الأربعاء، 25 مارس 2026

خالد بن الوليد والناتو الخليجي

خالد بن الوليد والناتو الخليجي

د. جاسم الجزاع
أكاديمي ومفكر كويتي 

حين استشعر الصحابي خالد بن الوليد في «معركة اليرموك» حجم التهديد الوجودي الذي يواجه الجيش الإسلامي أمام زحف الروم وجحافلهم في بلاد الشام، لم يركن إلى الشجاعة الفردية لشخصه الكريم أو يخضع للتفوق العددي لخصومه، بل عمد إلى توحيد «كراديس» وكتائب الجيش العربي من التشتت تحت راية قيادية واحدة، فبعد استلامه زمام الأمر بعد استشهاد القادة الثلاثة قبله رضوان الله عليهم، قام بالتأكيد على أن تشتت قوى الجيش العربي سببه هو الثغرة القاتلة التي استغلها الجيش الروماني، وتلك اللحظة التاريخية لم تكن مجرد تكتيك عسكري عابر من سيدنا أبي سليمان فحسب، بقدر ما كانت تأسيساً مبكراً لمبدأ «الدفاع الجماعي» وتلاقي الجهود، فالدول يستحيل بقاؤها بالتشتت أو الأمنيات الوردية، إنما بقدرتها على صهر إمكانياتها المشتتة في بوتقة صلبة تجعل من الاعتداء على أطراف الجسد اعتداءً على القلب.

واليوم، حين يتأمل المراقب للمشهد السياسي في الدوحة والكويت وبقية دول الخليج، يدرك أن مفهوم «توحيد الأمن القومي» في دول الخليج يمر بلحظة مشابهة لتلك اللحظة الكاشفة في غزوة اليرموك المجيدة، حيث لم يعد الرهان على «الجهود المشتتة « أو الممارسات الدبلوماسية الناعمة كافياً في ظل إقليم يعج بالصراعات المباشرة وحروب الوكالات، لذلك نجد أن الدعوات التي برزت مؤخراً من العديد من النخب السياسية في قطر وخارجها لإنشاء حلف عسكري خليجي على طراز حلف شمال الأطلسي «الناتو» بقيادة موحدة، تطرح سؤالاً وجودياً يهم كل الشعوب الخليجية: 
هل يمكن لقطر ودول الخليج الانتقال من «مظلة الحماية الخارجية» التقليدية إلى «منظومة الردع الذاتي الجماعي»؟

إن الحقيقة التي أصبحت تتكشف خلف غموض الصراعات الحالية هي أن هذا التحول ممكن وليس مستحيلا، بل صار ضرورة حتمية تفرضها الجغرافيا الخليجية المشتتة والمضطربة.

ولا ننسى أنه من المنطقي والواقعي أن نعترف بأن «الحليف الأمريكي» يمثل اليوم الركيزة الأساسية في منظومة الحماية في منطقة الخليج العربي وتبني معادلات الردع، وهذا الدور لا يمكن الاستغناء عنه في الوقت الحالي لما يوفره من استقرار وتوازن أمني ضروري جداً، لكن الرؤية الاستراتيجية الحكيمة تقتضي أيضاً ألا نضع كل «البيض في سلة واحدة»، بل يجب أن ندمج هذا الاعتماد على الحليف الأمريكي مع تفعيل حقيقي وشامل لجميع اتفاقيات الدفاع المشترك التي تربطنا بقوى دولية كبرى لها ثقلها العسكري وتاريخها الطويل في المنطقة.
وأنا أتحدث هنا عن استثمار علاقاتنا المتينة مع دول مثل بريطانيا وفرنسا، بما يمتلكون من خبرات عسكرية ومنظومات تكنولوجية متطورة، بالإضافة إلى تركيا وباكستان والدول التي أثبتت جدارتها كقوة إقليمية فاعلة ومؤثرة، فإن الهدف من هذا الدمج هو خلق «شبكة أمان» متعددة الأطراف الدولية تضمن لنا المرونة في مواجهة أي متغيرات سياسية دولية مفاجئة مثل الحرب القائمة بين إيران وآمريكا وآثارها من عدوان إيراني على أمن الخليج، وبعده يأتي دمج فكرة «الناتو الخليجي» ككيان دفاعي موحد ولن يكون مجرد حبر على ورق، بل منظومة صلبة تجمع بين قوة التحالفات الدولية وعلى رأسها أمريكا مع القرار السيادي الموحد لكل دول الخليج، وبذلك ننتقل من مرحلة «تلقي الحماية» إلى مرحلة «الشراكة في صناعة الأمن الخليجي»، لنحمي مكتسباتنا الوطنية ومكتسبات شعوبنا الخليجية ونكون طرفاً مؤثراً في استقرار العالم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق