الجمعة، 26 أكتوبر 2018

أردوغان وسر النجاح الراهن!

أردوغان وسر النجاح الراهن!


د. محمد الجوادي
مفكر سياسي

من فضل الله أن الرئيس أردوغان ليس مستوفيا للمواصفات القياسية العربية وهذا من أبرز أسباب نجاحه الأخير الذي كشفت عنه مواقفه الذكية في مأساة خاشقجي التي عبرت بكل وضوح عن كثير من عيوب العقل السياسي العربي المعاصر في تعامله مع الأحداث والسياسات والاستراتيجيات، وكانت ولا تزال بمثابة فرصة حقيقية لهذا العقل أن يراجع نفسه في ضوء التجربة وفي ضوء الأداء المثالي الذي رآه أمام عينيه ناجحا على حين أن الأداء الحماسي أو الانفعالي الذي كان العقل العربي ينادي به أظهر بوضوح أنه كان كفيلا بأن يؤذي القضية الإنسانية وروح العدل والتدابير الأمنية ودولة تركيا وتجربة أردوغان وحزبه إيذاء بالغا دون أي مقابل إلا التصفيق الحاد الذي سرعان ما ينقلب إلى بكاء وندم.

منذ الأيام الأولى كانت الأقلام العربية تندفع لتنتقد أردوغان في جزئيتين:
الجزئية الأولى: هي غياب الحمية والحماسة والانفعال.
والجزئية الثانية: هي بطء التصريح بالحقيقة على الرغم من أنه من المفترض أن يعرفها.

في مواجهة هذه الدعوات والدعاوى كنت أذكر من يقولون هذا بأن العرب ظلوا يعايرون الرئيس عبد الناصر وجيش مصر (بل ومصر كلها) بأن قوات الطوارئ الدولية تنصب معسكراتها في شرم الشيخ وأنها هي التي تحمي الرئيس عبد الناصر الذي يزعم أنه قائد القومية العربية والأمة العربية. وطيلة عشر سنوات كان الرئيس عبد الناصر يواجه هذه الصيحات الاستفزازية التي تسلب منه مجده وإنه لن يندفع أبدا بقول عاقل متزن يقول فيه إنه هو نفسه الذي سيختار موعد المعركة وليس العدو إلى معركة تفرض عليه. 

كان المشير عبد الحكيم عامر في أثناء زيارة له 1966 بعام واحد أي في سنة 1967وحتى ما قبل في باكستان قد واجه هذا الاستفزاز بصورة قاسية حتى إنه بعث ببرقية إلى القاهرة يطلب فيها من الرئيس عبد الناصر أن يطرد قوات الطوارئ الدولية وأن تتولى مصر الدفاع عن نفسها.. إلخ، لكن عبد الناصر لم يستجب للقائد العام وأخد على نفسه المسئولية بإقناعه. لكن تكرار الاستفزاز المكثف جعل عبد الناصر في لحظة من لحظات الانفعال مضطرا إلى أن يمارس الزعامة على نحو ما يريدها الشارع فأغلق المضايق معلنا الحرب فكان ما كان من أكبر هزيمة حاقت بالعرب في تاريخهم.

نجد أردوغان لا يفرض قواعده هو على اللعبة وإنما هو يحترم قواعدها المقننة سلفا، فإذا كانت كرة القدم بالأهداف فإنه لا يطلب أن تكون بالقفزات
ظل العرب يستفزون أردوغان في كل فرصة تسنح لهم منذ حادث الباخرة مرمرة وحتى مأساة اغتيال خاشقجي، ووصلوا في استفزازه إلى أقصى درجات الغدر والمغالطة والخيانة حيث تراوحت الاستفزازات من دعوته إلى إظهار الرجولة إلى إظهار الإسلام إلى إظهار القوة إلى إظهار الذكاء.. إلى إظهار الشرف. في الوقت ذاته كانت الاستفزازات الغادرة تفرض عليه أن يلجأ إلى مسارات خاطئة من أجل أن يتجنب دعايات سوداء وذلك من قبل القول بأنه رضخ واستكان لأمريكا وبأنه باع دم خاشقجي وبأنه عقد صفقة مع السعودية وبأنه أكل الأرز الخليجي.. إلخ، وكانت كل دعوى من هذه الدعاوى كفيلة بأن تحطم كل ما يملكه أردوغان من أوراق الضغط وأوراق القوة على حد سواء. لكن السياسي المحنك المؤمن بربه والمنشغل بالارتقاء والعمل الجاد لم يشغل باله أبدا بأن يلبي احتجاجات الطابور الخامس أو رغبات العدميين أو حتى طموحات المثاليين وأحلام المحبين.

إذا أردنا أن نعدد بعض الأسباب التي مكنت أردوغان من تحكيم العقل الواعي بدلا من العاطفة المشبوبة فإننا نجد يقينا بالله سبحانه وتعالى ونصره كما نجد إيمانا حقيقيا بالإنسان وبأنه كانسان (حتى من دون أن يكون حاكما) خليفة لله في الأرض وهي الحقيقة القائمة من قبل لجوء المغالطين إلى دعاوى الخلافة. ثم نجد إيمانا بدولة المؤسسات وبدور المختصين وبسؤال أهل العلم وبالاستمتاع إلى صوت العقل والمنطق والتاريخ. ثم نجد في المحل الرابع عنصرا يتغافل عنه كثير من الإسلاميين حتى إنهم يظنون أنه يعيب أردوغان، وهو بناؤه على تراث علمانية التركية وعلى تراث الجمهورية التي أسسها أتاتورك، ومع أن الظاهر أن أردوغان يعدل في العلمانية والجمهورية فإنه يعدل في كليهما من داخلهما وبمنتهى الإخلاص للقيم الإيجابية في العلمانية وفي الجمهورية وهي قيم حقيقية يصعب إنكارها حتى إن كان هذا الإنكار سهلا على العدميين العرب لأسباب عاطفية في المقام الأول ولأسباب تتصل بعدم المعرفة السياسية ولا نقول الجهل.

في المحل الخامس نجد أردوغان لا يفرض قواعده هو على اللعبة وإنما هو يحترم قواعدها المقننة سلفا، فإذا كانت كرة القدم بالأهداف فإنه لا يطلب أن تكون بالقفزات وإذا كانت تنس الطاولة بين فردين أو زوجين فإنه لا يخترع تنس طاولة ثلاثية أو رباعية. وهكذا فإن أردوغان في ممارسة السياسة يتكلم لغة العالم المعتمدة مع اعتزازه بتركيبته وبتركيته معا.. لكن العرب يريدون من أي ممارس للسياسة أن يتكلم في كل لعبة باللهجة التي يحبونها أو يطربون لها وهم يشاهدونها على من شأن روح المقاصد فوق نصوص ُ في المحل السادس فإن أردوغان يعرف معنى المقاصد ويجلها ويخضع لها، وهو المعنى ُ الإيديولوجيا لكنه لا يتخلى عن الإيديولوجيا وإنما هو يحترمها وي الدقيق الذي صاغه سعد زغلول وجيله حين كانوا يحكمون روح القانون حتى وهم يتعاملون مع نصوصه واجبة التنفيذ.

وفي السياق ذاته فإن أردوغان ينفتح على المذاهب والنظريات على نحو ذكي لا يدعي لنفسه التأليف ومن ثم فإنه ينجو من الاتهام التقليدي بالتحريف.. وهو يعرف أن كل من يحقق النجاح الذي حققه في التوفيق متهم بالتلفيق لكنه شأن علماء الإسلام الثلاثة المجددين المتتاليين (محمد عبده ومحمد مصطفى المراغي وحسن البنا) يتحمل سيل الاتهامات بالتلفيق وبالبعد عن المذهبية الخالصة، وذلك من أجل تحقيق مصلحة أوسع من الالتزام النصوصي أو الالتزام المعنوي بما تتوقعه الجماهير. ومن الغريب والطريف أن أردوغان قد أفاد من تراث المصريين والأزهر والإخوان المسلمين بأضعاف ما أفاد المصريون الذين يكتفون الآن بالتعالي غير المبرر على بعض سياساته. وهم يفعلون والتي، هذا كرد فعل طبيعي وتوقع للعدمية التي لا تزال تجد أرضا خصبة في مصر المعاصرة تؤذي كاتب هذه المدونة بأكثر مما تؤذي غيره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق