الثلاثاء، 31 مارس 2026

ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ قراءة تاريخية

 ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ قراءة تاريخية

د. أحمد عيسى



إذا سأل سائل: ماذا يفعل المسلمون في أوروبا؟ فيجاب عليه بسؤال آخر: وماذا يفعل اليهود والمسيحيون في أوروبا؟ ذلك لأن مجموع سكان القارة الأوروبية يتألف من اليهود والمسيحيين، ومن المسلمين، وغيرهم، وكل أولئك ينتمون إلى سكان أوروبا الأصليين، فاليهودية والمسيحية والإسلام، في أصلها، ديانات وافدة من خارج الفضاء الجغرافي للقارة الأوروبية، فمنبتها في الشرق الأوسط، فبماذا يحدثنا التاريخ عن مراحل العلاقة بين الإسلام وأوروبا؟

أول دولة إسلامية

تاريخياً، أُسِّست أول دولة إسلامية على التراب الأوروبي، قبل قيام دولة الملك شارلمان المسيحية بما يقرب من نصف قرن؛ حيث قامت دولة الأندلس عام 756م، أمَّا دولة شارلمان، فأقيمت بمرسوم باباوي عام 800م.

والمعطيات التاريخية تؤكد تهافت الادعاء القائل بأن أوروبا قارة اليهودية-المسيحية المحضة، فالجزء الأكبر من أوروبا (إسكندنافيا، وشمال ووسط وشرق أوروبا بالإضافة إلى روسيا وأوكرانيا) ظل وثنياً لقرون عديدة، تلت تقبل مناطق أوروبية واسعة جداً الإسلام؛ وهو ما يعني أن حقبة وثنية أوروبا امتدت إلى قرون عديدة بعد تأسيس عدد كبير من الدول الإسلامية في أوروبا من القوقاز عبر أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط، وصولاً إلى الأندلس، التي كانت أكثر الدول الأوروبية نمواً اقتصادياً وثقافياً، والأقوى عسكرياً(1).

والآن، تتوالى أحداث الإساءة للإسلام والمسلمين في أوروبا؛ ما جعلنا نحاول إمعان النظر في العلاقة بين الإسلام وأوروبا تاريخياً.

6 مراحل

يمكننا تحديد عدة مراحل؛ الأولى من السيرة النبوية، وبقية المراحل مصنفة من المراجع الأوروبية، مثل «إليفي»(2)، و«أوماهوني»(3)، و«بيرجر» في كتابه «تاريخ مختصر للإسلام في أوروبا.. ثلاثة عشر قرناً من العقيدة والصراع والتعايش»(4).

المرحلة الأولى: الإسلام وأوروبا:

المرحلة الأولى تتمثل في العلاقة والصراع بين الفريقين الذي بدأ من عهد النبوة، عام 6هـ/ 628م، بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم الرسائل إلى الملوك يدعوهم للإسلام؛ ومنهم هرقل عظيم الروم (يقصد بهم الروم الشرقيون في بيزنطة وعاصمتها القسطنطينية، حيث سقطت الروم الغربية في روما في القرن الخامس الميلادي).

دائرة المعارف البريطانية: للإسلام تاريخ طويل بأوروبا في الأندلس والبلقان بالعصور الوسطى وأثر في ثقافات تلك المناطق

ثم كانت معركة «مؤتة» عام 8هـ، بين المسلمين وجيش هرقل، بعد قيام شرحبيل بن عمرو الغساني، وهو مستخلف من هرقل، بقتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم، يحمل رسالة إلى ملك بُصرى يدعوه فيها إلى الإسلام، وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، بمثابة إعلان للحرب.

ثم غزوة «تبوك» عام 9هـ، حيث وصلت الأخبار عن حشد الروم 40 ألف مقاتل من الشام؛ وذلك للقضاء على الإسلام، وغزو حدود العرب الشمالية، ولما سمع الرومان وحلفاؤهم بزحف النبي صلى الله عليه وسلم أخذهم الرعب، فلم يجترئوا على التقدم واللقاء، بل تفرقوا داخل حدودهم.

ثم كانت آخر البعوث قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، عام 11هـ ببعثة أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين لإرهاب الروم، لقتلهم المؤمنين ومنهم فروة الجذامي والي معان الذي صلبوه ليرهبوا من تحدثه نفسه بالإسلام، فكان الغرض إعادة الثقة إلى قلوب العرب الضاربين على الحدود، حتى لا يحسبنّ أحد أن بطش الكنيسة لا معقب له، وأن الدخول في الإسلام يجر على أصحابه الحتوف(5).

منذ القرن السابع الميلادي يمثل المسلمون الأوروبيون الأصليون عنصراً ثابتاً داخل التركيبة السكانية والثقافية بأوروبا

بعد ذلك كانت محاولات فتح القسطنطينية، ففي خلال 8 قرون وتحديداً منذ عام 653م، كانت هناك 11 محاولة، منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم الدولة الأموية، فالدولة العباسية، ومنذ نشأة الدولة العثمانية عام 1299م، حتى نجاح محمد الفاتح بدخولها عام 1453م، وشهد العالم أيضاً واحدة من الصراعات الكبرى، وهي الحروب الصليبية (1095 - 1291م)، حيث واجه الإسلام غزو أوروبا (المسيحية).

المرحلة الثانية: الإسلام في أوروبا:

تتمثل هذه المرحلة في موجات الإسلام العديدة في أوروبا، التي تركت بصمة على أوروبا حتى يومنا هذا، منها:

1- الحضارة الإسلامية في الأندلس من القرن الثامن إلى الخامس عشر الميلادي.

2- التتار المسلمون في مناطق السلاف الشمالية.

3- هيمنة الإمبراطورية العثمانية في البلقان وأوروبا الوسطى لعدة قرون حتى بداية القرن العشرين.

ومن أولى الإمارات الإسلامية الأوروبية، إمارة في جنوب القوقاز على ساحل البحر الأسود، في منتصف القرن السابع.

كما أن الدول الإسلامية الأوروبية شملت، في فترات الحكم (المباشر أو غير المباشر) في الشمال أراضي واسعة من روسيا، بما في ذلك موسكو، وفي الجنوب شملت جنوب فرنسا، وجنوب إيطاليا، وجنوب سويسرا، وجميع جزر البحر المتوسط الكبرى من قبرص ورودس وكريت ومالطا وصقلية وسردينيا وكورسيكا ومايوركا، وكامل شبه جزيرة البلقان وهنغاريا اليوم وضواحي فيينا.

منهجية اضطهاد المسلمين و«شيطنة» الإسلام طريق يقود إلى إجحاف عظيم وثقافة عنصرية وإعدام ذاتي للفكر الأوروبي

ويعود تاريخ تأثير الإسلام ووجوده الفاعل في البلقان إلى النصف الثاني من القرن السابع، فاستقر المسلمون في مناطق ساحلية في تراقيا الجنوبية (الآن تتقاسمها بلغاريا، واليونان، وتركيا)، وفي خليج سالونيك (في اليونان الآن)، وعلى ساحل ألبانيا الشرقي، وفي بعض أجزاء مما يشكل كرواتيا حالياً.

وبتقدم الدولة العثمانية، من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر الميلادي، تواصلت هذه الفئات المسلمة المتفرقة والمعزولة نسبياً فيما بينها بقوة، وتطورت سياسياً واقتصادياً إلى مراكز حضرية وإدارية للثقافة الإسلامية، وفي عهد السلطان سليم الثاني (1524 - 1574م)، سُجل ازدياد كبير في عدد السكان المسلمين، نتيجة القبول الجماعي الطوعي للإسلام من قبل السكان الأصليين، في بلغاريا ورومانيا واليونان، وجميع الجزر الكبيرة، وألبانيا، والبوسنة، وصربيا، وأجزاء من كرواتيا، وخاصة في المناطق النائية من دالماسيا، وسلوفينيا، وبالتالي أقيمت الأسس السكانية لتواجد المسلمين الأصليين في هذا الجزء من أوروبا اليوم(6).

تقول دائرة المعارف البريطانية: إن للإسلام تاريخاً طويلاً في أوروبا، فكان الوجود الإسلامي في الأندلس، والبلقان خلال العصور الوسطى، مؤثراً في ثقافات تلك المناطق، ولا تزال المجتمعات المسلمة موجودة في أجزاء من البلقان، بما في ذلك ألبانيا والبوسنة والهرسك وشمال شرق بلغاريا، وفي روسيا الأوروبية المسلمون أكثر عدداً، من بينهم تتر قازان والبشكير في منطقة نهر فولغا وجبال أورال(7).

كثير من الأوروبيين يعتقدون أن المسلمين بدأ تواجدهم بأوروبا كمهاجرين بالقرن العشرين ولا يعرفون أنهم من السكان الأصليين

فمنذ القرن السابع الميلادي وحتى يومنا هذا، يمثل المسلمون الأوروبيون الأصليون باستمرار عنصراً ثابتاً داخل التركيبة السكانية والثقافية في أوروبا، وفي ضوء هذه الحقائق، فإن منهجية اضطهاد المسلمين، و«شيطنة» الإسلام ومعاداته كدين ومنهج للحياة، واعتبار ذلك موقفاً فكرياً وخياراً سياسياً، هو طريق يقود إلى إجحاف عظيم، وثقافة عنصرية، وإعدام ذاتي للفكر الأوروبي!

والإشكال الكبير هو أن هذا التاريخ إما يجهله الأوروبيون، أو ينكرون حدوثه، أو يعتبرونه احتلالاً عسكرياً، وكثير من الأوروبيين يعتقدون أن المسلمين بدأ تواجدهم في أوروبا كمهاجرين في القرن العشرين، ولا يعرفون أن المسلمين في كثير من مناطق أوروبا كانوا من السكان الأصليين، ثم دخلوا الإسلام طواعية، تماماً كما دخل الأوروبيون إلى المسيحية؛ فمثلاً يمكن القول: إن إرسال المنصّر أوغسطين في آخر القرن السادس الميلادي (عام 597م)، من قِبل بابا روما، إلى ملك منطقة «كنت» في إنجلترا، كان بداية المسيحية هناك، وكان دخول المسيحية روسيا والقرم متأخراً لما اعتنقها أمير كييف فلاديمير الأول عام 988م وكانوا يعبدون القوى الطبيعية.


المرحلة الثالثة: أوروبا في الإسلام:

كان فيها الهيمنة الأوروبية على الأراضي الإسلامية؛ أولاً: في عصر الإمبراطوريات وفترة الاستعمار (أقوى لحظة رمزية لذلك هي الحملة النابليونية إلى مصر عام 1798م)، فهيمنت أوروبا على البلدان الإسلامية بشكل مباشر، ثم خلال المرحلة المستمرة أو ما بعد الاستعمار (عن بُعد)؛ من خلال العملاء، والعولمة الاقتصادية، ووسائل الإعلام، وأنماط الاستهلاك الغربية.

المرحلة الرابعة: الإسلام في أوروبا المعاصرة:

في هذه المرحلة، بدأ الإسلام ينتشر في أوروبا عن طريق الهجرة، بدأ في فرنسا بين الحربين العالميتين، وفي معظم البلدان الأوروبية خلال فترة إعادة الإعمار بعد الحرب الثانية، والازدهار الاقتصادي في الخمسينيات والستينيات في الوسط والشمال، ثم من أواخر السبعينيات فصاعداً، في جنوب أوروبا، وهي مرحلة تتميز بشكل أساسي بالمهاجرين من الجيل الأول القادمين من المستعمرات السابقة (من الجزائر إلى فرنسا، ومن شبه القارة الهندية إلى بريطانيا)، وهناك أيضاً أشكالاً جديدة للهجرة مثل الأتراك القادمين إلى ألمانيا.

المرحلة الخامسة: إسلام أوروبا:

نرى ظهورها من خلال عملية تدريجية من التداخل والاندماج -في البداية في مكان العمل، ثم في السياق الاجتماعي والسياسي أحياناً- والانتقال بين الأجيال، تساهم هذه العملية في تكوين طبقة وسطى ومثقفين من أصل إسلامي، لا تزال لديها علاقات مع بلدان المنشأ، لكنها ولدت واختلطت اجتماعياً في أوروبا.

المرحلة السادسة: الإسلام الأوروبي:

من المحتمل أن ينتج عن المرحلة الخامسة تشكيل «إسلام أوروبي»، وسيُنظر إليه على أنه حركة أوروبية أصلية، نتيجة لعملية تدريجية وجوهرية من «المواطنة» للمسلمين المقيمين، الذين يتطلعون إلى آفاق الحقوق الكاملة على قدم المساواة مع الأوروبيين الآخرين.

الإسلام بدأ ينتشر بأوروبا عن طريق الهجرة في فرنسا بين الحربين العالميتين ومعظم البلدان الأوروبية خلال فترة إعادة الإعمار

حالياً، لا توجد سوى الخطوط العريضة لهذه العملية، إلا أن نتيجتها ستعتمد على التطور الداخلي للمجتمعات الإسلامية، وعلى حركة الإسلام العالمي، وربما الأهم على السياسات التي تتبناها تجاههم الحكومات الأوروبية، التي ستتأثر بدورها بالرأي العام والإعلام، وبأحزابها السياسية، خاصة الأحزاب القومية والعنصرية المناهضة والمسيئة للإسلام والمسلمين.

ونرى أن ذلك لن يمر دون مقاومة شرسة من المسلمين بمن فيهم الجيل الثاني والثالث الذين يتمسكون بثوابت وعقائد الإسلام، إذا كان الغرض من «الإسلام الأوروبي» هو ابتداع دين جديد على المقاس الأوروبي.

ومع أن الإسلام في أوروبا آخذ في التغير، ليصبح حقيقة أوروبية وفاعلاً اجتماعياً داخلياً، فإنه يعمل أيضاً على تغيير أوروبا من خلال الروابط الشخصية ووسائل التواصل، وبمجرد الوجود الإسلامي يحدث التغيير، فالحقيقة البسيطة المتمثلة في المواجهة الجسدية مع «الآخر» تجبر هذا «الآخر» على التفكير بعمق أكبر، وقد يفسر هذا دخول أعداد كبيرة من الأوروبيين (ومعظمهم من أصل مسيحي) الإسلام، وكذلك الاعتراف الضمني للإسلام في مقررات مجمع الفاتيكان الثاني عام 1965م.

على المسلمين أن يثمنوا دورهم التاريخي في تشكيل هوية أوروبا ومساواة تامة غير منقوصة مع نظرائهم من مواطني القارة

لقد أصبحت الأديان في عالم اليوم حاسمة مرة أخرى، ولن يكون من الممكن فهم التاريخ والتطور الاجتماعي والثقافي والعلمي والديني لأوروبا دون أخذ مكونها الإسلامي في الاعتبار، وبنفس الطريقة لن يكون من الممكن فهم التاريخ والتطور الاجتماعي والديني للإسلام دون مراعاة مكونه الأوروبي.

وهذا يُوجِب على مسلمي أوروبا التحفز لتأكيد موقفهم ورفع رؤوسهم، وأن يثمنوا دورهم التاريخي في تشكيل هوية أوروبا، ويضعوا أنفسهم في الوضع الذي يستحقونه؛ مساواة تامة غير منقوصة مع نظرائهم من مواطني أوروبا!

الهوامش
  • 1 فريد موهيتش، المكونات الإسلامية لهوية أوروبا، ترجمة الماجري (الدار العربية للعلوم، 2016)، ص 15-20. 
  • 2 Stefano Allievi, Conflicts over Mosques in Europe, Policy issues and trends (Alliance Publishing Trust, 2009), 10-11. 
  • 3 Anthony O'Mahony, Islam in Europe, The Way, 41.2 (2001), 122-135. 
  • 4 Maurits Berger, A Brief History of Islam in Europe (Leiden University Press 2014), 24-25. 
  • 5 صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية (دار الهلال، 1976م)، ص 355. 
  • 6 موهيتش، مرجع سابق، ص 275-276. 
  • 7 Britannica, “Religions of Europe”, Accessed 12 August 2021. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق