إضاءات حول خطوات تكتيكية إيرانية ورؤية استراتيجية أمريكية
مضر أبو الهيجاء من الثابت أن الأنظمة العربية الخليجية، منذ نشأتها، لم تكن خارج الإطار الأمريكي، بل دارت ولا تزال تدور في فلكه، خاصة في ظل الدور الذي لعبته بريطانيا العظمى في تأسيس هذه الكيانات وهندسة نظم الحكم فيها بما يحفظ مصالح الغرب.
ورغم هذا الواقع السياسي الضاغط، فإن دول الخليج العربي وعائلات الحكم فيها ليست على درجة واحدة؛ إذ تتفاوت في مستوى خدماتها للغرب، كما تختلف في طبيعة بنيتها الداخلية ومدى انسجامها مع ثقافتها، وانحيازها لقضايا أمتها.
وقد انعكس هذا التفاوت بوضوح في سياسات هذه الدول وعائلاتها الحاكمة، سواء في طبيعة علاقاتها السياسية مع الولايات المتحدة، أو في مستوى تفاعلها مع قضايا الأمة وانحيازها لشعوبها. ويمكن ملاحظة ذلك عند مقارنة السياسة الكويتية وعائلة الصباح من جهة، بالسياسة الإماراتية وآل نهيان من جهة أخرى، فيما تتدرج دول مثل السعودية وقطر بين هذين النموذجين بنسب متفاوتة.
ولفهم طبيعة العلاقة السياسية الضاغطة بين الولايات المتحدة والدول العربية والإسلامية، يمكن النظر إلى نموذجين بارزين هما تركيا وسورية. فرغم ما تتمتع به تركيا من تجربة سياسية معاصرة يقودها حكام مسلمون، فإنها لم تستطع حتى الآن الفكاك الكامل من النفوذ الأمريكي، الذي يمارس ضغوطه عبر أدوات متعددة، منها محاولات الانقلاب العسكري، والضغوط الاقتصادية، ودعم أطراف سياسية علمانية إستئصالية معارضة. وفي السياق ذاته، تبدو سورية في مرحلتها الجديدة وقد خضعت سريعًا لمعادلات السياسة الأمريكية الإقليمية والدولية القهرية.
ومع ذلك، فإن هذه العلاقة القهرية الضاغطة لم تمنع من بروز أدوار إيجابية وفاعلة، حيث يظهر بوضوح كيف أن تركيا، رغم بنيتها العلمانية، قدمت نموذجًا داعمًا لقضايا العرب والمسلمين، سواء عبر مواقفها السياسية أو أدوارها الإنسانية، واستقبالها لملايين المهجرين، وتوفيرها بيئة نشطة للأعمال والاستقرار، ورعايتها المتقدمة الدعاة والعلماء. ويبرز في هذا السياق موقف الرئيس رجب طيب أردوغان، سواء تجاه التجربة المصرية أو الثورة السورية، حيث شكلت تركيا، بإمكاناتها المختلفة، عامل دعم رئيسي أسهم في استمرار الحراك السوري وتسبب في بقاء الثورة على قيد الحياة حتى يوم التحرير.
وبالتوازي مع ذلك، يمكن رصد تحولات داخلية في سورية الجديدة، من خلال تنامي دور العلماء والدعاة، واتساع مساحة العمل المجتمعي والدعوي، في محاولة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع بعد عقود من سياسات الإقصاء والتقييد التي مورست في ظل النظام السابق.
التفريق بين التوصيف والموقف السياسي.
إن من القضايا المنهجية المهمة التي يطرحها هذا السياق ضرورة التفريق بين التوصيف السياسي للواقع، وبين الموقف الذي ينبغي اتخاذه تجاهه. فغياب هذا التمييز قد يقود إلى مقاربات هدمية متطرفة، تفضي إلى نتائج عكسية، وهو مطلب حقيقي وهدف استراتيجي تسعى لتحقيقه جميع الإدارات الأمريكية.
فكما أن الطبيب الحاذق يحرص على تشخيص الداء بدقة، فإنه في الوقت ذاته يسعى إلى معالجته بما يناسبه من دواء وشكل أداء، بهدف الحفاظ على سلامة الجسد ككل، لا السعي إلى تدميره بحجة التخلص من العلل. وعلى النقيض من ذلك، فإن المقاربات المتطرفة تتجه نحو الهدم الشامل بدل الإصلاح التدريجي، متذرعة بوجود علل واضحة.
تزامن الخطاب الأمريكي مع التحركات الإيرانية.
وفي هذا الإطار، يبرز ما يمكن وصفه بتقاطع الإيقاع بين التصريحات الأمريكية التي تكشف وتبرز عوار الأنظمة العربية الخليجية والتحركات الإيرانية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بضرب دول الخليج بالصواريخ. إذ تبدو هذه الديناميكيات وكأنها تسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف استقرار هذه الدول وإرباك بنيتها، وهو هدف أمريكي استراتيجي.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التصريحات الأمريكية المتصاعدة بشأن قاعدة العديد في قطر باعتبارها عاملا يسهم في تهيئة الرأي العام لتقبل وشرعنة أي تصعيد محتمل، بما في ذلك الضربات الإيرانية. وهو ما يعكس حالة من التداخل المعقد في المصالح والسياسات، حيث تتقاطع أدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين بطرق قد تبدو متعارضة ظاهريًا، لكنها تلتقي في نتائجها على أرض الواقع.
الخلاصة:
إن حجم التخادم المقروء بين سياسات النظام الإيراني الذي يقوده الملالي وبين الإدارات الأمريكية في حال السلم بينهما ـوالذي امتد لعقود-، لا يقل عن حجم التخادم السياسي بينهما خلال الحرب الحالية، ولعل أبرز ما فيه استهداف تدمير دول المنطقة وتمزيق شعوبها. ومن المؤكد أن الإدارة الأمريكية عندما تكشف دور قاعدة العيديد اليوم، فإنها لا تقصد إنقاذ قطر ودول الخليج بل إغراقها وشرعة مزيد من الصواريخ الإيرانية لتهطل عليها كالمطر في سياق مزاج شعبي عاطفي غير مدرك للأهداف والنوايا الحقيقية، الأمر الذي يستوجب القراءة من جديد.
مضر أبو الهيجاء فلسطين ـجنين 28/3/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق