الثلاثاء، 31 مارس 2026

الممانعة بالبراميل المتفجرة... كيف تقهر الإمبريالية بإبادة شعبك؟!

 خواطر صعلوك

الممانعة بالبراميل المتفجرة... كيف تقهر الإمبريالية بإبادة شعبك؟!

محمد ناصر العطوان


كما اتفقنا يا عزيزي القارئ في مستهل رحلتنا، عندما كنتُ صغيراً تعجبت من تورط بعض نخبنا العربية في تأييد غزو الكويت، ولما كبرت صُدمت بجيل آخر برر سحق السوريين، واليوم أقف مذهولاً أمام طابور جديد ينساق خلف السردية الإيرانية ضد الخليج. 

لذلك نواصل في هذا المقال الثالث تفكيك هذا العطب البنيوي، ونرصد كيف تُباع العقول في أسواق النخاسة السياسية.

ما إن اختفى جيل «المبررين» لغزو الكويت وتوارى خجلاً أو موتاً، حتى نبت لنا جيل جديد من المحللين والمثقفين ليقع في الفخ ذاته، وبالغباء المنقطع النظير نفسه، ولكن هذه المرة على مسرح التراجيديا السورية المروعة التي رُفعت ستارتها عام 2011.

عندما خرج ملايين السوريين العُزل يطالبون ببديهيات الحياة السياسية: قليل من الكرامة، وشيء من الحرية، وتوزيع عادل للثروة، وانعتاق من أقبية أجهزة المخابرات التي تحصي عليهم أنفاسهم... وجد النظام نفسه محشوراً في زاوية وجودية لا تفلح معها ألاعيب السياسة. 

ولأنه خبير في تشريح «العقل النخبوي العربي»، سحب فوراً من جيبه السلاح السحري المضمون: أسطوانة «المقاومة والممانعة» المشروخة، وأكذوبة «المؤامرة الكونية».

فجأة، وبقدرة قادر، تحولت حناجر النخب لترويج خرافة أن ما يجري في سوريا ليس ثورة شعب مقهور ضد الفساد والاستبداد، بل هو «مخطط استعماري صهيوني إمبريالي» لإسقاط «قلعة الممانعة» الأخيرة!

وهنا، عاد «خونة المثقفين» لارتداء بدلاتهم الأنيقة، ومارسوا دورهم التبريري المقيت؛ حيث وفروا الغطاء الفكري والأخلاقي لنظام قرر أن يفعل بشعبه ما خجلت منه أعتى جيوش الاحتلال. وباسم هذه «الممانعة» المجيدة، تم تبرير إلقاء «البراميل المتفجرة» العشوائية على الأحياء السكنية، وأصبح استخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً تكتيكاً ثورياً، وتحولت محاصرة وتجويع المدن حتى الموت إلى ضرب من ضروب الصمود! 

والنتيجة؟ 

تشريد أكثر من 14 مليون إنسان، لا لشيء، إلا لكي يبقى «الرفيق» صامداً فوق تل من الجماجم.ولقد بلغ الانخداع ببعض النخب مبلغاً يجعل الكوميديا السوداء تبكي من فرط العبث. تخيل معي، في مفارقة مبكية مضحكة، تجلس 28 شخصية عربية من حملة الماجستير والدكتوراه ومتبني خطاب الممانعة، ليمسكوا بأقلامهم ويؤلفوا كتاباً فضائحياً بعنوان: «القائد الأسد... صفحات مشرقة من تاريخ الصمود»!

يصفون فيه تدمير البلاد وحرق العباد بأنه «نضال فكري وتنويري ضد قوى التسلط»! 

لقد نجحت الآلة الإعلامية في «إلغاء الضحية» تماماً؛ فلا أحد يجرؤ على التحدث عن ضحايا التعذيب والاغتصاب في المعتقلات، ولا عن الأطفال الذين اختنقوا تحت أنقاض حمص وحلب. لقد تم تعليب ملايين البشر ووضع ملصق «خونة وعملاء» عليهم، مبررين إبادتهم لأنهم -بكل وقاحة- عطلوا مسيرة المقاومة المزعومة!

ولو وضعنا هذه السردية البائسة تحت ميكروسكوب التحليل المنهجي العقلاني، لانفجرت في وجوهنا تناقضات تثير الشفقة والاشمئزاز معاً:

أولاً: بالله عليك، كيف لنظام يصدع رؤوسنا ليل نهار بمحاربة الإمبريالية وحماية «السيادة الوطنية»، أن يفتح أبواب بلاده على مصراعيها لتدخل عسكري روسي، ويستورد عشرات الميليشيات (من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان) بقيادة إيرانية، فقط لسحق شعبه؟ أي سيادة هذه التي تُصان بتأجير البلد للغرباء؟

ثانياً: كيف تستقيم نكتة «المقاومة»، وجبهة الجولان المحتل تنعم بهدوء يحسدها عليه أي منتجع سياحي طوال عقود؟ 

لم تُطلق منها رصاصة «طائشة» واحدة نحو إسرائيل، بينما استُعرضت أعتى الأسلحة الإستراتيجية ودُمرت حواضر سوريا التاريخية فوق رؤوس ساكنيها!

ثالثاً: إن هذا النظام يمتلك تعريفاً حصرياً عجيباً لـ «المقاومة»؛ فهي تعني حصراً: الولاء المطلق للكرسي. فعندما وقفت فصائل تابعة له (كالجبهة الشعبية-القيادة العامة) معه، مُنحت صك «المقاومة الحقيقية». أما عندما رفضت حركة «حماس» التصفيق لآلة القمع ضد الشعب السوري، سُحب منها الترخيص وصُنفت فوراً كـ«ناكرة للجميل ومدعية للمقاومة». مما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن فلسطين والمقاومة ليستا سوى أوراق لعب رخيصة تُستخدم للحفاظ على السلطة، وليست مبادئ عقائدية ثابتة.

لقد برر المثقف الممانع تدمير الحاضر والمستقبل السوري من أجل معركة وهمية لم تُخض يوماً على الجبهة الحقيقية. 

ولكن، وكما تخبرنا سنن التاريخ التي لا تحابي أحداً: 

كما كانت نهاية صدام المشنقة، ونهاية القذافي «رصاصة»، ونهاية بشار اللجوء... فأيضاً كانت نهاية المرشد هي الصاروخ. بكل أداة طغى بها المستبد وقتل بها شعبه، كانت نهايته.

وسوف يكون مقالنا المقبل والأخير في هذه السلسلة بعنوان: «نضرب مطارات الخليج لأن القواعد الأميركية مخيفة!»..

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.


  1.        محمد ناصر العطوان             

  2.                 



المقال الاول

كيف تبيع عقلك بالتقسيط المريح؟!

المقال الثاني

الطريق إلى القدس يمر بـ «سرقة الجيران»...!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق