الاثنين، 23 مارس 2026

تركيا.. الوساطة من أداة نجاة إلى رافعة قيادة إقليمية

تركيا.. الوساطة من أداة نجاة إلى رافعة قيادة إقليمية

أثبتت الحرب على إيران أن الوساطة ليست مجرد مناورة لتجنّب الكلفة فحسب، بل يمكن أن تتحول في يد دولة متوسطة كتركيا إلى أداة لانتزاع موقع قيادي في الإقليم.

دخلت أنقرة، التي جرّبت من قبل أدوار الوساطة في الحرب الروسية-الأوكرانية وغيرها، هذه الحرب بمنطق مشابه وهو رفض الانخراط العسكري المباشر، مع عرض متكرر للوساطة بين واشنطن وطهران، وبين إيران ودول الخليج، بوصفه الطريق الأنجع لحماية مصالحها وتكريس دورها.

لدى تركيا تجربة مريرة جراء ثمن الغياب، فتجربة عام 2003م حين نأت بنفسها عن ترتيبات غزو العراق وما بعده تركت في الذاكرة التركية شعوراً بأنها دفعت ثمن الانعزال عن الانخراط الإقليمي.

ومنذ ذلك الحين، أصبح واضحاً لصانع القرار في أنقرة أن تكلفة الغياب عن إدارة الأزمات قد تفوق أحياناً تكلفة الانخراط المحسوب، لذلك تميل تركيا اليوم إلى خيار ثالث؛ لا عزلة ولا اصطفاف، بل تمركز في موقع الوسيط الفعّال الذي يشارك في صياغة «اليوم التالي» دون أن يتحمل أعباء الحرب المباشرة.

الوساطة بين «الوقوف بين» و«الوقوف فوق»
عادةً ينظر إلى الوساطة كدور محايد يقف بين الأطراف المتنازعة، يقرّب وجهات النظر دون أن يمتلك تفوقاً عليها، هذا قد يكون صحيحاً في نزاعات شخصية أو نزاعات ذات طابع محلي محدود، لكن في النزاعات الدولية والإقليمية، كثيراً ما تتحول الوساطة إلى موقع فوق الأطراف؛ الوسيط يُدير الأجندة، يحدّد الإيقاع، يوزع الشرعية واللوم، ويصبح مرجعاً إلزامياً في المراحل الحرجة.

في حالات القوى العظمى، يتخذ هذا شكل الوسيط المهيمن؛ الولايات المتحدة مثلاً في أوكرانيا أو في ملف غزة، تمارس أحياناً دوراً أقرب إلى وصاية تفاوضية على الأطراف.

بالنسبة إلى قوة متوسطة مثل تركيا، الوصول إلى هذا المستوى من الهيمنة يبدو أصعب في نزاعات يكون طرفها قوة عظمى، لكن الصورة تتغير حين يكون المسرح الرئيس النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث لا توجد قوة عظمى مقيمة، وإنما خليط من قوى متوسطة وصغرى، هنا تصبح وساطة أنقرة أكثر فاعلية، لأنها تتحرك في فضاء تتفوق فيه –اقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً– على معظم جيرانها.

المهم أن أنقرة لا تسعى إلى استنساخ وساطة ترمبية خشنة، بل تسعى إلى وساطة تراكمية ناعمة؛ إدارة اتصالات كثيفة، توفير منصة، نسج قنوات خلفية، والبناء على كل جولة لتوسيع هامش نفوذها، مع الوقت، تتحول كثافة الوساطات نفسها إلى مصدر قوة، لأنها تجعل العواصم الإقليمية والدولية ترى في تركيا عنواناً إلزامياً لأي حل.

الوساطة في حرب إيران.. تموضع جديد
في الحرب على إيران، تجلى هذا المنطق بوضوح، الرئيس رجب طيب أردوغان أدان منذ اليوم الأول الضربات الأمريكية-«الإسرائيلية» على إيران بوصفها انتهاكاً واضحاً لسيادة دولة مجاورة وخرقاً للقانون الدولي، وفي الوقت نفسه وصف الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على دول الخليج بأنها غير مقبولة، محذراً من انجرار المنطقة إلى حلقة من النار.

إن هذا الموقف المزدوج ليس ترفاً لغوياً، وإنما إطار عمل مبني على عدم الاصطفاف العسكري مع واشنطن و«تل أبيب» ضد إيران؛ لأن ذلك يعني دعم تغيير الأنظمة بالقوة وضرب مبدأ السيادة الذي تحتاجه تركيا لنفسها، وكذلك أيضاً عدم توفير غطاء غير مشروط لسلوك إيران الصاروخي في الخليج، لأن استهداف الدول العربية وتهديد الطاقة يضرب مباشرة مصالح تركيا الاقتصادية وأمنها البحري.

على أرض الواقع، ترافقت هذه المواقف مع دبلوماسية نشطة إذ أعلن وزير الخارجية هاكان فيدان أن أنقرة تنخرط مع كل الأطراف لإنهاء الحرب في إيران والعودة إلى المفاوضات، مشيراً إلى حوار متواصل مع إيران، ودول الخليج، والولايات المتحدة، وأطراف أوروبية، بالتنسيق مع سلطنة عُمان التي تؤدي دوراً موازياً.

في خطاباته، يصرّ أردوغان على أن تركيا لم تقف مع أي طرف في هذه الحرب، وأنها تحاول الحفاظ على استقرار إيران وجوارها معاً، لأن انهيار إيران أو تفككها –في تقدير أنقرة– يفتح الباب أمام سيناريوهات انفصالية (خاصة كردية) وفوضى أمنية مباشرة على حدودها، لا أمام شرق أوسط أكثر أمناً.

صراع على من يحتكر الوساطة
اللافت هنا أن التحفظ على دور تركيا كوسيط لا يأتي أساساً من القوى العظمى، بل من بعض القوى الإقليمية، فالولايات المتحدة نفسها لا تعارض أن تؤدي أنقرة دور ممر للرسائل مع طهران أو مع الخليج، ما دام هذا الدور لا يكسر السقف الأمريكي ولا يمنح إيران مكاسب إستراتيجية غير مرغوبة، في المقابل، تتوجس قوى إقليمية –عربية وإيرانية– من أن تتحول أنقرة إلى منصة إلزامية لأي تفاهم، ما يرفع مكانتها في عيون واشنطن وأوروبا على حسابها هي.

وهذا ليس جديداً فقبل الحرب الحالية، حاولت تركيا تنظيم لقاء مباشر بين واشنطن وطهران في إسطنبول، واشتغل أردوغان وفيدان على سيناريوهات وساطة متعددة المسارات، قبل أن تفضّل طهران نقل جزء من هذه العملية إلى عواصم أخرى أكثر محايدة من منظورها مثل مسقط وجنيف، واليوم، ومع غضب الخليج من إيران بعد الضربات الصاروخية، تجد تركيا في نفسها موقعاً أفضل للتوسط بين إيران وهذه العواصم، كما بين إيران والغرب، مستفيدة من شبكة علاقاتها المفتوحة مع الجميع تقريباً حتى في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن إسقاط صواريخ إيرانية في تركيا.

من زاوية القوى المتوسطة الأخرى في الإقليم، أخطر ما يقدّمه الدور التركي هو الشرعية القيادية التي تضمرها الوساطة؛ إذا أصبحت تركيا العنوان للتسويات في سورية، وأوكرانيا، والآن إيران والخليج، فهذا يعني أنها تتحول تدريجياً إلى مركز ثقل لا يمكن تجاوزه، خصوصاً إذا ترافقت الوساطة مع حضور عسكري اقتصادي متنامٍ في محيطها المباشر.

ما بعد الغياب الأمريكي المحتمل
تصبح المعادلة أكثر حساسية إذا افترضنا سيناريو تراجع أمريكي أوسع عن الشرق الأوسط، سواء بقرار إستراتيجي أو تحت ضغط الاستنزاف، ففي لحظات الفراغ الكبرى، تصبح القوى التي راكمت أدوار الوساطة، ونسجت شبكات ثقة عملياتية مع عدة عواصم، المرشح الطبيعي لتولي موقع قيادة إقليمية، أو على الأقل إدارة «نادي القوى المتوسطة» في الإقليم.

في الماضي، أدت دول صغيرة من خارج المنطقة أدوار الوساطة الكبرى؛ كندا في أزمة السويس، والنرويج في أوسلو، والبرازيل (مع تركيا) في بعض محطات الملف النووي الإيراني عام 2010م، واليوم، مع صعود قدرات تركيا العسكرية والاقتصادية، وتحوّلها إلى لاعب مباشر في ملفات مثل سورية، وليبيا، وشرق المتوسط، ومع أزمتَي غزة وإيران، باتت الوساطة نفسها جزءاً من صندوق أدوات الطموح القيادي التركي، لا مجرد وظيفة أخلاقية أو فنية.

هذا لا يعني أن أنقرة اكتفت بالوساطة كإستراتيجية وحيدة؛ فلديها حضور عسكري على الأرض، وقواعد في محيطها، وسياسة دفاعية–صناعية متنامية، لكن الوساطة تمنحها ما لا تمنحه القوة الصلبة وحدها؛ قبولاً إقليمياً أوسع، ومشروعية في أعين المجتمعات والرأي العام، وتواصلاً مباشراً مع العواصم الغربية بوصفها جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.

في النهاية، الوساطة في حرب إيران الحالية ليست مجرد خيار أخلاقي لتركيا، وإنما جزء من معادلة أكبر فهي تجنّبها كلفة الانخراط العسكري في حرب مفتوحة وغير مضمونة النتائج، ومنع انهيار جار كبير أو تحوله إلى ساحة فوضى وانفصال.

وهذا في النهاية يخدم تثبيت صورة تركيا كقوة متوسطة قادرة على الوقوف بين الأطراف مع هامش علوي في لحظة تبحث فيها المنطقة عن مخرج من الأزمات دون أن تستسلم لهيمنة طرف واحد، أياً كان.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق