الثلاثاء، 31 مارس 2026

حرب قد تُشعل حربا لا يتوقعها أحد

حرب قد تُشعل حربا لا يتوقعها أحد

المفكر طلال أبو غزالة

 في السياسة كما في التاريخ هناك لحظات كان يمكن أن تسلك فيها الأحداث طريقا مختلفا تماما، لو أن من يملكون القرار اختاروا التهدئة بدل التصعيد والتفاوض بدل المواجهة، والحرب الدائرة اليوم مع إيران والمرشحة للتوسع والتوحش أكثر ليست استثناء من هذه القاعدة، بل هي في جوهرها مثال صارخ على حرب كان يمكن تجنبها لكنها أشعلت بإرادة سياسية واضحة.

وفي قلب هذه الرواية يقف مجرم الحرب بنيامين نتانياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على ما اقترفت يداه في غزة ليس كطرف في الصراع، بل كأحد أبرز من دفعوا باتجاه نقله من مسار تفاوضي إلى مواجهة مفتوحة.

هذه الحرب لم تكن نتيجة حتمية لتطورات ميدانية، بل حصيلة رؤية سياسية وتوراتية تعتبر أن إبقاء التوتر قائما يخدم أهدافا استراتيجية أوسع خاصة أننا إلى عدنا إلى الوراء قليلا وتحديدا إلى عام 2015 نجد أن العالم كان قد توصل إلى اتفاق مهم مع إيران، اتفاق شاركت فيه القوى الكبرى ضمن إطار 5+1 إذ لم يكن مجرد تفاهم تقني حول تخصيب اليورانيوم، بل كان محاولة لإدخال إيران في نظام دولي قائم على التفاوض والرقابة المتبادلة.

يومها بدا أن خيار الدبلوماسية رغم تعقيداته قادر على احتواء أزمة كانت مرشحة للتصعيد، غير أن هذا المسار لم يرق لنتنياهو الذي رأى في الاتفاق تهديد ا لرؤيته لا لأنه يمنح إيران حرية مطلقة، بل لأنه يقيد إمكانية المواجهة المباشرة معها، ومنذ ذلك الحين بدأ العمل مع تيار المسيحية الصهيونية على تقويض هذا الإطار سياسيا وإعلاميا وصولا إلى الدفع باتجاه انسحاب واشنطن عام 2018 من الاتفاق وهي الخطوة التي أعادت فتح الباب أمام التصعيد بعد أن كان مواربا على الأقل أمام الحلول التفاوضية.

ما جرى بعد ذلك لم يكن مجرد تدهور تدريجي، بل إعادة توجيه متعمدة لمسار الأزمة فقد نجح نتانياهو في تحويل النقاش من مسألة الاتفاق النووي إلى قضايا أخرى أكثر قابلية للتصعيد مثل برنامج الصواريخ الباليستية ثم الحديث عن تغيير النظام وصولا إلى طرح فكرة اسقاط النظام نفسه في رغبة توراتية في نقل الصراع من كونه قابلا للحل إلى كونه مفتوحا بطبيعته.

قبل أسابيع بدا هناك لحظات كان يمكن فيها استعادة المسار التفاوضي، القنوات لم تكن مغلقة بالكامل والإشارات المتبادلة كانت تشير إلى إمكانية العودة إلى طاولة الحوار ولو بشروط معدلة وبالفعل تمت جولات لكن القرار كان قد اتخذ بصرف النظر عن النتائج لأن هناك من رأى في استمراره خطرا على استراتيجيته الوحشية وهنا تتضح المفارقة الأساسية بأن الحرب لم تكن نتيجة فشل التفاوض، بل نتيجة التخلي عنه.

لقد جرى استبدال منطق إدارة الخلاف بمنطق كسر الإرادة وهو انتقال يحمل في داخله بذور التصعيد الدائم، فحين تغلق أبواب الحوار عمدا لا يبقى سوى أدوات القوة بكل ما تحمله من كلفة وعدم يقين، وإيران من جهتها لم تكن خارج هذا الحساب فهي تدرك أن أي ضغط خارجي خاصة إذا جاء في شكل تهديد وجودي يمكن أن يتحول إلى عامل توحيد داخلي بدل أن يكون سببا في التفكك، وهذا ما يجعل فكرة تغيير النظام عبر الضغط أو الحرب فكرة أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع خاصة أن التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن الأنظمة التي تتعرض لضغط خارجي مباشر غالبا ما تزداد تماسكا لا العكس.

لكن الأخطر من كل ذلك هو ما تتركه هذه الحرب من أثر على مفهوم السياسة ذاته، فحين يصبح إشعال المنطقة خيارا مفضلا على استنفاد أدوات التفاوض فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام تحول في طريقة التفكير الاستراتيجي، فهذا التحول لا يهدد طرفا بعينه، بل يضع النظام الدولي كله أمام معادلة جديدة حيث تستبدل القواعد بالتوازنات المؤقتة ويصبح الاستقرار حالة استثنائية لا قاعدة.

يمكن القول إن ما نشهده اليوم لم يكن قدرا لا مفر منه، بل كان هناك مسار آخر جرب بالفعل وأثبت أنه قادر على احتواء التوتر لكنه أغلق ليس لأنه فشل، بل لأنه لم يكن يتماشى مع رؤية ترى في الصراع أداة لنبوءات، وبين خيار كان يمكن أن يقود إلى تسوية وخيار قاد إلى حرب جرى اتخاذ القرار والنتيجة كما نراها اليوم ليست انتصارا حاسما لطرف على آخر، بل منطقة بأكملها تدفع ثمن حرب كان يمكن وربما يجب ألا تقع أصلا.

طلال أبوغزاله

مفكر عربي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق