الخميس، 30 ديسمبر 2021

أسباب عدم تحقيق الإخوان المسلمين لأهدافهم

 أسباب عدم تحقيق الإخوان المسلمين لأهدافهم 

د. موفق السباعي 


هذه نظرةٌ سريعةٌ، ودراسةٌ مختصرةٌ وموجزةٌ، عن الأسباب الحقيقة وراء عدم تمكن جماعةِ الإخوان المسلمين من تحقيق أهدافها، بالرغم من مضي قرابة المائة عام إلا قليلاً على نشأتها.

حينما تشكلت جماعةُ الإخوان المسلمين على يد الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله..

كان الهدفُ الرئيسي هو:

بناء مجتمع مسلم، وإقامة الدولة المسلمة، التي تحكمُ بشرع الله تعالى، وإعادة العزة والكرامة والسؤدد للأمة المسلمة، التي فقدتها نتيجة المخطط الكبير،

والكيد العظيم للماسونية والصهيونية والصليبية، والتي أدت إلى تمزيق وتفتيت آخر دولة كانت تحكم بالإسلام في القرن العشرين،

وهي: دولة بني عثمان التي كان يحكمها آخر سلطان له شيء من الهيبة والسيادة وهو: عبد الحميد الثاني، حيث تم عزله على يد يهودي مارق في عام 1909.

وقد تم هذا الأمر المشين المهين، بعد سلسلة من المؤتمرات واللقاءات بين أعداء الإسلام والمسلمين الذين استغلوا ضعف الدولة العثمانية، والتي أطلقوا عليها اسم (الرجل المريض). 

فكان أول مؤتمر حصل للصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، في بازل بسويسرا، بقيادة هرتزل، والذي وضع خطة محكمة لإقامة وطن قومي بعد خمسين سنة، يجمع شتات اليهود في دولة واحدة وهي فلسطين.

ثم في أوائل القرن العشرين، حصل مؤتمر كامبل بنرمان، الذي عقد في لندن عام 1907 بدعوة من رئيس الوزراء البريطاني كامبل بنرمان.

 وقد دعا ستة دول أوربية إضافة إلى بريطانيا، وهي فرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا، وكان الهدف منه: تقسيم الوطن العربي بين الدول الاستعمارية، وإبقائه في حالة جمود، وتخلف، وتشرذم، وخلق كيان صهيوني في فلسطين؛ ليكون كخنجر في خاصرة العالم العربي؛ ولتثبيت تجزئته.

(وهو أخطر مؤتمر حصل لتدمير الأمة العربية خاصة «الإسلامية عامة» وكان هدفه إسقاط النهضة وعدم استقرار المنطقة) ويكيبيديا.

وأبرز ما جاء في توصيات المؤتمِرين في هذا المؤتمر:

إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة، وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات:

    الفئة الأولى:

دول الحضارة الغربية المسيحية (دول أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا) والواجب تجاه هذه الدول هو دعم هذه الدول ماديا وتقنيا لتصل إلى مستوى تلك الدول

    الفئة الثانية:

دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضاري معها ولا تشكل تهديدا عليها (كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها) والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديدا عليها وعلى تفوقها

    الفئة الثالثة:

دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضاري معها وتشكل تهديدا لتفوقها (وهي بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام) والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها في هذا المجال ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية) ويكيبيديا.

وعلى الرغم من أن حسن البنا، أنشأ جيلاً طيب الأعراق، معبأً بالإيمان، ومتوثباً لتحقيق الهدف المنشود، ومتعطشاً لرؤية ذلك الحلم حقيقة على أرض الواقع. 

وعـلى الرغم من إنشاء الجهاز الخاص، الذي استطاع أن يذيق جنود الاحتلال البريطاني الويل والثبور. 

وعلى الرغم من التربية الجهادية، التي تربى عليها الإخوان المسلمون، والشعارات الحماسية التي كانوا يرددونها دائماً وأبداً وفي كل حين، وهي (الجهاد طريقنا، والموت في سبيل الله، أسمى أمانينا). 

وعـلى الرغم من تشكيل فرق الجوالة، والكشافة، وتشكيل فرق قتالية انطلقت إلى بطاح فلسطين؛ لمنع قيام دويلة الاحتلال الصهيوني. 

وعلى الرغم من إلحاح الشباب خاصة، على مرشدهم، لكي ينطلق بهم لتحقيق إقامة دولة الإسلام.. إلا أنه كان يتريث، ويتردد في تحقيق هذا الحلم الكبير؛ معللاً ذلك؛ بأنه لم يكن يتوفر العدد الذي جاء في الحديث عن عبد الله بن عباس (ولن يُغلبَ اثْنَا عَشَرَ ألفًا من قِلَّةٍ). 

وكان يقول للشباب المستعجلين:

لو أنه توفر اثنا عشر ألفاً، لخضت بكم غمار البحار، وقطعت بكم فيافي الصحاري، كما جاء في إحدى رسائله ما يلي:

(وفي الوقت الذي يكون فيه منكم ـ معشر الإخوان المسلمين ـ ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسيا روحياً بالإيمان والعقيدة، وفكرياً بالعلم والثقافة، وجسمياً بالتدريب والرياضة، في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لحج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء.

وأغزو بكم كل عنيد جبار، فإني فاعل إن شاء الله، وصدق رسول الله القائل: (ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة). 

وقد يظن من يسمع هذا أن الإخوان المسلمين قليل عددهم أو ضعيف مجهودهم، ولست إلى هذا أقصد وليس هذا هو مفهوم كلامي، فالإخوان المسلمون والحمد لله كثيرون،

وإن جماعة يمثلها في هذا الاجتماع آلاف من أعضائها كل منهم ينوب عن شعبة كاملة لأكثر من أن يستقل عددها أو ينسي مجهودها أو يغمط حقها،

ولكن أقصد إلى ما ذكرت أولا من أن رجل القول غير رجل العمل، ورجل العمل غير رجل الجهاد،

ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات).

وللأسف العميق! أنه قد تم اغتيال البنا، واستشهاده، قبل تحقيق إيجاد ذلك الجيش المكون من اثنيْ عشرَ ألفٍ من المجاهدين الصادقين. 

ومن بعد ذلك! تتالت المحن والابتلاءات على الإخوان، وأدخلوا السجون زرافات ووحداناً، وتعرضوا إلى أشد أنواع التعذيب، وخاصة في عهد عبد الناصر. 

أما في خارج مصر! فقد كانت القيادات هزيلة، وغير مستوعبة حقيقة دعوة الإخوان على الوجه الصحيح. 

غبش في رؤية قيادات الإخوان 

فقد كان هناك غبش في الرؤية، وعدم وضوح في المفاصلة مع الجاهلية،

فقد كانوا يظنون أن التعاون معها، يمكن أن يؤدي إلى تحقيق دولة الإسلام على الأرض. 

فلذلك أخذت القيادات ترشح نفسها للانتخابات البرلمانية،

وتنافس العلمانيين، والجاهليين، وأصحاب الأفكار الهدامة، على مجالس الشعب التي تحكم بقانون العبيد. 

فكان هذا التصرف! هو بمثابة تأييد، ودعم للجاهلية،

التي ما جاء الإسلام إلا ليقتلعها من جذورها، ويحطمها، ويدمرها، وليس يهادنها، أو يمالئها، أو يتعاون معها. 

لأن التعاون مع الجاهلية هو: اعتراف بها، واعتراف بحاكمية العبيد، وألوهية العبيد، التي تحكم بشرع العبيد المناقض والمعاكس لشرع الله. 

لقد ظنت قيادات الإخوان -سواءَ التي كانت في خارج مصر، أو التي خرجت من السجون في عهد السادات في مصر-

أن دخولها البرلمانات الجاهلية، يمكن أن تقلب المعادلة لصالح الإسلام،

ويمكن أن تصبح هي المسيطرة على المجلس التشريعي، وتصدر القوانين التي تناسب الشريعة الإسلامية. 

وغاب عن ذهنها، أن طبيعة هذا الدين لا تقبل الحلول الوسط، ولا التلاقي مع الجاهلية في منتصف الطريق.

وأنه حتى يسيطر على الحكم، ويهيمن عليه، يجب أن يزيح الجاهلية من الطريق، مستخدماً نفس وسائل القوة التي استخدمتها الجاهلية في سيطرتها على الحكم. 

ويوضح سيد قطب رحمه الله هذه الحقيقة بأجلى صورها فيقول:

(وقيام مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر. وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده.

وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية..

كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان.

لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان .

وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض!

وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال!) الأنفال ص 7.

وهكذا يتبين لنا بشكل واضح لا لُبسَ فيه، ولا غموض، أن تحقيق إقامة دين الله في الأرض عن طريق إقامة دولة الإسلام،

لا بد للجماعة المسلمة من استخدام الحركة، مع القوة المكافئة لما هو موجود عند الجاهلية، لكي يتم التغلب عليها وتحطيمها. 

وهذا ما لم يفعله الإخوان المسلمون طوال السنوات السابقة، ولهذا لم يتمكنوا من تحقيق الهدف الأسمى، الذي نشأت عليه الجماعة.

22 جُمادى الأولى 1443 

27 كانون الأول 2021 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق