السبت، 4 يوليو 2020

التاريخ الأمريكي الأسود في جزر الفلبين

التاريخ الأمريكي الأسود في جزر الفلبين


 أحمد الظرافي
عوامل الغزو الأمريكي للفلبين:
أثناء الحرب الأمريكية الإسبانية، كانت رسائل المجلس العسكري الأمريكي توحي بأن هدف أمريكا من الحرب، هو مساندة الفلبين من أجل الإنسانية، وأنه بمجرد انتهاء الحرب، تنال البلاد استقلالها. وفي هذا الإطار أعاد الأمريكيون الزعيم الثوري الفلبيني إميليو أغينالدو، إلى البلاد، لكنهم سعوا لاستخدامه حتى انتهاء الحرب، وبعدها رفضوا الاعتراف بالجمهورية الفلبينية المستقلة، التي أعلنها أغينالدو عامي 1898، 1899، فقد كانت الفلبين بالنسبة للأمريكيين، هدية سماوية، يتوجب عليهم الحفاظ عليها، مهما كان الثمن. ويرجع ذلك في المقام الأول، إلى عوامل سياسية واقتصادية، بعد الثورة الصناعية في أمريكا، والتي أدت إلى فائض في الإنتاج، يحتاج إلى أسواق أجنبية لتصريفه، وفي مقدمتها أسواق الشرق الأقصى، وبخاصة الصين، البلد الاستهلاكي الأول في آسيا، وأيضا لضمان وصول السفن البحرية الأمريكية إلى تلك المنطقة. ولهذا وذاك، فقد ضغط رجال الأعمال الأمريكيين على البيت الأبيض، بضرورة خضوع الفلبين لأمريكا. وقد عبر السيناتور البرت بيفيردج، عن ذلك بتاريخ 9 يناير 1900 بالقول: "سيادة الرئيس.. هذا وقت الصراحة ...لقد أصبحت الفلبين لنا وستبقى كذلك إلى الأبد..وخلف الفلبين تنتظرنا أسواق الصين اللامحدودة.. ولن نتراجع عن أي منهما، ولن يتخلى الأمريكيون عن المهمة الملقاة على عاتقهم من السماء، باعتبارنا أوصياء على الحضارة البشرية باسم الله.. إلى أين نتجه بحثا عن مستهلكين للفائض من منتجاتنا؟ الإجابة في الجغرافيا.. فالصين هي المستهلك الطبيعي لنا..لقد منحتنا الفلبين قاعدة على أبواب الشرق برمته..". ومن هذا النص يظهر أنه كان هناك دافعا ثالثا للاحتلال الأمريكي للفلبين، وهو الدين، فالأمريكيون كانوا ولا زالوا يعتبرون أنفسهم أصحاب رسالة سماوية، تبرر لهم احتلال بلاد الآخرين، وهذا يتضح بصورة ساطعة فيما قاله ويليام ماكينلي، الرئيس الأمريكي، حينذاك (1897-1901)، أمام مجموعة من زوار البيت الأبيض، وهو : "أود أن أقول لكم شيئا حول موضوع الفلبين، فالحقيقة أنني لم أكن أريد الجزر الفلبينية، وعندما هبطت علينا هدية من السماء، لم أكن أدري ماذا أفعل بها... حاولت الحصول على مشورة الديمقراطيين والجمهوريين ولم أخرج بفائدة تذكر. فكرت في البداية بالعاصمة مانيلا ثم لوزون، وبعد ذلك قلت لنفسي لم لا نسيطر على باقي الجزر! شغلني هذا الموضوع معظم الليالي، ولا يراودني أي شعور بالخجل...إذا قلت لكم أيها السادة بأنني كنت أركع على ركبتي وأصلي لله العظيم طالبا منه الرشد، وفعلت ذلك أكثر من ليلة، وفي أحد الليالي جاءني الإلهام.. من أين، لا أدري ولكن هذا ما ألهمني به الله". وبحلول عام 1901، وضعت الفلبين داخل الخرائط أرضًا أمريكية.
الحرب الأمريكية الفلبينية:     
. ومهما كان من أمر، فقد رفض الثوار الفلبينيون بالمقابل، استبدال المحتل الإسباني[1] بآخر أمريكي، وآثروا استكمال ثورتهم التي بدأوها عام 1896، واستطاعوا السيطرة على أغلب أجزاء الأرخبيل الفلبيني، فيما عدا "مانيلا"، عاصمة البلاد، وذلك قبل وصول القوات الأمريكية البرية. وهكذا اندلعت الحرب الفلبينية الأمريكية، التي استمرت ثلاث سنوات، ونتج عنها مقتل 600 ألف فلبيني غالبيتهم العظمى من المدنيين، حيث استخدمت أمريكا قوتها المفرطة، في مواجهة المقاومة الفلبينية التي كانت تفتقر إلى الذخيرة والأسلحة الجيدة، حتى أن فريقًا منهم كانوا مسلحين بالرماح، والحجارة.وبعد أن استقر وجودها في الشمال، حشدت أمريكا في عام 1903، حوالي 128 ألف جندي أمريكي، لإخضاع المسلمين المورو في جزيرة ميندانو ومجموعة جزر سولو في جنوب الفلبين. وكان مسلمو مورو أشداء في القتال بطريقةٍ لم يعهدها الأمريكيون في الفلبين من قبل، لأنهم، أي المسلمين، كانوا يقاتلون عن عقيدة. ولذلك، وبعد أن عجزت القوات الأمريكية، عن كسر شوكتهم، شنت عليهم حربا جرثومية، فاجتاحت مناطقهم العديد من الأوبئة الفتاكة كالكوليرا والجدري والطاعون، وأودت بحياة حوالي 200 ألف نسمة، حسب التقرير الغربية نفسها، واهمها تقرير لجنة تافت. بيد أن ذلك لم ينتج عنه قبول المسلمين، بالأمر الواقع الذي فرض عليهم، وهو ما أدى إلى اندلاع ثورة المسلمين المورو، ضد الأمريكان مجددا في مارس عام 1906، احتجاجا على الضرائب الأمريكية، التي رأوها أشبه بالجزية، وعلى مصادرة أراضيهم واعتبارها ملكية عامة، وهكذا اشتعلت الحرب من جديد بين الجانبين، وأبلى فيها المسلمون بلاء حسنا، غير أن سيوفهم المعوجة وقنابلهم المصنوعة من قليلٍ من البارود مخلوط بكثير من الأصداف البحرية، لم تصنع شيئا في مواجهة الأسلحة الأمريكية المتطورة والفتاكة، وبخاصة مع اتباع القوات الأمريكية لسياسة الأرض المحروقة، حيث لم تكن تميز بين مدني ومسلح، ولذلك فقد انتهت المعركة بإبادة الآلاف من المسلمين، والذين بلغ ارتفاع جثثهم مترا ونصف المتر، بعضهم تم الاجهاز عليهم وهم جرحى، وبعضم قتلوا صبرا، وتم دفنهم مع الخنازير في مقبرة واحدة، من قبل الجنرال جون برشنج الحاكم العسكري الأمريكي (1906-1909)، وذلك أملا منه في أن لا يعود المسلمون لحمل السلاح ضد قواته مرة أخرى، خوفا من أن يتم القبض عليهم وقتلهم، وبالتالي دفنهم بجانب الخنازير في مقبرة واحدة، فيكون ذلك سببا لدخولهم النار ،كما كان يعتقد هذا القائد الأمريكي الطاغية. وقد استمرت مقاومة المسلمين للأمريكيين حتى عام 1913، عندما نجح الحاكم العسكري الأمريكي، في إخضاع سلطنة سولو، أقوى المعاقل الإسلامية في جنوب الفلبين.
السياسة الأمريكية تجاه المسلمين المورو
ولما أدرك السياسيون والقادة الأمريكيون، بعد كل تلك المجازر، أن القوة، وحدها لا تجدي نفعا في التعامل مع المسلمين، أو بالأحرى، غير كافية وحدها لإخضاعهم، كونها تزيدهم استبسالا وتضامنا واندفاعا للجهاد والاستشهاد، قرروا تغيير سياستهم إزاءهم، فانتهجوا أسلوب الترغيب، بدلا عن البطش والترهيب، للتخفيف من نقمتهم ومقاومتهم، فتم استبدال الحاكم العسكري، بحاكم مدني أمريكي عام 1914، وأعطي المسلمون هامشا من الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية، وفي إدارة شئونهم العامة، ونتيجة لذلك فقد خفت حدة التوتر، وساد البلاد هدوء نسبي استمر حتى عام 1918، وهو العام التي انتهت فيه الحرب العالمية الأولى، والتي كانت الولايات المتحدة إحدى الدول التي شاركت فيها. وفي عام 1920 لجأ الأمريكيون إلى أسلوب الغزو الثقافي، وإلى فتح أبواب البلاد، لجحافل المبشرين من كاثوليك وبروتستانت للانتشار في مناطق المسلمين الفقيرة والمحرومة، وذلك لدعوة المسلمين، لتغيير عقيدتهم، كما لجأوا، في الوقت نفسه، إلى استقدام مهاجرين كاثوليك من الشمال للاستيطان في أرض المسلمين في الجنوب، ومنحوهم التسهيلات والإعفاءات، التي تشجعهم على البقاء والاستقرار، وذلك لتغيير التركيبة السكانية والهوية الدينية، في هذه المناطق، التي استعصت على الاسبان على مدى ثلاثمائة عام من الغزو. وفي غضون ذلك، وضع الحاكم الأمريكي "كاربنتر" برنامجا ثقافيا تربويا لمحاولة تغيير اتجاهات المسلمين وأفكارهم وعادتهم وتقاليدهم، وقال له أحد أعضاء مجلس النواب الأمريكي مشجعا ومباركا: "أنت تقوم بعمل خطير جدا، لأنك تثقف المسلمين ليعرفوا قيمتهم". وفي حين حظي هذا البرنامج بالنجاح في المدن، وقف ضده زعماء القبائل الإسلامية، والذين رأوا فيه برنامجا لغسل أدمغة المسلمين، وتنصيرهم، وتغيير أساليب حياتهم إلى أساليب الحياة المسيحية. وفي عام 1936 حين تغير وضع الحكم الأمريكي في الفلبين إلى حكومة انتقالية تمهيدا للاستقلال التام الذي تقرر إعلانه في عام 1945، تحت مسمى "حكومة الكومنولث الأمريكية بالفلبين"، أُسندت الوظائف الإدارية إلى الفلبينيين الكاثوليك، وجعلت شئون المسلمين بأيديهم، تحت حماية أمريكا، وذلك تمهيدا لضم بلاد المسلمين المورو إلى الفلبين المسيحية، الأمر الذي عارضه المسلمون، ولكن دون جدوى، فقد قابلتهم السلطات الاستعمارية الأمريكية بإذن من طين وإذن من عجين. وكأنه كتب على المسلمين في جنوب الفلبين أن يضلوا أسرى لحياة البؤس والشقاء والاضطهاد، تحت هيمنة أعدائهم الصليبيين الدخلاء، على اختلاف طوائفهم وحكوماتهم، ولذلك ما أن انسحبت القوات الأمريكية من ديارهم عام 1946، حتى حلت محلها، القوات الفلبينية الوطنية التي يسيطر عليها النصارى الكاثوليك، ونتيجة لذلك، فقد أزداد وضع المسلمين سوءا، فكان عليهم حمل السلاح من جديد دفاعا عن وجودهم وهويتهم.



[1] انظر، الاحتلال الإسباني للفلبين.. أبعاده ونتائجه، مجلة البيان، العدد 399، ذو القعدة 1441هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق