسي عالماً إسلامياً كبيراً، وله العديد من المؤلفات، من أبرزها كتب حول حقوق الإنسان في الإسلام، ونتائج التعصب المذهبي في الإسلام.

وقد وُلد محمد عيد العباسي نفسه في دمشق عام 1938، بعدما هاجر والده في ثلاثينيات القرن الماضي من تيلو لتحصيل العلوم الإسلامية.

ومنذ البداية تلقى تعليماً متميزاً، وتخصص في العلوم الإسلامية. وفي عام 1980، اعتُقل في أجواء سياسية كان مجرد الاشتباه بالانتماء إلى جماعة الإخوان فيها كافياً للزج بالشخص في السجن أو قتله، وقضى أربعة عشر عاماً في سجن تدمر.

نحن نقول إنه «قضى» أربعة عشر عاماً هناك، لكن عندما تستمع إليه، لا يسعك إلا أن تندهش كيف أمكنه أن يعيش كل تلك السنوات.

حتى الاستماع إلى ما يرويه عن السجن يجعلك تشعر بالخجل من إنسانيتك.

أيُّ كراهية هذه؟ وأيُّ حقد؟ وأيُّ عداوة يمكن أن تدفع الإنسان إلى أن يفعل بالإنسان كل ذلك؟

هل يمكنكم أن تتخيلوا مكاناً لا تتجاوز مساحته ثلاثين متراً مربعاً، يعيش فيه مئة وثلاثون شخصاً متلاصقين بأجسادهم، متكئين بعضهم على بعض، لأسابيع وأشهر؟

وكيف يمكن لكيس دقيق يوضع أمام الباب على أنه طعام أن يكون كافياً لإبقاء هذا العدد الكبير من الناس على قيد الحياة؟

كيف استطاع الناس في بقية أنحاء العالم أن يواصلوا حياتهم الطبيعية بينما كانت كل هذه الفظائع تجري في مكان أصبحت فيه التعذيب أكثر سلوكيات الدولة اعتياداً ومنهجية؟

وكيف عاش الشعب السوري كل تلك السنوات تحت حكم هذا النظام؟

لقد كان نظام المخابرات متغلغلاً في كل غرفة من غرف المنازل، وكان يمد آلة التعذيب هذه بضحايا جدد باستمرار.

فأيُّ نوع من الدول يمكن أن يكون ذلك الذي يجعل الأخ مخبراً على أخيه، والمرأة على زوجها، والزوج على زوجته، ويقضي على ثقة الإنسان بالإنسان إلى هذا الحد؟

وبالطبع، لم يكن الإخوة يشي بعضهم ببعض، ولا النساء بأزواجهن، طوعاً.

فعندما يُفرض الإبلاغ تحت وطأة التعذيب، لا يعود من الضروري أن يكون المرء متعاوناً أو عميلاً حتى تُنتزع منه اعترافات كاذبة ومضللة.

لقد حوّلت شبكة السجون المنتشرة في أنحاء البلاد التعذيب إلى قطاع اقتصادي، إلى آلة تحتاج باستمرار إلى ضحايا جدد كي تستمر في العمل.

وكان لا بد لعجلة هذا القطاع أن تستمر في الدوران، وألا تتوقف الآلة عن العمل.

ولذلك، لم يكن أمجد يوسف الوحش الوحيد في تلك المنظومة، كما لم تكن الدكتورة رانيا وأطفالها الستة الضحايا الوحيدين أو الأكثر مأساوية فيها.

ولا شك أن قصة الدكتورة رانيا وأطفالها الستة اكتسبت ثقلاً خاصاً ودلالة رمزية في الكشف عن واقع ستين عاماً من التعذيب الممنهج والمجازر وحالات الإخفاء القسري.

وبحكم أصول الأسرة القادمة من سيرت، انطلقنا إلى سوريا للمشاركة في مراسم العزاء بدعوة من مؤسسة سيرت.

وجئنا إلى دمشق لتقديم واجب العزاء برفقة حمزة بولدو، أحد أقارب الأسرة، وزكي أك يوزلو، الذي يعمل في مؤسسة سيرت كجيش إغاثي إنساني بمفرده، والنائب السابق في الدورة الرابعة والعشرين عفيف دمير قران، ونائب بورصة محمد مفيد أيدن، ورئيس مؤسسة الوحدة في أنقرة يوسف مجاهيت أوغلو، وأمين المظالم أوزجان يلدز، ورجال الأعمال من سيرت: فكرت بايردارمان، وآياز أك قويون، ومراد أوزومجو، وعبد الله شانلي، وشامل غولباران، وأورال أوجي، إلى جانب أعضاء آخرين.

وبعد نصف ساعة فقط من هبوط طائرتنا القادمة من إسطنبول إلى دمشق، حطّت طائرة محمد عيد العباسي القادمة من الرياض.

وهكذا، كان من نصيبنا أن نستقبله في مطار دمشق للمرة الأولى منذ ستة وعشرين عاماً.

ولا شك أن مشاهدة لحظة اللقاء تلك كانت شعوراً استثنائياً.

إنها لحظة العودة إلى الوطن بعد ستة وعشرين عاماً من الإبعاد القسري.

ومع استحضار ما سمعناه منه عن معاناته السابقة، لا يسعنا إلا أن نقول إن هناك من قضى ستة وعشرين عاماً، بل وأربعين عاماً، في سجني تدمر وصيدنايا، في ظروف أشد قسوة.

وقد جاءت السيدة العباسي مع ابنتها، وكانتا غارقتين في مشاعر الحماس والتأثر.

وبعد حديث قصير في المطار، غادرنا المكان.

أما هم، فتوجهوا إلى منزلهم الذي اضطروا إلى مغادرته قبل ستة وعشرين عاماً، والذي ظل لفترة طويلة تحت سيطرة أحد ضباط حزب البعث.

وكانوا قد استعادوا منزلهم قبل فترة وجيزة، حيث أعدّه لهم بقية أفراد العائلة.

وأدينا صلاة الجمعة في الجامع الأموي، حيث ألقى خطبة الجمعة مفتي حمص، سهل جنيد، أحد الرموز الروحية للثورة، ومن كبار الدعاة، وعضو مجلس العلماء الأعلى في سوريا.

وفي خطبته، ذكّر الإمام بالدَّين المستحق للشهداء الذين بفضل تضحياتهم نعيش اليوم هذه الحرية التي لم يكن من الممكن حتى تخيلها قبل عام ونصف، ودعا إلى عدم نسيان هذا الدَّين أبداً.

وبعد صلاة الجمعة، انتقلنا إلى قاعة الشرف في الجامع الأموي لتقديم واجب العزاء.

وقد جرى تخصيص هذه القاعة لهذه المناسبة بمبادرة من السفارة التركية، واستجابة إيجابية من السلطات السورية.

وفي الظروف العادية، لا تُستخدم هذه القاعة لتلقي التعازي إلا في حالات استثنائية جداً.

وفي هذا اللقاء المؤثر، الذي حضره أيضاً صهرا محمد عيد العباسي الآخران وأحفاده، اجتمع أفراد أسرة الفقيدة مع أبناء سيرت، مسقط رأسها وموطن أجدادها، إلى جانب سوريين قدموا من مختلف المناطق.

وشارك في مجلس العزاء نواب يمثلون الشعب السوري، وشيوخ عشائر وقبائل، وممثلون عن منظمات المجتمع المدني، وأشخاص من مختلف فئات المجتمع.

وكان الجميع يردد الحقيقة نفسها: إن الجغرافيا لا تستطيع قطع روابط الدم، والحدود لا تستطيع اقتلاع الجذور.

وقد أظهر هذا اللقاء، بما حمله من أبعاد إنسانية وروح تضامن، مرة أخرى، أنه لا يمكن القبول بالفرقة والانقطاع بين أبناء الأمة الواحدة.

وتحدث بعض الحاضرين معزين ذوي الشهداء، وقالوا إن معرفتهم بالأصول التركية لهؤلاء الشهداء تحمل بالنسبة إليهم معنى خاصاً.

وأكدوا أن الموقف النبيل الذي وقفت به تركيا إلى جانب أشقائها السوريين منذ البداية لن يُنسى أبداً.

وفي الحقيقة، فإننا، من خلال تقديم العزاء لهؤلاء الشهداء من أصول تركية، كنا نقدم العزاء أيضاً لمليون سوري استشهدوا خلال المحنة العصيبة التي عاشها شعبهم.

فالدكتورة رانيا وزوجها وأطفالها الستة ليسوا سوى نموذج واحد من بين مليون شهيد، وربما مئات الآلاف من المفقودين الذين اختفوا بالطريقة نفسها ولا يزال مصيرهم مجهولاً.

فلا دم أحد أغلى من دم الآخر أو أقل قيمة منه.

لقد كانت دماء هؤلاء الشهداء هي التي مهدت الطريق لسوريا الحرة التي نراها اليوم.

 عن الكاتب  

ياسين أقطاي

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق