الخميس، 29 يوليو 2021

الحكَّاء (22) | رحلة إلى معسكر الموت

 الحكَّاء (22) | رحلة إلى معسكر الموت
 
لوحة "تريّض السجناء"، فان جوخ 

أسعد طه


(1)

يمكن للبطل أن يختار أصعب المهام، وأن يقاتل في الصفوف الأولى، وأن يتسلَّل خلف خطوط العدو ويشارك في مهمة انتحارية، ولكن هل يصل إلى الحد الذي يقرر فيه طواعية أن يلتحق بمعسكر اعتقال يُسجن الناس فيه ويُعذَّبون، بل ويُحرَقون حرقا جماعيا؟! هذا تماما ما فعله صاحب هذه الحكاية.

كان يؤمن بأن طبيعة مهمته استخباراتية في المقام الأول، والهدف منها كشف سر معسكر غامض يقع على بعد 50 كيلومترا من مدينة كراكوف، وتحدث فيه جرائم التعذيب بشكل يومي، على أمل حشد أكبر دعم دولي للقتال ضد ألمانيا النازية. في وقت لم تكن أميركا قد حسمت قرارها بالقتال في أوروبا

(2)

في 13 مايو/أيار 1901 ولد "فيتولد بليتسكي" لأبوين كاثوليكيين بولنديين، وبعد أن خدم في الجيش، استقرَّ في مدينة ليدا التي كانت -آنذاك- تضمّها بولندا، قبل أن تصبح تابعة لبيلاروسيا، وفي عمر الـ30 يتزوَّج من معلمة وينجب منها طفلين، لتعيش أسرته حياة سعيدة هادئة لا تعرف الخطر، يستمتع في مزرعته بالرسم وكتابة الشعر، لكن لا حال يدوم.

في أغسطس/آب 1939 تنشب الحرب العالمية الثانية وتجتاح القوات النازية بولندا، فيُستدعى بليتسكي للدفاع عن بلده ضدّ الغزو النازي، وعندما تُهزم بلاده يسارع بالانتقال إلى العاصمة وارسو للانضمام إلى المقاومة البولندية السرية.

بعدها بعام تُعتقل مجموعة من المعارضين السياسيين البولنديين، ويزجّ بها في معسكر أقيم بمنطقة أوشفيتز، وبعد فترة وجيزة، تصل برقيات تُبلغ أُسر السجناء بوفاتهم، يثير الأمر شكوك المقاومة، فيتطوَّع بليتسكي لكشف الحقيقة التي لا يرى من سبيل إلى ذلك سوى أن يدخل إلى قلب هذا المعسكر، ومن ثمَّ يتخذ أخطر قرارات حياته.

كان يؤمن بأن طبيعة مهمته استخباراتية في المقام الأول، والهدف منها كشف سر معسكر غامض يقع على بعد 50 كيلومترا من مدينة كراكوف، وتحدث فيه جرائم التعذيب بشكل يومي، على أمل حشد أكبر دعم دولي للقتال ضد ألمانيا النازية. في وقت لم تكن أميركا قد حسمت قرارها بالقتال في أوروبا، بل كانت قطاعات كبيرة من الرأي العام الألماني نفسه لا تعلم طبيعة النظام النازي، فيما هناك شعوب ما زالت تعتقد أنَّ في ألمانيا النازية نظاما جاء لتحريرهم، ولذلك سلَّم السكان مدنهم له.

وكان الهدف فضح النظام النازي عالميّا وحشد أكبر قدر من الدعم للقضية البولندية بتأليب مزيد من بلاد وشعوب ضد النازية.

(3)

يَفتعل أزمة مع السلطات النازية كمعارض سياسي، فتسير الخطة كما أرادها، ويُلقى القبض عليه، ويُحتجز في مكان مدة يومين مع ما يُقدَّر بحوالي 1800 سجين سياسي قبل نقلهم إلى معسكر أوشفيتز، ليذوق هناك العذاب، ويختبر الموت لعامين ونصف العام.

اعتبر بليتسكي أنَّ لديه مهمتين؛ الأولى رفع معنويات السجناء السياسيين البولنديين من خلال جلب الأخبار من خارج المعتقل، والثانية إرسال تقرير عن ظروف المعتقل إلى المقاومة البولندية في الخارج لتنقله بدورها إلى الحلفاء؛ حيث كان المعتقل محاطا بقدر كبير من السريّة حتى على الداخل الألماني نفسه.

وبالفعل ينجح في أكتوبر/تشرين الأول 1940 في إرسال تقريره الأول مع سجين أُطلق سراحه في حالة نادرة، فتتلقى المقاومة البولندية التقرير، ليصاب الجميع بصدمة حقيقية، فما نقله إليهم صاحبنا أكثر بشاعة من تخيّلاتهم.

يخبرهم التقرير أن معسكر الاعتقال ليس مخصصا فقط لاحتجاز سجناء سياسيين بولنديين، وإنما يضم -إلى جانب البولنديين- سوفيات وغجر، وأن لليهود نصيبهم الأكبر.

ويحكي أن المعسكر شهد أولى عمليات الإعدام بأفران الغاز، والتي مورست أولا على أسرى الحرب السوفيات، ثم توسعت بعد ذلك لتشمل اليهود والمعاقين والغجر. وينقل تفاصيل إعدام المعتقلين في غرف الغاز وحرق جثامينهم في محارق جماعية، وأن عمليات تعقيم إجباري كانت تُجرى للغجر بلا اشتراطات صحية كافية، ما أدى لوفاة المعتقلين متأثرين بجراحهم.

(4)

يُشكِّل بليتسكي مع زملائه خليَّة سريَّة، تنجح في تجميع جهاز إرسال لاسلكي من أجزاء مهرَّبة، ومن خلاله يقوم بتسريب تقارير عن ظروف المعسكر وعدد الضحايا. يحتمل كل صنوف التعذيب، لكنّه يُقر بأن الجوع هو أصعب معركة في حياته، خصوصا مع إصابته بالتهاب رئوي، مع انعدام الرعاية الصحية، ما يدعوه بعد أكثر من عامين للتخطيط للفرار.

في البداية تُعارض خليته أية محاولة للهروب، بسبب العقوبات الجماعية التي تُفرض في هذه الحالات على السجناء، لكنّ أمرا صدر بنقل رفاقه إلى معسكرات أخرى عجَّل باتخاذ القرار.

كان لديه ليلة واحدة للتنفيذ قبل نقله، وكان الإخفاق يعني الإعدام العلني.

لكنَّه ينجح مع رفيقين له في التسلّل عبر أنفاق بعيدا عن أعين الحراس، وقطع مسافة 100 كيلومتر سيرا على الأقدام، قبل أن يتمكّنوا من الوصول إلى منطقة آمنة بعد أسبوع كامل من الهروب.

وبعد 3 أشهر ونصف يعود بليتسكي إلى وارسو لينضم من جديد إلى رفاقه في المقاومة البولندية، لكن مغامراته لا حد لها.

(5)

في عام 1944 ينضمّ بليتسكي لما عرف باسم "انتفاضة وارسو"، لكن الجيش الألماني يقمعها بوحشية، ويقتل ما يزيد على 100 ألف بولندي معظمهم من المدنيين. ويُلقى القبض عليه مرَّة أخرى، ويُرحّل إلى معسكر لأسرى الحرب في ألمانيا نفسها، ويخوض من جديد تجربة الموت، لكن لحُسن حظه تُهزم ألمانيا ويطلق سراحه مع الأسرى.

يفرح بحريته، لكنه يضطر إلى الانتقال لإيطاليا؛ لأن بلاده وقعت تحت النفوذ الشيوعي السوفياتي، الأمر الذي اعتبره احتلالا آخر. وفي إيطاليا ينضم لفريق من المقاومة البولندية يشاركه نفس الرأي، ويسعى لتحرير البلاد من هذا الاحتلال الجديد، ولا يستريح لبقائه بعيدا عن بلده، فيقرر بعد فترة وجيزة أن يعود إلى العاصمة وارسو، ليجد نفسه في مواجهة الحكومة الشيوعية التابعة للاحتلال السوفياتي.

في وارسو الشيوعية يواجه بليتسكي نوعا آخر من الخطر، إنه خطر رفاق المقاومة والسلاح، فقد وضعتهم الاختلافات السياسية في طرفي المواجهة، وكان أخطر ما في الرفاق أنهم يعرفون عنه أكثر ممّا ينبغي.

وكما كان متوقعا، تُلقي السلطات الشيوعية القبض على بليتسكي في الثامن من مايو/أيار 1947، ويُتهم بالتجسّس والتخطيط لاغتيال شخصيات رئيسية في الشرطة البولندية، ويتعرض بطل معسكر أوشفيتز لتعذيب شديد للتوقيع على اعتراف بالتجسس، وفي محكمة شكلية -لا يُسمح فيها بتقديم الشهود ولا بدفع التهم- يُحكم عليه بالإعدام.

وبالفعل، في 25 مايو/أيار 1948 وفي سجن موكوتو يُطلق "الرفاق" النار على رأس بليتسكي، ليكتبوا النهاية لرفيق المقاومة الذي نجا من الموت على يد أعدائه، لتكون نهايته على يد أبناء وطنه.

(6)

في عام 1990، وبعد وقت قصير من انهيار الاتحاد السوفياتي والنظام الشيوعي في بولندا، تتم تبرئة بليتسكي أخيرا بعد وفاته، ويُعترف ببطولاته التي قدمها للمقاومة، ولكن بعد 43 عاما من إعدامه، وتعتبره السلطات الجديدة بطلا قوميا في بولندا.

هناك مناضلون يتعبون فيتوقفون، وهناك مناضلون يدورون مع الحق بعيدا عن اللافتات ويُصرّون على ألا يتوقفوا أبدا.

 

من مصر إلى تونس .. غرام الاستبداد بالفساد

 من مصر إلى تونس .. غرام الاستبداد بالفساد

وائل قنديل

أول ما يبحث عنه الاستبداد فور حضوره هو الفساد، يسعى إليه حثيثًا ويتودّد إليه عارضًا صفقة: الأموال مقابل التصالح والحصول على شهادات صلاحية اجتماعية.

هذا منطق الثورات المضادة والانقلابات دائمًا، حدث في مصر ويحدث الآن في تونس مع انقلاب قيس سعيّد على كل شيء: الثورة والدستور والبرلمان والقضاء .. والأخلاق أيضًا.

استدعى قيس سعيّد في مكتبه رئيس اتحاد الصناعة والتجارة، وجلس يقرأ عليه من ورقة مكتوبة سلفًا بروتوكولات الانقلابيين للتصالح مع الفاسدين، بوصف هذا الصلح مع الفساد أحد بنود "الواجب المقدّس" الذي تم تنفيذ الانقلاب من أجله.

أمام عدسات التصوير التلفزيوني، أمسك قيس سعيّد بمجلد ضخم يحوي أسماء الفاسدين وأحجام سرقاتهم من أموال الشعب، من واقع ما رصدته ووثقته الثورة التونسية في أيامها الأولى، ليعلن أنه يريد تصالحًا مع الفاسدين والنهابين، ولا يفكر في التنكيل بأحد منهم، فمن دفع نجا من العقاب، وصار وطنيًا مخلصًا ومواطنًا شريفًا.

خرّيج الحقوق، المنتحل صفة أستاذ القانون، والذي نصّب نفسه نائبًا عامًا بعد إطاحة نائب عام الشعب، يعلن عن صفقة التصالح مع منتهكي القانون، ملتمسًا منهم في أدبٍ جمّ أن يقبلوا دعوته إلى الاندماج في المجتمع، في اللحظة التي يمارس أقصى درجات الإقصاء والاستئصال ضد المخالفين له سياسيًا، والمعترضين على مسلكه الاستبدادي، المدعوم من معسكر الثورات المضادّة، ويحرّض الشعب على معارضيه، باعتبارهم أعداء الوطن.

هذا الغزل الصريح، غير العفيف، بين الطغيان والفساد، شهدته مصر عقب انقلاب 2013، إذ وفر الانقلاب مظلة حماية ورعاية وشراكة لكل الفاسدين، المعلوم فسادهم للناس كافة، والثابت إجرامهم بأحكام القضاء، ورأينا ورأى الجميع كيف انهمرت قرارات العفو الرئاسي كالمطر فوق الفاسدين والمجرمين، في الوقت الذي انفتحت فيه أبواب جحيم التنكيل القضائي بالمعارضين الذين سيقوا إلى الإعدام بالمئات، وحشروا في الزنازين المقبضة بعشرات الآلاف.

وجدنا هشام طلعت مصطفى، المستحوذ على ملايين الأمتار من أراضي الدولة، بقوة التحالف مع الفساد، والقاتل بحكمٍ باتّ من محكمة النقض المصرية في جريمة قتل الفنانة، سوزان تميم. وجدناه حرًا طليقًا، ووجهًا مفروضًا، من جديد، على شاشات التلفزة والصفحات الأولى للجرائد، بموجب قرارٍ من رئيس سلطة الاستبداد والانقلاب شخصيًا.

القاتل، بحكم النقض، عاد مواطنًا شريفًا ورجل أعمال وطنيًا، بقوة رأس المال الباطشة، ليتحدث إلى جموع الشعب عن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وفقًا لمفهوم عبد الفتاح السيسي، مخليًا مكانه في ظلام السجن البهيم، للرجل المسؤول عن محاربة الفساد في مصر، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار، هشام جنينة.

هشام جنينة في السجن الآن، لأنه قاوم الفساد وتصدّى لاستشرائه، بينما هشام طلعت يصول ويجول في ربوع مصر، بمشاريعه العملاقة لإسكان الأثرياء وأصحاب النفوذ وملاك السلطة والجبروت. 

ومثله هناك عديد المجرمين، بموجب أحكام القضاء، يمرحون بمنتهى الحرية، كما هو الحال مع أحد رموز البلطجة والإجرام، وفقًا لنصوص أحكام القضاء النهائية، صبري نخنوخ. وفي مقابل هؤلاء عشرات، بل مئات، من رجال الأعمال الحقيقيين، ممن يُشهد لهم الجميع بالنزاهة ونظافة اليد وطهارة الثروة، تم زجّهم في السجون لأنهم لم يرضخوا لابتزاز الطغيان وإرهاب الاستبداد، فتم الاستيلاء على شركاتهم وأموالهم وممتلكاتهم.

هذا الغرام المتبادل بين الاستبداد والفساد في مصر دفع المخرج محمد العدل، وهو أحد نجوم دراما الانقلاب الأشداء، للتصريح قبل سنوات إن "كل الفاسدين مع السيسي، وإن كان ليس كل الذين مع السيسي فاسدين"، وهي مقولة دقيقة، صنفت في حينها على أنها "شهادة شاهد من أهلها"، تعبّر عن واقع جديد بدأ باختراع مسمّى "المواطنين الشرفاء" ليصبح الفساد في مصر محمياً بقوة السلطة، وسيداً ومدللاً، تُفتح له الأبواب والنوافذ، يدخل ويخرج بكلّ حرية، ما دام يلتزم بطقوس "تحيا مصر" صندوقاً كبيراً لإخفاء الجرائم والسرقات، ليكون الانقلاب فرصة العمر للفاسدين، يفدون إليه من فجٍّ عميق، للمساهمة بفسادهم في خدمة وطن مسروق.

وبينما الفساد يرعى ويتوحش ويستشرس، متمتعاً بحماية الاستبداد، لا بأس بين الحين والآخر من خروج راعي الاستبداد والفساد معًا بتصريحاتٍ عنتريةٍ يعلن فيها الضرب بيد من حديد على أصحاب الثروات من أجل عيون الشعب، بينما الحقيقة الساطعة تقول إنه لا يتصوّر، عقلًا ومنطقًا، أن الشخص الذي سجن، ظلمًا وافتراءً وتنكيلًا، رئيس الجهاز المعني بمحاربة الفساد، يمكن أن يكون صادقًا في عدائه الفساد.

من مصر إلى تونس، يتصالح المستبدّون مع الفساد، بالقدر ذاته الذي يتخاصمون به مع القوى الوطنية الحقيقية... وكله باسم الشعب!

تأملات فيما وراء السياسة (٢) لماذا يقاتلوننا..؟.

 تأملات فيما وراء السياسة (٢)

لماذا يقاتلوننا..؟.


ليس هناك أكذب ولا افجر من أئمة الكفر المعاصرين المعادين للدين؛ في دعواهم أن المسلمين قوم إرهاب معتدين، فالطبيعة العدوانية لأرباب النظام الدولي الجبري منذ قام؛ لم تسمح ..والواضح أنها لن تسمح بقيام أو بقاء أي كيان إسلامي يقيمه المسلمون لأنفسهم وفي بلادهم على أسس الكرامة التي ارتضتها أمتهم ، وهي : ( إسلامية الهوية)و(حرية القرار) و(حقيقة الاستقلال) مع قيادة تجمع ذلك وتجمع عليه ..فكل هذا يحظره هذا النظام الدولي بذاته، أو من خلال أدواته وآلياته؛ سواء عن طريق دولة موالية معلنة أو مبهمة ، في صورة مايسمى ب ( الدولة العميقة) التي تمثل الجزء الخفي من النظام الفوضوي الدولي ..
★.. وراجعوا بالذاكرة كل محاولات الحركات الإسلامية التي تنوب عن الأمة في حقها في إقامة كيان سياسي حقيقي يقوم على(الحق) و( الحرية)و (العدل) و( الاستقلال) سواء عن طريق الانتخابات أو الثورات أو ما يقدمه المقاومون المنافحون عن أمتهم من بذل وتضحيات .. ستجدون أن هناك اتفاقا دوليا (غير مكتوب).. بعد إسقاط كيان المسلمين العالمي ممثلا في الخلافة العثمانية؛ يقضي بعدم السماح بعودة مقدماتها أو ممهداتها في صورة دولة حرة ذات كيان، في أي مكان كان..
★.. واستعرضوا بالذاكرة التجارب الإسلامية، خلال العقود القليلة الماضية؛ مثل جهاد الأفغان الأول، الذي انتهى بقيام دولة أفغانستان الإسلامية؛ ثم سقوطها ..وبعده قيام إمارة الطالبان؛ ثم إسقاطها ..وتجربة دولة الشيشان؛ ثم سحقها، و كذلك مشروع الدولة الإسلامية في البوسنة التي تم إجهاضها ؛ ووصول الإسلاميين إلى السلطة في الجزائر .. ثم إلى أين صاروا ..؟.. ووصول المحاكم الإسلامية إلى الحكم في الصومال .. ثم إلى ماذا انتهوا ؟ وفوز حركة حماس بالانتخابات، وكيف تحولت إلى (حكومة مقالة)..ثم حوصرت من الدول المجاورة ..؟
فلما قامت الثورات..فلا تحدثني عن إسقاط الحكومات أو الكيانات التي نشدت مع شعوبها الخروج من ضيق الاستبداد إلى سعة العيش الحر والقرار المستقل..
★.. وراقبوا أيضا..تلك التحالفات السياسية والعسكرية الدولية..الثلاثينية والستينية والسبعينية..التي أقيمت ضد بعض (الحركات) أو التوجهات الإسلامية.. التي أرادت الحق، سواء أصابته أو أخطاته.. حيث أرهبوا شعوبها بدعوى محاربة إرهابها .. في تهم لم تنج من الوصف بها حتى رموز وفعاليات الثورات العربية الشعبية (السلمية).. التي لم يعادوها سوى لصفتها وصبغتها الإسلامية..
★.. ومهما حاولت كيانات أو توجهات إخفاء الوجهة الإسلامية بأقنعة علمانية_ مثل ماهو حادث في تركيا وتونس وغيرهما _ فقد ظلت في بؤرة الاستهداف، كما حصل في محاولة الانقلاب المدعوم أمريكيا على حزب العدالة التركي.. والانقلاب المدبر فرنسيا ضد حزب النهضة التونسي.. الذي لم يكن له في السلطة من مسؤول سوى رئيس البرلمان ( المعزول) ..!
★.. وما مخططات توريط إمارة الطالبان في محاولاتها اليوم للإعلان عن العودة بعد انتصارها ؛ إلا مثالا جديدا من مسلسل العداء والاعتداء ، فهي لم تكن استثناء في ذاك العداء عندما قامت.. ولا عندما عادت .. ليس لتشددها المزعوم..ولكن لوجهتها الحرة ..ونزعتها المستقلة..وهويتها الإسلامية ..ومحاولتها الأخذ بأسباب القوة، مع التحامها بقاعدتها الشعبية ..
★.. لا نذكر تلك الحقائق تيئيسا أو قنوطا أو حطا من جهود واجتهادات العاملين ، ولكن لضرورة استحضار هذا البعد الديني والحضاري في الصراع الدولي المزمن ضد المسلمين، فما يحدث على مدار السنين؛ ليس إلا حلقات جديدة في مسلسل واحد .. يؤكد حقيقة عدونا الحاقد الجاحد ، الذي يتذاكي فيتباكى أغبياؤه قائلين : ( لماذا يكرهوننا) ؟! مع استمرارهم في استهدافنا واستضعافنا واستنزافنا.. بل قتلنا وقتالنا .. كل ذلك وهو يرموننا وحدنا بالإرهاب..
.. وصدق ربنا وربهم ، وهو يصف حالنا وحالهم ، فيقول ؛ جل من قائل : ( وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [ البقرة/ ٢١٧ ]..

فما ظنكم برب العالمين؟!

فما ظنكم برب العالمين؟!

د.محمد علي يوسف

الظن بمعناه المتبادر درجة من درجات العلم، فهو فوق الشك، ودون اليقين، وفي القرآن يأتي الظن أحياناً بمعنى الشك ويأتي بمعنى اليقين


كلمة الظن ومشتقاتها من أبرز وأهم الألفاظ التي تكررت مادتها في القرآن الكريم، وورد ذكرها في كتاب الله جل وعلا في ستين موضعاً تقريباً، أحياناً بصيغة الاسم وأحياناً بصيغة الفعل. واللافت للنظر هو ذلك التنوع في المعنى المراد بالظن حيث يرد بمعناه الأصلي المتبادر للأذهان وهو الشك والتوهم والحسبان ويرد أيضاً بمعنى الاعتقاد بل واليقين الجازم، وهذا التفاوت الكبير مما يميز هذه اللفظة القرآنية بشكل واضح، وينبغي أن يدرك المتدبر لكتاب الله حقيقة هذا التنوع لارتباطه بهذا الأمر الجلل الذي يتعلق به شيء من أخطر ما ينبغي للمسلم الانشغال به وهو المآل والمصير.

نعم، هذه حقيقة يغفل عنها الكثيرون، المآل مرتبط بالظن في الله سبحانه وتعالى، وإن قوماً فسد ظنهم بربهم ففسدت آخرتهم وهلكوا: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْـخَاسِرِينَ} [فصلت: 23]، في هذه الآية من سورة فصلت تصريح بهذا الارتباط الوثيق بين الظن والمآل.

هؤلاء قوم أساءوا الظن بربهم فلم يخشوا نظره ولم يستحيوا من سمعه وبصره بل ظنوا أنه لا يعلم كثيراً مما يعملون، {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: ٢٢]، فظن العبد أن ربه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ومعرفته ويقينه باسمه العليم والسميع والبصير من المفترض أن تدفعه إلى مراقبة مولاه في السر والعلن، فلما لم يفعل ذلك دل على قصورٍ في هذا الظن وخللٍ في تلك المعرفة، أو أنه يعرف ولكنه لا يهتم ولا يستحيي من ذلك السمع والبصر والعلم.

وبرغم أن الآية نزلت في وصف حال الكافرين الذين سيرديهم ظنهم الذي ظنوه بربهم، إلا إن ذلك لا يمنع وضوح ما خلصنا إليه من الارتباط الوثيق بين قضية الظن بالله والمآل الأخروي، لذا حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن ينبه أمته لتلك القضية خصوصاً بين يدي هذا المآل فقال قبل موتِه بثلاثةِ أيامٍ: «لا يموتنَّ أحدكم إلا وهو يحسنُ الظنَّ باللهِ»  (رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما).

وعليه فإن هذه المسألة ينبغي أن تنال قسطاً أكبر من المدارسة والفهم، خصوصاً مع ذلك التكرار الملحوظ والتباين الواضح بين المعاني المرادة في كل موضع.

الظن بمعناه المتبادر درجة من درجات العلم، فهو فوق الشك، ودون اليقين، أو هو اعتقاد وقوع الشيء اعتقاداً راجحاً، وقيل هو العلم المستند إلى دليل راجح مع احتمالية ورود الخطأ، ومعاجم اللغة تعرفه بأنه: العلم بالشيء على غير وجه اليقين، يقال: رجل ظنون: لا يوثق بخبره، وتذكر تلك المعاجم أن الظن قد يأتي بمعنى اليقين، ويستدلون لذلك بالقرآن كما سيأتي بعد سطور.

وعرفه ابن عاشور بأنه: «علم لم يتحقق؛ إما لأن المعلوم به لم يقع بعد، ولم يخرج إلى عالم الحس؛ وإما لأن علم صاحبه مخلوط بشك».

أما في القرآن فيأتي الظن أحياناً بمعنى الشك كما في قوله عز وجل: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ وَإنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]، قال الإمام الطبري في تفسيره: الظَّنّ فِي هَذَا الْمَوْضِع الشك. وورد الظن أيضاً بمعنى الوهم والتوهم، وذلك في قوله تعالى عن نبيه يونس عليه السلام: {وَذَا النُّونِ إذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87]، قال الراغب: «الأولى: أن يكون من الظن الذي هو التوهم، أي: ظن أن لن نضيِّق عليه»، وهو قول كثير من العلماء في معنى الآية. ويكون معنى نقدر من «القَدْر» الذي هو المنع والتضيق، كقوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: ٧]، وليس من «القدرة» لأنه لا يليق بالأنبياء أن يظنوا أن الله غير قادر عليهم، ويأتي الظن كذلك بمعنى الحسبان، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإنسُ وَالْـجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الجن: ٥]، قال ابن كثير: أي ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالؤون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه.

في المقابل يأتي الظن في القرآن بمعنى اليقين، ولقد ورد بهذا المعنى في مواضع عديدة منها قوله تعالى في سورة البقرة:  {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46]؛ جمهور المفسرين على أن الظن هنا بمعنى اليقين لأن من وصف بالخشوع لا يشك أنه ملاق ربه، ويؤيده أن في مصحف عبد الله بن مسعود: «الذين يعلمون». وقال ابن كثير في معنى الآية: «يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه، وأنهم إليه راجعون».

ومثل ذلك قوله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ} [الجن: 12]، قال القرطبي: «الظن هنا بمعنى العلم واليقين». وأيضاً قوله تعالى: {إنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20]،  وقوله سبحانه: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ} [القيامة: 28]. ومعرفة المعنى المراد بالظن ترتبط جداً بسياق الآية فمثلاً قوله: {إنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} لا يتصور هنا أن يرد بمعنى الشك أو حتى العلم الذي لا يفيد اليقين فهو ما نجا إلا بخوفه من يوم الحساب، لأنه تيقن أن الله يحاسبه، فعمل للآخرة. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {إنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} يقول: أيقنت. وعن الضحاك قال: كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين، ومن الكافر فهو شك. وعن مجاهد قال: ظن الآخرة يقين، وظن الدنيا شك؛ ونحو هذا قول قتادة: ما كان من ظن الآخرة فهو علم.

وقد وضع العلماء ضوابط أخرى للتفريق بين معنى الشك واليقين والتمييز بينهما عند ورود لفظ الظن لكن ما يعنيني في هذه السطور هو الأمر الأخطر، وهو طبيعة الظن.

طبيعة الظن:

إن الظن أحياناً يكون اتهاماً لله سبحانه كما في قوله تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْـمُنَافِقِينَ وَالْـمُنَافِقَاتِ وَالْـمُشْرِكِينَ وَالْـمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: ٦]، قال ابن كثير: «أي: يتهمون الله في حكمه»، تصور أن يتهم مخلوق خالقه! أن يجترئ ضعيف فانٍ على التطاول على مولاه القوي وبارئه القدير! من هنا جاء سؤال نبي الله إبراهيم لقومه: {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 87].

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسأل كل منا نفسه، ينبغي أن يسأله كل من يأس أو قنط من روح الله، ينبغي أن يسأله كل من ابتغى فضلاً عند غيره أو عزاً ممن سواه، إن هذا هو مربط الفرس ومناط التكليف، ما الظن برب العالمين

ما المعتقد فيه، ما الفهم عن أفعاله وأقداره وشرعه، هل هو ظن القوم البور عياذاً بالله: {بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْـمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح: 12]؟ أم هو ظن الجاهلية: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْـحَقِّ ظَنَّ الْـجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]؟ هل هو ظن المنافقين والمشركين: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: ٦]؟ أم هو ظن أعداء الله الذين سبق ذكرنا لهم ممن قيل لهم: {وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ} [فصلت: ٢٢]، كل هذه وغيرها إجابات مريعة لذلك السؤال الحاسم، فما ظنكم برب العالمين؟! 

قال الطاهر ابن عاشور: أريد بالظن هنا الاعتقاد الخطأ؛ والمعنى أن اعتقادكم في جانب رب العالمين جهل منكر.

وقد ذكر ابن عاشور أن «الظن كثر إطلاقه في القرآن والسنة على العلم المخطئ، أو الجهل المركب، والتخيلات الباطلة».

لكن على النقيض هناك من أحسنوا الظن وبالتبعية أحسنوا العمل، وهناك من أدرك حقيقة أن له رباً قديراً جليلاً غفوراً رحيماً سميعاً بصيراً فتعامل على هذا الأساس، وكانت حياته نموذجاً عملياً لهذا الظن الجميل برب العالمين.

منهم من أيقن بالآخرة وعمل لأجل تلك الساعة الحاسمة، ساعة اللقاء والحساب: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46]، {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ 19 إنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 19، 20]، ومنهم من أحسن الظن في قدرته وعطائه كزكريا عليه السلام وقد انقطعت الأسباب وغلقت سبل الإنجاب لكنه مع ذلك دعا وحسن الظن يحدوه فقال: {رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} [مريم: ٤]، ومنهم من أحسن الظن بأمره وشرعه فامتثل ورضخ كقول إسماعيل عليه السلام لأبيه حين أبلغه برؤيا ذبحه: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102]، وكذلك فعلت أم إسماعيل السيدة هاجر حين أبلغها نبي الله إبراهيم أن تركها مع وليدها في ذلك الوادي المقفر إنما هو أمر من الله فكان ظنها الجميل يتصدر قولها: آللهُ الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يُضَيِّعُنَا.

ومنهم من أحسن الظن بنصره وتمكينه كمثل الصالحين الذين رافقوا طالوت: { {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} } [البقرة: 249]، وقبل ذلك بسنين عدداً فعل الرجلان من بني إسرائيل مثل فعلهم ونصحوا بينما يكسو نصحهم حسن ظنهم، {قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، إنهما رجلان أنعم الله عليهما بالتقوى والإيمان والفهم الصحيح والعقل الراجح، والظن الحسن بالله رب العالمين.

ومنهم من أحسن الظن في بلائه وامتحانه كأيوب سلام الله عليه حين قال في تمام الضير وشدة الابتلاء: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، ها هو صاحب البلايا والأسقام والرزايا المريض المسكين ينادي أرحم الراحمين، يقر له بالرحمة، بل تمام وكمال الرحمة، الرحمة التي شكك ويشكك فيها أقوام لم يذوقوا معشار ما ذاق أيوب مع ذلك لم يتزعزع حسن ظنه بالله قيد أنملة ولم يهتز إيمانه ويقينه بربه لحظة.

كل ما سبق من نماذج الظن الحسن وغيرها كثير مما لا يحصيه مقال واحد هي لأناس لم يحل حسن ظنهم بينهم وبين العمل والأخذ بالأسباب بل كان حسن ظنهم في الحقيقة دافعاً ومحركاً لهم لمزيد من العمل وما كان دعاؤهم المتصل إلا جزءاً من هذا العمل، عملاً لا يدرك قيمته العاجزون والعاجز حقاً من عجز عن الدعاء كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما حين تنقطع الأسباب ويبرز اليأس والإحباط والقنوط إلى السطح وتعلو أصوات حملته فعندئذ ينبغي إعادة ذلك السؤال الإبراهيمي الجامع، {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، وهنا تبرز في مقابلة هذا السؤال تلك الإجابة الربانية الذي حواها ذلك الحديث القدسي الشهير: أنا عند ظنِّ عبدِي بي إنْ ظنَّ خيراً فلهُ وإنْ ظنَّ شراً فله. فما ظنكم به؟!

الأربعاء، 28 يوليو 2021

من أعلام الأمة المعاصرين .. الشيخ أحمد محمد شاكر

 من أعلام الأمة المعاصرين .. الشيخ أحمد محمد شاكر

رزق الله تعالى الأمة برموز عظام، ماتوا لكنهم لم يغادروا الدنيا؛ فآثارهم باقية ومواقفهم محفوظة، وخيرهم عين نابعة.


ومن هؤلاء الكرام الشيخ المحدث “أحمد شاكر” رحمه الله. (1309هـ/1892م-1377هـ/1958م).

التعريف بالشيخ

هو الأستاذ العلامة المحدث أبو الأشبال الشيخ “أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر”.

ولد ـ رحمه الله ـ بعد فجر يوم الجمعة في التاسع والعشرين من شهر جمادي الأخرة سنة (1309)هـ الموافق (1892)م بمنزل والده بالقاهرة، ثم ارتحل مع والده إلى السودان حيث كان قد عُينَ قاضياً فيها.

درس الشيخ أحمد شاكر في السودان بكلية «غوردن» ثم بعد رجوعه إلى مصر درس بالإسكندرية، ثم التحق بالأزهر الذي صار والده وكيلاً لمشيخته سنة 1328هـ.

وانتقال الشيخ إلى الأزهر كان بداية عهد جديد من حياته، فقد استطاع أن يتصل بكثير من العلماء وطلبة العلم الموجودين في القاهرة ثم بدأ ينتقل في مكتبات القاهرة ويستفيد من العلماء ويكثر من المطالعة، وقد حاز على الشهادة العالمية من الأزهر سنة (1917)م وعمل في التدريس لمدة أربعة أشهر فقط، ثم عمل في سلك القضاء حتى أحيل على التقاعد سنة (1951)م.

ولم ينقطع خلال فترة اشتغاله بالقضاء عن المطالعة والتصنيف، بل إنه أثرى المكتبة الإسلامية بأبحاثه القيمة وتحقيقه لأمهات الكتب المفيدة.

وكانت وفاته في السادس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة (1377)هـ الموافق (1958)م.

أشهر شيوخه

تربى الشيخ أحمد شاكر في بيئة علمية، فوالده كان وكيلاً للأزهر، وجده لأمه العالم الجليل “هارون عبد الرزاق”؛ بالإضافة إلى وجود الأزهر الذي كان يستقطب كبار العلماء من شتى بلدان العالم الإسلامي مما أتاح للشيخ فرصة أن ينهل من معين العلم والعلماء.

ومن أشهر العلماء الذين استفاد منهم

والده العلامة “محمد شاكر”، الشيخ “عبد السلام الفقي”، علامة الشام “الشيخ جمال الدين القاسمي”، الشيخ “عبد الله بن إدريس السنوسي”، العلامة “محمد رشيد رضا” وغيره.

جهوده في خدمة السنة

للشيخ، رحمه الله، جهوده في حفظ السنة، وقد جعله الله تعالى من أعلامها.

أهم المصنفات التي حققها وعلق عليها

  1. تحقيق كتاب “الرسالة” للإمام الشافعي تحقيقاً علمياً نافعاً ينم عن غزارة علمه وسعة اطلاعه، وهو أول كتاب عُرف به الشيخ أحمد.
  2. تحقيق “الجامع” للترمذي عن عدة نسخ، وصل فيه إلى نهاية الجزء الثالث.
  3. تحقيق وشرح “مسند الإمام أحمد بن حنبل”.
  4. تحقيق “مختصر سنن أبي داود” للحافظ المنذري، ومعه “معالم السنن” للخطابي، و”تهذيب ابن قيِّم الجوزية”، بالاشتراك مع الشيخ “محمد حامد الفقي”. وطُبع الكتاب في ثمانية مجلدات.
  5. تحقيق “صحيح ابن حبان”. حقق الجزء الأول منه فقط.
  6. شرح “ألفية السيوطي” في علم الحديث، وطُبع الكتاب في مجلدين.
  7. “الباعث الحثيث” شرح “اختصار علوم الحديث” للحافظ ابن كثير.
  8. تحقيق كتاب “الإحكام في أصول الأحكام” لابن حزم.
  9. “عمدة التفسير” عن الحافظ ابن كثير.
  10. تخريج أحاديث من تفسير الطبري. شارك أخاه محمود شاكر في تخريج أحاديث بعض الأجزاء من هذا التفسير، وعلق على بعض الأحاديث إلى الجزء الثالث عشر.
  11. تحقيق كتاب “لُباب الآداب” للأمير أسامة بن منقذ المتوفى سنة 584 هـ.
  12. تحقيق كتاب “شرح العقيدة الطحاوية”.

هذا بالإضافة إلى كتب أخرى قيمة في الأدب واللغة، وبحوث مفيدة في الفقه والقضايا الاجتماعية والسياسية كتبها في مجلة “الهدي النبوي”؛ حينما كان رئيس تحرير لها، وقد جُمعت بعض هذه المقالات ونُشرت في كتاب بعنوان “كلمة الحق”.

جهوده في المجال السياسي والاجتماعي

عاش الشيخ أحمد شاكر في فترة امتازت بكثرة الأحداث وتواليها، والدول الإسلامية تئن تحت نير الاستعمار الإنكليزي والفرنسي، وخوَر المسلمين وعجز معظم العلماء عن القيام بواجبهم، بل كانوا يشعرون بالانهزامية والصَغار أمام هجمات الصليبيين وتلامذتهم من المستشرقين الفكرية وطعنهم في هذا الدين، والتركيز على “مصر” المركز العلمي للعالم الإسلامي، واليهود يخططون لاحتلال “فلسطين”، وأحكام الشريعة الإسلامية أُقصيت عن حياة الناس بفعل الفساد

والتخطيط الصليبي الماكر ضد هذه الأمة، حتى صار التدين والتمسك بدين الإسلام، وصمة عار وتخلفاً ورجعية.

وأمام هذه الموجات المتلاطمة والعواصف الجارفة التي تهبّ بالفساد وقمع الصالحين من العباد، ونصبوا لذلك رايات في كل هضبة وواد؛ فلا يقوى على الصمود والمواجهة إلا العظماء من الرجال، وما دام أنه كما يقال: “لكل زمان دولة ورجال”؛ فقد هيأ الله سبحانه وتعالى الشيخ ليذود عن حياض هذه الأمة ويدافع عن شرفها وعزتها التي لا تكون أبداً إلا بتمسكها بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فانبرى الشيخ للتصدي لكل الأفكار الهدامة متمسكاً بكتاب الله ملتزماً بعقيدة السلف، يقارع الأعداء وتلامذة الغرب من المستشرقين دون أن تلين له قناة أو تخور له عزيمة، مع قلة من أمثاله من الرجال.

وصار يدبّج بيراعه مقالات نفيسة وتعليقات مفيدة على بعض ما حققه من الكتب.

ومن ذلك تعليقاته على تفسير ابن جرير الطبري، وعمدة التفسير مفصلاً القول عن آيات “الحاكمية” وتكفير من لا يحكم بشريعة الله، وتعليقاته لا تزال مصدراً هاماً لمن جاء بعده من العلماء المجاهدين الذين فتح الله بصيرتهم.

مقالات فارقة

وأريد أن أخص بالذكر من بين المقالات الهامة للشيخ ثلاثة مقالات هي:

“أيتها الأمم المستعبدة”، “بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمم العربية والإسلامية عامة”، والثالث “تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين”.

ستلاحظ من خلالها مواقفه الحازمة وبغضه لأعداء الله، وتحريض الأمة على جهاد المستعمر الذي نهب خيرات البلاد ونشر في الأمة الفساد.(1)

موقفٌ للأب وابنه

قد كان أحد خطباء مصر فصيحاً متكلماً مقتدراً، وأراد هذا الخطيب أن يمدح أحد أمراء مصر عندما كرّم “طه حسين”، وكان الأمير حاضراً للخطبة والصلاة، فقال الخطيب في خطبته: “جاءه الأعمى؛ فما عبس بوجهه وما تولى!”؛ فما كان من الشيخ “محمد شاكر” إلا أن قام بعد الصلاة، يعلن للناس أن صلاتهم باطلة، وعليهم إعادتها لأن الخطيب كفر بما شتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.

يقول الابن “أحمد شاكر”:

“ولكن الله لم يدعْ لهذا المجرم جرمه في الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسمُ بالله لقد رأيته بعيني رأسي، بعد بضع سنين، وبعد أن كان عالياً منتفخاً، مستعزّاً بمَن لاذ بهم من العظماء والكبراء ـ رأيته مهيناً ذليلاً، خادماً على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار.

حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه، فما كان موضعاً للشفقة، ولا شماتة فيه؛ فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لِما رأيت من عبرة وعظة”. (2)

من روائع مقالاته

وهذه مقتطفات من بعض مقالاته للتدليل والترعيف بطريقته وما أدلى به من البيان وكلمة الحق.

من مقال “كلمة حق”

في مقال بعنوان “كلمة حق” يقول رحمات الله تعالى عليه:

“ما أَقلَّ ما قلنا (كلمةَ الحق) في مواقف الرجال، وما أَكثر ما قصّرنا في ذلك، إن لم يكن خوفاً فضعفاً، ونستغفر الله، وأَرى أَنْ قد آن الأوان لنقولها ما استطعنا؛ كفَّارةً عما سَلَف من تقصير، وعما أَسْلَفْتُ من الذنوب، ليس لها إلاَّ عفوُ الله ورحمته، والعمر يجري بنا سريعاً، والحياة توشك أن تبلغ منتهاها.

وأَرى أنْ قد آنَ الأوانُ لنقولها ما استطعنا، وبلادُنا، وبلاد الإسلام تنحدر في مجرى السَّيْل، إلى هُوَّة لا قرار لها، هُوَّةِ الإلحاد والإباحية والانحلال؛ فإن لم نقف منهم موقف النذير، ولم نأخذ بحُجَزِهم عن النار انحدرنا معهم، وأصابنا من عَقَابيل ذلك ما يصيبهم، وكان علينا من الإثم أضعاف ما حُمِّلوا”. (3).

من مقال “في مشروعية ولاية المرأة للقضاء”

“فإن ولاية المرأة القضاء في بلدنا هذا، في عصرنا هذا ـ يجب أن يسبقها بيان حكم الله في أمرين بُنيتْ عليهما بداهةً:

أولاً: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها..؟!

ثانياً: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانون أو غيره، سواء مما يجوز تعلمه ومما لا يجوز؟ وأن يختلط الفتيان والفتيان هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله..؟

أيجوز في شرع الله هذا السفور الفاجر الداعر، الذي تأباه الفطرة السليمة والخلق القويم، والذي ترفضه الأديان كافة على الرغم مما يظن الأغرار وعبَّاد الشهوات؟!

يجب أن نجيب عن هذا أولاً، ثم نبحث بعدُ فيما وراءه.

ثم يسقط السؤال عن ولاية المرأة القضاء من تلقاء نفسه.

ألا فليُجب العلماء وليقولوا ما يعرفون، وليبلّغوا ما أُمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين”. (4)

الوظائف التي شغلها

بعد حصوله على شهادة العالمية سنة (1917)م عين بمعهد “عثمان ماهر” لمدة أربعة أشهر، ثم انتقل إلى القضاء الشرعي، وتدرج في مناصبه حتى صار قاضيا بالمحاكم الشرعية، ثم عضوا بالمحكمة العليا، وأحيل إلى التقاعد في (1952)م ببلوغه سن الستين. وتفرّغ بعدها لأعماله العلمية حتى وفاته.

عمل مشرفًا على التحرير بمجلة “الهدي النبوي” سنة (1370)هـ ، وكان يكتب بها مقالاً ثابتًا بعنوان: “اصدع بما تؤم”، وقد جمعت بعض هذه المقالات ونشرت في كتاب بعنوان “كلمة الحق”، طبعته دار الكتب السلفية. (5).

وفاته

وتوفي ـ رحمه الله ـ يوم السبت 26 ذي القعدة سنة  (1377)هـ الموافق ( 14) يونيو سنة (1958)م.

تقبله الله في الصالحين، ورزق الأمة أعلاما قوامين بالقسط يهدون بالحق، وبه يعدلون.

هوامش:

  1. مجلة البيان 39، ذو القعدة – 1411هـ، مايو – 1991م، (السنة: 5).
  2. الألوكة، أحمد محمد شاكر.. إمام أهل الحديث في عصره.
  3. جمهرة مقالات الشيخ أحمد شاكر ، جمع الأستاذ عبد الرحمن العقل ، 598-591/2.
  4. المصدر السابق.
  5. الألوكة، أحمد محمد شاكر.. إمام أهل الحديث في عصره.

من مصادر الدراسة:

  • محمد رجب البيومي ـ النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين ـ مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية ـ القاهرة.
  • محمود محمد شاكر ـ أحمد محمد شاكر إمام المحدثين ـ مجلة المجلة ـ القاهرة ـ العدد (19) ـ (1377هـ = 1957م).
  • محمد عزت الطهطاوي ـ الشيخ أحمد محمد شاكر إمام من أئمة الحديث في هذا العصر ـ مجلة الأزهر ـ العدد (5) السنة الثانية والستون ـ (1410هـ = 1989م).
  • السيد الجميلي ـ طبقات المحققين والمصححين (أحمد محمد شاكر) ـ مجلة الأزهر ـ العدد (11) السنة الثامنة والستون ـ (1416هـ = 1996م

حكاية أب

حكاية أب


لم يكن لدى سامر طقيقة سوى بناته الأربع إذ كان يعتبرهن بهجته الوحيدة في هذه الحياة لكنه فقدهن في لحظة ضمن عدد آخر من أقاربه في قصف للنظام السوري على قرية إحسم بريف إدلب.

يقول طقيقة “خديجة وتسنيم وإيمان وآيا صوفيا، 4 أطفال لم يرتكبن أي ذنب كي تحرقهن قذائف بشار الأسد”.

خديجة وتسنيم وإيمان وآيا صوفيا

وعن ذلك اليوم المشؤوم يحكي طقيقة “أحسست أنني فقدت شيئا عزيزا فاتصلت بزوجتي وعمي. كان المنظر مؤلما جدا أن أرى بناتي وقد فارقن الحياة جميعا. لا أستطيع أن أعبر ولا أصف مشاعري في هذه اللحظات”.

الطفلة آيا صوفيا

وأضاف “أصيبت آيا صوفيا -الرضيعة ذات العام الواحد- في رأسها لكنها كانت لا تزال على قيد الحياة فنقلناها للمستشفى وحاولنا إنقاذها بكل الطرق، لكنها رضيعة لم تتحمل ولحقت بأخواتها”.

وتابع “بنتي الثالثة إيمان ظلت تحت الأنقاض لفترة طويلة ولم تستطع فرق الدفاع المدني إخراجها بسبب القصف المستمر لطائرات الاستطلاع الروسية، حتى اتصل بي الدفاع المدني في الرابعة صباحا وأبلغوني بأنهم وجدوها فقمنا بدفنها”.

وأردف “ذهبنا للمقابر وألبسنا إيمان ثوبا جديدا وقلنا لها: روحي يا بنتي عيدي بالجنة، ثم رجعنا ودفنا أختها آيا بجوارها في التاسعة صباحا”.

واستطرد “نحن لسنا مجرد أرقام تُسجل وتُرفع ويقال عنا إرهابيين، نحن مدنيون عزل لا حول ولا قوة لنا. زوجتي نجت من الموت بأعجوبة لكنها أصيبت ولا تزال طريحة الفراش ولا أعرف حتى الآن كيف أخبرها أنها فقدت أمها وأختها وبناتها الأربع ولا نعلم مصير أخيها وأختها في تركيا وأختها الثالثة بتر ذراعها الأيمن”.

المصدر : الجزيرة مباشر


قراءة في رواية "مسغبة"

 قراءة في رواية "مسغبة" 



رواية "مسغبة"
تأليف: أيمن العتوم

نبذة عن الرواية
رواية جديدة للكاتب الأردني أيمن العتوم يروي فيها واحدة من أبشع وأسوأ الكوارث الطبيعية التي مرّت بها مصر في تاريخها، من خلال حكاية الطبيب والرحّالة عبد اللطيف البغدادي.

في هذه الرواية التاريخية يقصّ علينا أيمن العتوم حكاية الفتى عبد اللطيف الذي خرج من بغداد حالماً بالمجد والشهرة ليستقر في مصر، حيث يقع زلزال كبير يهدّم أكثر أبنيتها التاريخية فلا ينجو منه غير الإهرامات. 
يجوع الناس وتظهر الفئران ويتفشّى الطاعون ويبدأ الناس بالموت.. تنتشر الجثث ويتسيّد الموت ويحكم زمام الأمور.. فتظهر معضلة أخلاقية لدي أطباء مصر: هل ينقذون الشباب ويتركون كبار السن لمصيرهم؟

وعلى الجانب الآخر تبدأ علاقة عبد اللطيف بدرّية، تلك المرأة المجنونة العاقلة٬ الغامضة الواضحة، من خلال تنظيفها لبيته وطبخها لطعامه، فهل تدخل تلك المرأة المتزوجة قلبه؟ وكيف يمكن أن يحب امرأة تجد المتعة في جلب الموت للمرضى في حين أنه يحاول أن يجلب لهم الحياة؟
اقتباسات من الرواية..
"الموت ليس وحشاً.. ليس عدواً.. قد يضع نهاية صادمة ومفاجئة لكثير من الآمال والطموحات، لكنّه عادل إلى الحد الذي يضع فيه النهايات نفسها بالنسبة للأوجاع والخسارات.. لعلّ العدالة الأوضح، والأشد يقيناً هي عدالة الموت يا سيدي."

"روحي طائر مهاجر، لا وطن لها غير الكتب، أبذل لها الكتب كما يبذل للطائر الحب. أجلس في المكتبة فأعرفني، وحدها المكتبة يمكن أن تكون هي الوطن."



قراءة فاطمة العتوم

رواية تاريخية تتحدث عن المخطوطة حصل عليها الكاتب تعود لعام ٦٢٩م تتحدث في غالبها عن الطاعون الذي اجتاح مصر في عام ٥٩٧ إلى عام ٦٠٠ فمر بمراحل بدايتها الزلزال حيث دمر هذا الزلزالالمنازل والمساجد وسقطت المنشآت على رؤوس البشر فأفنتهم ثم بدأت رائحة الموتى تزكم الأنوف في القاهرة فظهرت الأمراض وبدأت الفئران بنهش أجساد الموتى والنقضاض عليهم وجاءت الفئران الأخرى عن طريق السفن فظهر الطاعون وكان الحدث الأجل والأهم في الرواية وصار الناس يمشون في الشارع بترنح حتى يسقطون أرضًا وظهر القحط والجوع فجف النيل ومات البشر والدواب وصار الناس من الجوع يأكلون الأحصنة حتى جاعوا أكثر فأكلوا بعضهم بعضًا فكانت الطامة حيث صار لأكل البشر جماعات وعصابات فلم تعد الدولة تسيطر عليهم فأصبحت تحرقهم وتصلبهم ليكونوا عبرة لغيرهم وما إن ينطفئ الرعب في قلوب الناس بعد مرور الوقت حتى يعودوا إلى ما كانوا عليه فيأكل الأب ابنه وتأكل الأم رضيعها وانتهت هذه الفظيعة بسقوط النجوم على الأرض فيختفي المرض ويبدأ الناس بالتفكير في مستقبلهم الذي يبدو باهتًا كما الماضي.
سأتحدث عن الرواية بطريقة محاور رئيسية كان موجودة في هذه الرواية.
* اللغة:
* دعونا بداية نتحدث عن اللغة التي يميز بها أيمن العتوم والتي لا يفتأ ولا يمل بجعلها العنصر الرئيسي الأبهى في كل رواياته فكان صف حروف مبهر عميق عتيف تاريخي عريق
سحرتني اللغة بجمالها وخفتها وقدرتها على أخذنا للوراء لأكثر من ٧٠٠ سنة وقدرتها على وصف الوجوه والمشاعر والأماكن والشوارع والأكل وصفًا دقيقة واقتبست من الرواية مقطعًا أوقفني من جمال لغته.
هل قامت الحرب؟ مَنْ يُعلِن الحربَ على بغداد؟ مَنْ يُعلِن الحرب على مدينة السّلام؟ كيفَ لمجنونٍ حتّى ولو كان ملكَ الزّمان، وسيّد الدّهر أنْ يضرب منارة العِلم؟ مَنْ تُسوّل له نفسي أنْ يعتدي على حرمة المُقسَم به في الكتاب؟ هل ما يحدثُ حقيقيّ؟ أهناك عاقلٌ يقوم بهذا؟ كانت الأسئلة تنهمر على عقلي وأنا لا أزال تحتَ تأثر المشهد المُفزِع، لكنّ ذلك المشهد لم يكنْ سِوى البداية، لقد كان القَتَلَة يُعِدّون المنجنيق لقذائف كثيرة ظلّتْ تقصف المدرسة وبغداد وأنهارَها وقناطرها وبيوتَها من الصّباح حتّى المساء. إنّها الحرب إذًا؟ لكنْ مَنْ سيّد هذه الحرب الطّاغية؟ لماذا لم يكنْ لهذا الهول من مقدّمات؟ لماذا أفقْنا عليه من دَعَة؟ وصحونا على ناره من تَرَف، وجاءَ على سَهو؟ هل الحرب المُعلَنة حربٌ رابِحة؟ كلا؛ على الحربِ أنْ تكون مُباغِتة تمامًا مثل الموت! كانت النّيران تشتعل في كلّ مكان، هل هي النّيران الّتي تأتي من المشرق وتُضيء أعناق الإبل في بصرى؟ هل قامت القِيامة؟ ما الّذي يجري في دار السّلام؟ هل صِرنا على أبواب جهنّم؟ أينَ هي الآخرة؟ هل هناك مهربٌ؟ صوتٌ قال لي: "لا مُقام لك فيها، لقد خَرِبتْ، كما خربت المدائن من قبلها، إنْ لم يكن اليوم فغدًا، إنْ لم يكنْ هذه السّنة فبعد سنوات، إنّها ليستْ دِيارك، لا تكنْ واهِمًا؟ إنّها حتفُك، بغدادُ حتفٌ مذ كانتْ، ليس فيها من السّلام شيءٌ، إنّها تِلالٌ من الجماجم المتفحّمة، والعِظام البالية، والأجساد المحروقة، لم يعدْ لكَ فيها موضعٌ فارحلْ أيّها العاشق!! من فوقَ أسطح داري، رأيتُ نهر دجلة يشتعل هو الآخَر، كانت السّفن والزوارق فيه تحترق، وبساتين النّخيل القريبة منه تحترق، والماء يفور بالنّار!!
* الروح:
لا أدري إن كان الكلام في هذا المحور واقعيًا أو ماديًا لكنه مجرد شعور داخلي فقد شعرت أن أيمن العتوم في هذه الرواية فقد كثيرًا من الروح الأدبية والعتيقة التي كانت لديه فكان هناك جمود محجم وبُعد جاف فأين روح أنا يوسف من هذه الرواية.
* الشخصيات:
* كانت إضافة الشخصيات إلى الرواية كفيلة بإمتاعنا وإبعاد الملل الذي قد يزهق أرواحنا وعدم سردها كأحداث تاريخية جامدة فقط.
لكنني شعرت أن الرواية بحاجة لشخصيات أكثر وخاصة في البيمارستان.
* الوصف:
كان الوصف في الرواية سيد الموقف وكان الكاتب يعول عليه حتى يوصل لنا كيف تحولت الجنة إلى جحيم والنعيم إلى عذاب فوصف حياة الناس الرغيدة بدقة وجمال ووصف الناس وأشكالهم وهيئاتهم وعيونهم ووصف المحلات التي تبيع البضائع كلها وصف محل الخضار والفواكه واللحم والشمع والسجاد جتى خيّل لنا أنه نعيم مقيم وخالد فقلب المشهد فوصف أيضًا كيف تحول سوق اللحم إلى هشاش وسوق الخضار إلى فراغ وسوق السجاد إلى عدم واستعان بذلك بوضعه بعض القصص الطريقة والشخصيات التي تروي كم كان أهل القاهرة يعيشون في رغد ومنهم درية التي كانت تطبخ له وتعلمه الطبخ فوصف الأكلات المصرية التي كان منها الملوخية وذكر تاريخها رالأماكن التي سميت بها والفاصوليا والبامية وغيرهم وهذا مقطع يصف فيه البامية وصفًا دقيقًا ملحميًا يصل حتى إلى وبر البامية:
(البامية)؛ تعرفها؟ هي بقدر إبهام اليد، شديدة الخُضرة، عليها وَبَرٌ يمكن الإحساس به إذا مررتَ بإصبعكَ فوقَه هكذا، عليكَ أنْ تكون رقيقًا؛ هكذا يا سيّدي، المرور الرّقيق يُشعرك بوجود هذا الوَبَر النّاعم، لو دَعَكْتَه بقوّة أو بسرعة فكأنّما مررتَ على بُستانٍ جميلٍ وأنتَ أعمى، هل تفهمني يا سيّدي؟
وهنا أيضًا وصف لصوت اللجام:
وعرفَ (الأبلق) ذلك من خُطُواتي السّريعة وأنا أنزل الدّرجات، فصهل، وأخرجَ عنقه من أعلى الباب المنخفض الّذي يُغلَق على إسطبله، وحرّك رأسَه الكبيرة، فراح اللّجام يتراشق، وسمعتُ مع صهيله صوتَ الحدائد الّتي في اللّجام، فقلتُ له: "أنا قادم".
* الإشارات والنبوءات:
رأيت في الرواية الكثير من المقاطع التي تحدثت عن ذلك ورأيت أن في ذلك مبالغة مع إضفاء هذا العنصر جمالًا وغموضًا لها
* المشاهد:
كانت المشهديات مؤلمة وفظيعة إلا أنها افتقدت الحس الشاعري وأرى أنه من المحتم والضروزي أن تحول هذه الرواية إلى فيلم سينيمائي لزخم المشاهد وفظاعتها وأهوالها ووفرتها
* الواقعية:
* في بعض الأحيان أرى أن عبد اللطيف البغدادي لن يستطيع ذكر كل هذا ولن يستطيع إحصاءه -هذا من الطبيعي ولا بأس أن يكتب فوق ذلك - لكنه كان في بعض الأحيان يذكر أشياء لم يرها ولم يشهدها مثل حادثة القافلة التي ذكرها وهو لم يرتحل خارج مصر بالأساس:
كانوا يسيرون في قوافلَ مُتهادِيةٍ على الرّمال، ليس في وجوههم ماء، غير النّظرات البائِسات، والأمل المنقطع، والرّجاء الميؤوس، وهم يُؤمّلون ما استطاعوا أنْ يجدوا عندَ أحدٍ أيًّا كان هذا الأحدُ ملاذًا. وكان قد قيل لهم إنّ أرضَ الشّام مُبارَكة، وإنّ العذاب لا ينزلُ بأهلها، وإنّ فيها من الخيرات ما يكفي النّاسَ كُلّهم، وإنّهم ليُرحّبون بمن جاء من أهل المِحن والمصائب فيُنزِلونهم ضِيفانًا حتّى يجدوا سبيلهم إلى رِزقهم. وعلى هذا ساروا.
لكنني شعرت أيضًا أن البطل -عبد اللطيف البغدادي- كان يتكلم من نظرة بعيدة وكأنه لا يصيبه ما يصيبهم.
* الأماكن:
كان في الرواية وصف دقيق للأماكن واستئثار عميق لحاراتها وأزقتها وأناسها وشوارعها وسمائها ومائها وهوائها وقد شرح الجانبين في مصر فشرح البغاء والعبادة والفسق والتقوى الإحسان والفجور الانقباض والعطاء الجريمة والشرف وكأن ذلك كان محورًا للرواية وهناك من ظل شريفًا حتى في أحلك الظروف القاسية التي وافتها القاهرة في الجائحة وهناك من اختار أن يأكل لحم أخيه ميتًا محروقًا على الحقيقة.
وأوصل لنا روح الصعيد وبساطته وعراقة بغداد ورغد القاهرة فأحسسنا أننا نذهب إلى تلك الأماكن بأرواحنا.
* المكتبات:
كان عشق الكتب والمكتبات بارزًا في الرواية وهذا يدل على أمرين عشق الكاتب لهما وعشق البطل لهما ويتبع ذلك الشعر أيضًا فكان هناك تنافس للمكتبات ووصف دقيق للكتب وفي كل مكان يذهب إليه البطل يرى مكتبة ويصفها:
فطفتُ وأنا في غاية الذّهول مِمّا أرى، كانتْ أعظمَ مكتبةٍ أراها في حياتي، ليس مثلها مكتبة بغداد، ولا مكتبة البيمارستان على فضلها هناك، ولا مكتبة البيمارستان هنا، وأخذتْني الرعدة وأنا أرى فيها كتبَ ابن قتيبة بخطّ يده، ومختارات المُفضّل الضّبّي بخطّ يده، وخِفتُ أنْ يكون القاضي الفاضل أخفى عنّا رؤيةَ المكتبة لأنّه لا يُريدُنا أنْ نراها، فاستعجلتُ بالطّواف بين رفوفها الّتي كانتْ تمتدّ في غرفٍ متلاصقةٍ يُفضي كلّ بابٍ إلى آخرَ بقوسٍ كبيرةٍ في أعلاها، كلّ غرفةٍ تطول أكثر من مئة ذراع، وكان هناك أكثر من مئة غرفةٍ كلّها مليئة بالكتب عن بكرةِ أبيها. وعرفتُ من خلال تَطوافي السّريع أنّ القاضي الفاضل قد صنّفها على أبوابها، فرأيتُ فيها كتب النّحو واللّغة والحديث والتواريخ وسِيَر الملوك والتّنجيم والرّوحانيّات والكيمياء، وغيرها... ولقد رأيتُ فيها تاريخ ابن الأثير المُسمّى الكامل في التّاريخ، وهو مُعاصِرٌ لنا، ولا بُدّ أنّه كتبَه هو أو أحدُ نُسّاخه وجيءَ به إلى هنا من فَوره، ولا أدري إنْ كان تامًّا على هذه الهيئة، فقد رأيتُ منه ثمانية مجلّدات!
* التسلسل
كان التسلسل والنظم منظمًا وسلسًا ينتقل من حدث إلى آخر وفي نهاية كل حدث يشير إلى بداية حدث آخر ومان لتنظيم الفصول أثر أيضًا في تركيب الأحداث التاريخية في عقولنا فرتبناها حسب ترتيد الفصول تبدأ الكارثة بالزلزال مرورًا بالطاعون وأكل لحوم البشر حتى تنتهي.
* النهايات:
انتهت الرواية بتساقط النجوم لأن الطاعون امتد إلى سفاسف الأشياء وأبسطها وانتهى أيضًا إلى الأخلاق والطبائع فلن يزيل الكارثة إلا كارثة أكبر وذكرتني نهاية
هذه الرواية بنهاية خاوية فكان الطوفان تهاية الحرب .
* مقارنة بين الكورونا والطاعون:
في كل حدث أو إشارة أو شخصية في رواية الطاعون هذه كنت أربط بين جائحتهم وجائحتنا وهذه بعض المقارنات على المستوى المحلي (الأردني):
- كان مسؤول الديوان في الرواية يشبه سعد جابر لدينا وزير الصحة الذي كان يدير الأمور ويعلن أعداد المرضى والوفيات ويصدر القوانين.
- كان لوقع أرقام الموتى في قلوب الناس تشابهًا حد العجب ففي البداية يقول الكاتب في الرواية أن الديوان أعلن عن موت خمسين دفنوا بكرامة واليوم الثاني مئة والثالث ثلاثمئة ثم صارت أعداد الموتى وكثرتهم خبرًا عابرًا كأن يقال "خرج السلطان للصيد" وصار الحصول على كفن مجرد أمنية، ولدينا في بداية الجائحة كان يموت الواحد والاثنان فنصهق ونخاف ونترحم وفي منتصف الجائحة كنا نسمع عن أعداد المرضى أنها تصل إلى ٥٠ فنصعق أيضًا والآن وصلت الأعداد إلى ألف وألفين فلم نعد نكتر -رحمة الله على الميتين وشفى الله المرضى-.
- وذكر أيضًا نفسيات الناس فمنهم من يقول "هذا غضب وعقاب من الله لكثرة ذنوبنا" ومنهم من يقول "إن الفئران أتت من السفن" ومنهم من يقول "هذا من أنفسنا" "من ضحايا الزلزال" "الجن من أحضره" كما لدينا يتناقش الناس ويتحاور لمدة ساعات إن كانت الكورونا مؤامرة أم ليست كذلك فهناك العاقل وهناك المتوهم.
- كانت أنواع الناس تتنوع كما الآن فمنهم من كان يستخدم قاعدة (علي وعلى أعدائي) فيتظاهر بعدم المرض ويعدي الناس ، كاللذين يعطسون في وسط الازدحام ومنهم من حجر نفسه حتى لا يرى الناس منهم شرًا أو مرضًا.
- أصدروا الكثير من القوانين التي تمنع تجول الناس في الشارع وتمنع قدوم السفن والبريد ويمنع الاحتكار كما قوانين الدفاع لدينا.
- أيضًا العائلات التي ماتت من الجوع داخل المنازل كانت موجودة في أيام الطاعون.
* أخيرًا:
إن رؤية المشهد من منظور بعيد يجعلنا نرى الأمور أوضح وأعمق وهذه تمامًا هي وظيفة التاريخ فإنه يوضح لنا ما حدث لمثلنا فنعتبر ويكسبنا الصبر والوعي والعقلانية وفضاءً للتفكير فما أحوجنا إلى مثل هذه الروايات التاريخية السلسة وسهلة المتناول حتى تعرفنا ما حدث لغيرنا فنفهم السنن الكونية ومظاهر هذا العالم والسلام.
فاطمة العتوم



رواية "مسغبة"

اضغط لتقرأها على تطبيق أبجد