الاثنين، 15 أكتوبر 2018

صلح الحديبية المظلوم

صلح الحديبية المظلوم

 الكاتب: محمود ممتاز

كم يؤلمني سماع جوقة المطبّلين من قادة بعض الحركات الإسلامية حينما يستشهدون في حادثة صلح الحديبية عند كل مهادنة سياسية يقومون بها مع العدو بعد أن يتم توريطهم في كل منزلق وسقوط ينحدرون وينحرفون فيه عن الأحكام الشرعية وثوابت الإسلام التي لا طالما كانت خطًا أحمرا، فيعلّقون فشلهم وسقوطهم وهزيمتهم على صلح الحديبية بشكل سطحي مشوّه بعيد كل البعد عن أحداثه وشروطه وضوابطه الشرعية.
فهذا الصُّلح كان شاهدًا على العزّة والقوّة والذكاء السياسي المنقطع النظير الذي كان في جُعبة الرسول محمد صلوات الله عليه المُوحى إليه من الله عزّ وجل، إذ أنّه لا يُعتبر سقوطا ولا تنازلاً كما يظن أولئك المُنهزمون وإنّما هو ثبات تام على المبدأ بل ومناورة سياسية لها أهداف سامية في تحقيق نشر الإسلام وتمدد دولته والقضاء على كفّار قريش واليهود معًا، كما يُقال عصفورين بحجرٍ واحد، ولذلك أعتبر تبريراتهم الجاهلية التي أوردتهم وأوردتنا معهم للمهالك ما هي إلّا ظُلُم وانتقاص لهذا العمل السياسي العظيم الذي قام به رسول الله وهو في أصله حُكم شرعي.
ومن هنا فنحن بحاجة لثورة فكرية مُنضبطة بالأحكام الشرعية تُنظّم سلوك الإنسان بالأحكام الشرعية وتنزلها موضع التطبيق بعد القياس الذي يتطابق مع واقع المشكلة فيكون الحُكم الشرعي الصحيح لعلاج هذا الواقع المأزوم.

حيثيات وأحداث صلح الحديبية

وعليه لا بد من الحديث عن حيثيّات الأحداث السياسية التي حدثت في هذا الصلح سواء قبله أو بعده لتوضيح بعض الموضحات، فقد بلغ للرسول محمد صلوات الله عليه قبل مسيره إلى الحديبية أن يهود خيبر يأتمرون مع قريش على غزو المدينة والقضاء على المسلمين، وكانت هذه المؤامرة بينهم سرية، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسلك خطة السلم مع قريش ليصل إلى موادعات بينه وبينها، ثمّ يتفرغ للقضاء على اليهود، فلمّا أتم خطة السلم كاملة في الحديبية، وعزل بها خيبر عن قريش، باشر بإتمام باقي خطته بالقضاء على اليهود في خيبر.
فأمر بتجهيز الجيش حال رجوعه من الحديبية، وسار في ألف وستمائة من المسلمين، ومعهم مائة فارس وكلهم واثق بنصر الله، وقطعوا مراحل الطريق ما بين خيبر والمدينة في ثلاثة أيام ودكّوا حصون خيبر كلّها، ومن ثمّ تمّ القضاء على سلطان خيبر السياسي وإخضاعهم لسلطان المسلمين فأمّن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ناحية الشمال إلى الشام، كما صار من قبل ذلك بمأمن من ناحية الجنوب بعد صلح الحديبية، وفتحت الطريق أمام الدعوة في داخل جزيرة العرب، كما فتحت الطريق أمامها في الخارج.
فها نحنُ نلاحظ فائدة هذا العمل السياسي الشرعي الذي أرهق الكافر وهزمه وأفضى لتفتيت حصونه والسيطرة على جزيرة العرب بشكل شبه كلّي خاصّة بعد أن نقضت قريش هذه المعاهدة فتّمّ لاحقًا القضاء على سلطانها السياسي وتربّع الإسلام حاكمًا وسيّدًا على مكّة بعد فتحها، فلم يكن صلح الحديبية دعوة للذّل ولا للتنازل عن مبدأ الإسلام مطلقًا وانّما كان عملا سياسيا يدعو للعزّة والقوّة والذكاء والثّبات.

شروط القياس على صلح الحديبية

أمّا بالنسبة لموضوع عقد الهُدن مع العدو وتكرار هذه الاسطوانة المشروخة من قبل بعض قادة “الحركات الإسلامية” اليوم فإنّ كلامهم مردود لعدم توافر الشروط والضوابط الشرعية في القياس مع حكم صلح الحديبية (الهدنة والتي تعتبر جائزة شرعا) والتي لها شروط شرعية وهي:
1-إنّ هذا العمل الذي قام به الرسول محمد لم يكون إلّا مع دولة صاحبة سلطان ذاتي (قريش) ولم تكُن مُحتلّة لأرض إسلامية بتاتًا ، أي أنّ الرسول ما هادن دولة مغتصبة لأرض إسلامية.
2-إن إبرام المعاهدات من الأحكام التي أُنيطت بسلطان المسلمين (دولة وكيان سياسي) ، ولا يكون ذلك للجماعات، فهي ليست صاحبة سلطان، ولا تملك إلزام الناس ولا من خالفها في الاجتهاد.
3-إن الجهاد فرض وهو ماضٍ ولا يجوز بأي وجه أن تكون الهدنة معطّلة للجهاد.
4-يجب أن تُحدد مدّة للهدنة ولا يجوز أن تكون دائمة.
5-وجود مصلحة يقتضيها الجهاد ونشر الدعوة، مثل التفرغ لقتال آخرين لعدم قدرة المسلمين على خوض القتال على كل الجبهات ، واستكمال الاستعدادات للمعركة القادمة ، وتفكيك معسكر الأعداء بعرض مال على بعض المتحالفين للانسحاب من المعركة كما كان في معركة الخندق ، وأن يتضمن الاتفاق السماح لدعوة الإسلام في بلادهم ودفع جزية للمسلمين، وغير ذلك من شروط فيها مصلحة الجهاد ونشر الدعوة.

وتُنقض الهدنة في الأحوال التالية

1-سِلم المسلمين واحد وحربهم واحدة، فلا تكون هدنة في غزة وقتلًا في القدس ورام الله، هدنة في الزبداني أو درعا وقتلًا في حماة أو إدلب ، فينقض عهدهم باعتدائهم على المسلمين.
2-وإذا انتهت مدة الهدنة.
3-وإذا ظهرت أمارة أو أي بادرة تنبئ بخيانتهم (العدو)، يبلغوا بإلغاء الهدنة ولا ينتظر تحقق الخيانة.
وبهذا الاستعراض السياسي والشرعي يتبيّن لنا سخافة الاستدلال بصلح الحديبية من قبل بعض أصحاب العقلية البراغماتية اليوم والبُعد كلّ البُعد عن العمل السياسي الواعي المُنضبط بالحكم الشرعي، لذلك لا بد من تصحيح المفهوم السائد لديهم بأنّ صلح الحديبية دعوة للقوة وليس للتنازل والذّل، فما هذا المقال إلّا ومضة فكريّة لتحريك العقول والكف عن تسطيح الدين.

 الكاتب: محمود ممتاز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق