وزير خارجية عُمان: أمريكا فقدت بوصلتها وعلى أصدقائها قول الحقيقة
بدر البوسعيدي
كبير دبلوماسيي سلطنة عمان
ترجمة وتحرير: نون بوست
وجاء الرد الإيراني، عبر استهداف ما وصفته بأهداف أمريكية على أراضي دول مجاورة، نتيجة متوقعة رغم كونه مؤسفًا للغاية ومرفوضًا بالكامل؛ ففي ظل ما اعتبرته طهران حربًا تهدف إلى إنهاء الجمهورية الإسلامية، بدا هذا الخيار الأكثر عقلانية المتاح أمام قيادتها.
وتبرز تداعيات هذا التصعيد بشكل أوضح على الضفة الجنوبية للخليج، حيث تواجه الدول العربية، التي راهنت على التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، واقعًا جديدًا يجعل من هذا التعاون مصدر هشاشة، يهدد أمنها الراهن وآفاق ازدهارها المستقبلية.
وعلى مستوى دول الخليج، يواجه نموذج اقتصادي كانت ترتكز فيه قطاعات الرياضة العالمية والسياحة والطيران والتكنولوجيا أدوارًا محورية مخاطر جدية، كما قد تفرض التطورات الراهنة إعادة تقييم الخطط الهادفة إلى التحول نحو مركز عالمي لمراكز البيانات. وقد بدأت انعكاسات الرد الإيراني تتجاوز الإطار الإقليمي، مع اضطراب حاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة مخاطر الركود العالمي. وإذا لم تكن هذه التداعيات في الحسبان لدى مخططي الحرب، فإن ذلك يمثل خطأً إستراتيجيًّا جسيمًا في التقدير.
غير أن الخطأ الأكبر في حسابات الإدارة الأمريكية تمثل، أساسًا، في الانخراط في هذه الحرب؛ فهذه ليست حرب الولايات المتحدة، ولا يبدو أن هناك سيناريو واقعيًا يحقق لإسرائيل وأمريكا معًا أهدافهما منها. ومن المرجح أن يكون الطرح الأمريكي بشأن تغيير النظام مجرد موقف خطابي، في حين تسعى إسرائيل بشكل صريح إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، دون اكتراث يُذكر بشكل الحكم أو هوية من سيتولى السلطة لاحقًا.
وفي ضوء هذا الهدف، يبدو أن القيادة الإسرائيلية نجحت في إقناع واشنطن بأن إيران باتت ضعيفة بفعل العقوبات والانقسامات الداخلية، إضافة إلى الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو/ حزيران الماضي، إلى درجة أن استسلامًا غير مشروط قد يعقب سريعًا الضربة الأولى واغتيال المرشد الأعلى. إلا أن المعطيات الحالية تشير بوضوح إلى أن تحقيق هذا الهدف سيتطلب حملة عسكرية طويلة الأمد، قد تضطر الولايات المتحدة خلالها إلى نشر قوات برية، بما يعني فتح جبهة جديدة ضمن “الحروب التي لا تنتهي”، خلافًا لتعهدات الرئيس دونالد ترامب السابقة بإنهائها. وهو مسار لا يحظى بدعم الحكومة الأمريكية، ولا بتأييد شعبها، الذي لا ينظر إلى هذه الحرب باعتبارها حربه.
وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل جوهري أمام حلفاء الولايات المتحدة: كيف يمكن المساهمة في إخراج هذه القوة العظمى من هذا الانخراط غير المرغوب فيه؟ البداية تكمن في تحمّل مسؤولية قول الحقيقة، والتي تتمثل في أن طرفي النزاع لا يملكان ما يكسبانه من هذه الحرب، وأن المصلحة الوطنية لكل من إيران والولايات المتحدة تقتضي إنهاء الأعمال العدائية في أقرب وقت ممكن. وهي حقيقة صعبة، إذ تعكس إلى أي مدى فقدت واشنطن السيطرة على سياستها الخارجية، لكنها تظل ضرورة لا مفر من طرحها.
وعلى ضوء ذلك، يتعين على صانع القرار الأمريكي إعادة تقييم موقع مصالحه الوطنية، والبناء على ذلك في تحديد مسار التحرك. وتشير قراءة واقعية لهذه المصالح إلى ضرورة وضع حد حاسم ونهائي لانتشار الأسلحة النووية في المنطقة، وتأمين سلاسل إمدادات الطاقة، وإعادة تنشيط فرص الاستثمار في ظل تنامي الأهمية الاقتصادية العالمية للمنطقة. وتبقى هذه الأهداف أكثر قابلية للتحقق في ظل بيئة إقليمية مستقرة، تكون فيها إيران في حالة سلام مع جوارها، وهو ما قد يشكل أرضية مشتركة لدول الخليج. أما الانتقال من واقع الأزمة الراهنة إلى هذا الأفق؛ فيظل التحدي الأبرز.
ورغم صعوبة عودة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات الثنائية بعد أن تم تعطيلها مرتين بفعل الانخراط في التصعيد العسكري، فإن الأمر لا يقل تعقيدًا بالنسبة لإيران، التي قد تجد صعوبة في استئناف الحوار مع إدارة انتقلت مرارًا من التفاوض إلى القصف والاغتيالات. ومع ذلك، قد يظل استئناف هذه المفاوضات، رغم كلفته السياسية، المسار الأكثر واقعية للخروج من دوامة الحرب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق