الخميس، 16 ديسمبر 2021

تُصلح الرياضة ما تفسده السياسة

 تُصلح الرياضة ما تفسده السياسة



ياسر أبو هلالة

سمح نجاح بطولة كأس العرب، تنظيماً وحضوراً ومشاركة، بمعزل عمن سيفوز فيها، بالتفاؤل، حسب مقولة إنّ الرياضة تُصلح ما أفسدته السياسة. 

وأظهرت منافسات البطولة قدرات عربية ترتقي إلى العالمية، ليس في اللعب على مستوى المنتخبات، وإنما أيضاً في التنظيم والإعداد والبنية التحتية، وهو ما شكّل مقدمةً تعزّز الثقة بالنتيجة، ممثلة في جدارة قطر باستضافة كأس العالم 2022.

كما نجحت قطر في استغلال بطولة كأس العرب منذ اللحظة الأولى في حفل الافتتاح، لبناء روح جامعة، من خلال أعمال فنية إبداعية بصرياً وغنائياً. 

ولعلّ العرب استمتعوا، للمرة الأولى، بالأناشيد الوطنية مجتمعةً في أغنية واحدة غناها الفنانان الأردنيان محمد بشار وأحمد الزميلي والفنانة نسمة. وفي أثناء الغناء، بدا الإجماع على القضية الفلسطينية من خلال التصفيق الحار مع ظهور علم فلسطين. وعلى الرغم من تواضع المشاركة الفلسطينية أداء رياضياً، حضرت فلسطين بقوة من خلال رفع أعلامها في ساحة الملاعب، وخصوصاً من الفريق الجزائري.

في الرياضة، اشتبك المغرب والجزائر، وقدّما عرضاً على مستوى عالمي في منافسة حادّة. 

هذه الروح الرياضية التي شهدتها ملاعب الدوحة لا يعكّرها صحافي جزائري موتور في عنوان صحيفةٍ تصف المغرب بـ"جار السوء". والمأمول أن يرتقي البلدان في خلافهما إلى مستوى الفريقين وجمهورهما.

صحيحٌ أنّها البطولة العربية العاشرة، لكنّها الأولى التي ترتقي إلى العالمية، من خلال تنظيمها عن طريق الفيفا، وبعد تعطيل تسع سنوات. وهي تعطي نموذجاً في قدرة العرب على العمل في المتّفق عليه، وعذر بعضهم في ما اختلفوا فيه. نحتاج فعاليات عربية على مدار العام، ثقافية ورياضية واقتصادية، تبني على المشترك وتحيّد المُفرّق.

في كأس العرب، شاهد العالم روعة المعمار في الاستادات الرياضية التي أنجزها معماريون قطريون وعرب، في مقدمتهم الراحلة زها حديد، وشاهدوا الهوية العربية في البشر والحجر، وهذا سيتكرّر بشكل أوسع في كأس العالم.

المؤسف، قبل صلح العلا، سخّرت دولة عربية جُلّ إمكاناتها وعلاقاتها لإفساد استضافة قطر كأس العالم، وحالفها في ذلك حسدٌ وتباغضٌ من تيار غربيٍّ معادٍ للعروبة والإسلام يستكثر على بلد عربي مسلم استضافة البطولة، وتقديم صور مشرقة للمجتمعات العربية الإسلامية. وشهدنا مجموعاتٍ من الصحافيين والمؤثرين، لا هم لهم إلّا التحرّش والتصيّد، وكأنّ قطر دولة اسكندنافية.

لم تزعم قطر يوماً أنّها بلدٌ يرتقي إلى معايير الديمقراطية الغربية، وذلك ليس شرطاً لاستضافة كأس العالم. لكنّها، في المقابل، من أكثر دول المنطقة تطويراً لمعايير العمل والعمّال والارتقاء بها، وفيها مساحة تسامحٍ وتعايشٍ تؤهلها لاستضافة البطولة. وقلّ أن تجد دولةً عربيةً تؤمّن الرعاية الصحية للعمال كقطر، وقد تجلّى ذلك في جائحة كوفيد-19، فالعمّال تلقوا اللقاحات والعلاج مثل المواطنين. ولا تُقارن الرعاية الصحية للعاملين في قطر حتى بدول غربية، ذلك وغيره لا يقلل من قيمة انتقادات المنظمات الحقوقية المعتبرة، وكثير منها يخصّ شركات خاصة لا ترتقي إلى معايير القوانين الدولية ولا الوطنية. وقد استجابت قطر لانتقادات كثيرة، وعدلّت وطوّرت من تشريعاتها وممارساتها، وهو ما أشادت به المنظمات الحقوقية.

في ظل النكايات السياسية العربية، والعداء للعروبة والإسلام لدى مترفين في الغرب مفهوم أنْ تتعرّض استضافة قطر للتآمر الذي لن يتوقف إلى انتهاء الاستضافة، والتي ستشوبُها مثل أيّ بطولةٍ أخطاء، لكنّها ستُضخَّم، وستتعرّض للتحرّش والاستهداف، كما حصل في غضون بطولة كأس العرب مع المدوّن النرويجي اليميني، هافراد ميلنايس، الذي اعتدى تحت تأثير الكحول على أحد أفراد الجمهور في فندق 5 نجوم، واعتقل في أقل من 24 ساعة، بعد شكوى رسمية، مع أنّه سُمح له بالدخول إلى قطر على الرغم من حملاته التحريضية عليها في الإعلام النرويجي، لكنّ ذلك كلّه لم يقلل من قيمة الإنجاز في الصحافة العالمية.

يواجِه كأس العالم تحدّياً من الكارهين تماماً كما من المحبين، فتربّص بعض المحافظين المحبين لدينهم وتقاليدهم يعكّر صفو البطولة، فلا شك أنّ للجمهور العالمي سلوكيات تعارض ديننا وتقاليدنا، لكنّ هذا كلفة تُدفَع مقابل المكاسب الكبرى في الدفاع عن قيمنا وثقافتنا وهويتنا من خلال عرضها للعالم بلا تشويه. 

وفي كأس العرب نموذجٌ مصغّر للنجاح الذي يمكن أن يحققه كأس العالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق