عندما ينتظرُ المسلمونَ قطعَ رقابهم!
مِن بين مشاهد التاريخ المروِّعة.. ما سطّره المؤرّخ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، وهو يروي ما بلغه ممّن أفلتوا من أهوال اجتياح التتار لمدن المسلمين..
كان الرجل يوثِّق لحظة انهيارٍ إنسانيٍّ مروّع، سقطت فيها معاني المقاومة، وارتجفت فيها النفوس حتى استسلمت للموت بجبن منقطع النظير.
هاكم بعض ما ذكره:
روى ابن الأثير في «الكامل في التاريخ»، في أحداث سنة (628 هـ)، نقلًا عمّن شهدوا ونجوا من هجمات المغول الوحشية على المدن الإسلامية، فقال:
«كان التتريُّ يدخل القريةَ بمفرده، وبها الجمعُ الكثيرُ من الناس، فيبدأ بقتلهم واحدًا تلو الآخر، ولا يتجاسر أحدٌ من المسلمين أن يرفع يده إلى ذلك الفارس، لا بهجومٍ ولا بدفاع!»
«وأخذ تتريٌّ رجلًا من المسلمين، ولم يكن معه ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح؛ فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتريُّ فأحضر سيفًا، ثم عاد فقتله!»
«وحكى رجلٌ من المسلمين لابن الأثير فقال:
كنتُ أنا ومعي سبعةَ عشرَ رجلًا في طريق، فجاءنا فارسٌ واحدٌ من التتر، وأمرنا أن يُقيِّد بعضُنا بعضًا؛ فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم. فقلتُ لهم: هذا واحدٌ، فلمَ لا نقتله ونهرب؟!
فقالوا: نخاف! فقلتُ: هذا يريد قتلكم الساعة، فنحن نقتله؛ لعلّ الله يُخلِّصنا. فوالله ما جسر أحدٌ أن يفعل ذلك! فأخذتُ سكينًا وقتلتُه، وهربنا فنجونا. وأمثالُ هذا كثير!»
لقد مرَّت ثمانيةُ قرونٍ لكنّ المشهد لم يتغيّر كثيرًا.. منذ عقودٍ ونحن نرى ما رآه ذلك الرجل البغدادي قبل موته: غزاةٌ قتلة يدخلون بلادنا بغير إذن، وطائراتٌ تقصف المدن فتسوّيها بالأرض، وأطفالٌ يُخرَجون من تحت الأنقاض أشلاءً، وأمّهاتٌ يبحثن عن أبنائهن في مستشفياتٍ لا كهرباء فيها ولا دواء.
غزّةُ تُحرَق بالقنابل.. العراقُ مزّقته أمريكا. اليمنُ يموت جوعًا تحت القصف.. وفي كلِّ مرّةٍ تسقط مدينةٌ أو يُذبح شعب، تُعقَد المؤتمرات، وتصدر البيانات، وتُرفع الأيدي في الهواء.. ثم يعود كلُّ شيءٍ إلى سابق عهده.
الفارقُ الوحيد بيننا وبين ذلك الرجل البغدادي.. أنّنا لا ننتظر ذابحَنا بصمتٍ بل بضجيجٍ هائلٍ من الشتائم المتبادلة والاتهامات والكلام الفارغ في السوشيال ميديا.
السؤال الذي يطرح نفسه:
أين الشعوب المسلمة التي ملأت ملاعب كرة القدم، وازدحمت على المهرجانات وحفلات الفنانين والبلوجرز، وتابعت في المقاهي مباريات كرة القدم بشغفٍ واهتمام، فيما الدماء تجري في الشوارع المجاورة؟
أين الشعوب التي برعت في التكفير والتبديع والتفسيق وتركوا العدو الواضح والحقيقي الذي يقتل كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟
قال الله تعالى: «وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» [هود: 113]..
وقال سبحانه وتعالى: «وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ» [النساء: 75].
قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيت أمّتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تُوُدِّع منهم».
وقال رسول الله ﷺ: «أفضلُ الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر».
ثمّة شيءٌ واحدٌ صغيرٌ يمكن أن يبدأ به كلُّ شيءٍ كبير.. أن يرفع كلُّ واحدٍ منّا رأسه عن الأرض، ويرفض أن ينتظر هذا المغولي الممسك بسيفه.
إنَّ هذا الرجل البغدادي لم يكن جبانًا بالضرورة؛ ربّما كان منهكًا، مذعورًا.. لم يجد من يقف بجانبه.. لكن الذي لا يُعذَر هو من يرى المشهد كاملًا، ويعرف ما يجري، ويملك ما يفعله، ثم يختار الانتظار.. بل يتجاوز ذلك إلى التنظير الفارغ ثم الدعاء: اللهم اضرب الظالمين بالظالمين!
قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» [الرعد: 11].

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق