الاثنين، 30 مارس 2026

مصر المحورية بين محاور النفوذ المتصارعة

 مصر المحورية بين محاور النفوذ المتصارعة

أحمد هلال

"ظلام دامس يسرق ما تبقى من بسمة في شفاه المصريين"-

بينما تتعقد المشاهد في ميدان الحرب الراهنة تتحول تلك الصواريخ إلى مصر، ليتعقد المشهد المصري الداخلي وتتحول الحياة النابضة التي لا تتوقف إلى ظلام دامس يسرق ما تبقى من بسمة في شفاه المصريين، ولتجعل الأزمة الاقتصادية الشعب في مواجهة الحكومة.

وبينما تتوالى أخبار الصواريخ والضربات الجوية في الشرق الأوسط، هناك لعبة أكبر تجري خلف الكواليس، لعبة لا تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات، بل بحجم النفوذ السياسي، والثقل الاقتصادي، والتحالفات المعقدة التي قد تعيد رسم خريطة المنطقة بالكامل.

الحرب الحالية مع إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار توازن القوى الإقليمي والدولي، واختبار قدرة الدول على فرض إرادتها بعيدا عن ساحة المعارك التقليدية.

وجود مصر كطرف محوري في هذا السياق يعزز قدرتها على تحقيق توازن بين المحاور الإقليمية الكبرى، سواء كان ذلك عبر دبلوماسية نشطة، أو مشاريع تنمية اقتصادية، أو إدارة أمنية للممرات الحيوية. لكن أزمة الثقة واضطراب العلاقات المصرية السعودية تحول دون إقامة شراكات عميقة وممتدة وصلبة


في قلب هذه اللعبة، تظهر مصر كلاعب محوري محتمل، دولة تاريخيا كانت مركزا للسياسة العربية، وقادرة اليوم على إعادة هندسة الدور الإقليمي إذا تحقق فيها تغيير سياسي حقيقي واستقرار اقتصادي مستمر. المأزق المصري بدأ داخليا ثم انحسر داخليا بعد تقاذفات إقليمية ودولية انسحبت مصر منها تدريجيا.

قناة السويس تجعل مصر شريان التجارة العالمي، وهي ميزة لا تمتلكها أي قوة إقليمية أخرى؛ هذا الموقع الاستراتيجي، مع جيش كبير وسكان يزيدون عن 100 مليون نسمة، يمنح مصر أدوات قوة هائلة على طاولة أي تفاوض إقليمي.

إيران، من جهتها، تستخدم موقعها الجغرافي في الخليج كأداة ضغط عبر تهديد مرور السفن في مضيق هرمز؛ التهديد بالسيطرة على هذا الممر الحيوي أو فرض رسوم عبور على السفن يمنح طهران قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، ويجعلها لاعبا مهما في أي معادلة إقليمية. لكن النفوذ الإيراني محدود بطبيعة الصراع مع الغرب والعقوبات الاقتصادية، ما يعني أن مكاسبها على الأرض تبقى ورقة تفاوضية أكثر منها هيمنة حقيقية.

تركيا، الدولة التي تجمع بين القوة العسكرية والصناعة الدفاعية والنفوذ الجغرافي، تمثل المحور الآخر في هذه اللعبة؛ من القوقاز إلى شرق المتوسط، ومن سوريا إلى ليبيا، تركيا تتنقل كلاعب إقليمي قادر على التأثير في ملفات متعددة دون الدخول في صدام مباشر. علاقتها مع روسيا وإيران مثال على التعاون التنافسي: تعاون لإدارة مصالح مشتركة، وتنافس في مناطق نفوذ أخرى. هذه المرونة تمنح تركيا القدرة على التوازن بين القوى الكبرى، ووضع نفسها في قلب أي سيناريو إقليمي جديد.

أما السعودية، فتبقى قوتها مختلفة، قائمة على النفط والتمويل، قادرة على التأثير على الأسواق العالمية ودعم تحالفات محددة عن بعد.

ووجود مصر كطرف محوري في هذا السياق يعزز قدرتها على تحقيق توازن بين المحاور الإقليمية الكبرى، سواء كان ذلك عبر دبلوماسية نشطة، أو مشاريع تنمية اقتصادية، أو إدارة أمنية للممرات الحيوية. لكن أزمة الثقة واضطراب العلاقات المصرية السعودية تحول دون إقامة شراكات عميقة وممتدة وصلبة.

إذا جمعنا هذه العناصر، نجد أن الشرق الأوسط اليوم على أعتاب مرحلة إعادة هندسة النفوذ دون هيمنة طرف واحد. يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة:

- نظام متعدد الأقطاب: تركيا، السعودية، مصر، إيران، إسرائيل.. كل دولة تسيطر على مجال نفوذ محدد، مع توازن مستمر يمنع أي طرف من الهيمنة المطلقة.

- محاور إقليمية جزئية: تفاهمات محدودة بين بعض الدول لتقليل التوترات، مثل مسار أستانا في سوريا، حيث يتعاون الخصوم المؤقتون لإدارة صراعات محددة.

- تسوية كبرى محتملة: ضغوط دولية وإقليمية تعيد ترتيب العلاقات، بما في ذلك القضية الفلسطينية، مع مصر كلاعب حاسم في صياغة الحلول السياسية.

إضافة البعد الروسي-الإيراني-التركي تجعل المشهد أكثر تعقيدا، لكنه أيضا يعزز فرص توازن القوى الإقليمي. الثلاثي قد يتعاون حين تتقاطع مصالحه، مثل تقليل النفوذ الأمريكي في ملفات محددة، لكنه لا يتحول إلى تحالف كامل بسبب التنافس على مناطق النفوذ في سوريا، والقوقاز، وآسيا الوسطى. هنا تظهر مصر كعنصر يوازن بين هذه القوى، عبر دبلوماسية نشطة، وضمان حرية الملاحة في قناة السويس، والحفاظ على علاقات متوازنة مع الغرب والشرق على حد سواء.

ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب تقليدية، بل اختبار لطبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين: القوة لم تعد تعني الأسلحة فقط، بل النفوذ السياسي، والقدرة الاقتصادية، والتحكم في الممرات الحيوية، وذكاء التحالفات المعقدة


الحرب الحالية قد تمنح إيران نفوذا مؤقتا، لكن أي محاولة للسيطرة الكاملة على مضيق هرمز ستصطدم بالقانون الدولي، والمجتمع الدولي، لكنها تستطيع أن تحقق مصالح ومكاسب بالحرب لم تحققها بسياسة الصبر الاستراتيجي، مع الحفاظ على مصالح دول الخليج وآسيا.

في المقابل، الدور المصري المحتمل يشمل إدارة التوازن بين القوى، وتأمين الممرات الحيوية، وممارسة نفوذ دبلوماسي واقتصادي كبير، مما يجعلها اللاعب المفاجئ الذي قد يغيّر قواعد اللعبة. الدور المصري المحتمل والمأمول يتوقف حصرا على إعادة تقييم التعامل مع القوى المدنية، من منطلق أمني يضع الشعب المصري في مواجهة مع نفسه.

ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب تقليدية، بل اختبار لطبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين: القوة لم تعد تعني الأسلحة فقط، بل النفوذ السياسي، والقدرة الاقتصادية، والتحكم في الممرات الحيوية، وذكاء التحالفات المعقدة.

مصر، إذا نجحت في تحقيق الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي، يمكن أن تصبح مركز التوازن الإقليمي، اللاعب المحوري الذي يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، ويوازن بين القوى، ويجعل أي طرف، حتى القوى الكبرى، مضطرا للانتباه لقراراتها. يرتهن كل ذلك بتحقيق تماسك وطني جامع.

الشرق الأوسط اليوم ليس فقط ساحة صراع، بل لوحة معقدة من التحالفات والمصالح، ومصر قد تكون الريشة التي تحدد شكل اللوحة القادمة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق