ليست كل النهايات تُكتب بصوتٍ عالٍ، فبعض الإمبراطوريات تموت واقفة، بلا صرخةٍ أخيرة، كأنها تتوارى خجلًا من ضجيج التاريخ.
هكذا انتهى الحكم الإسلامي في الهند؛ لا في مشهدٍ أسطوري يشبه سقوط غرناطة، بل في لحظةٍ باردة، إدارية، تُوقَّع فيها القرارات وتُطوَى القرون كما تُطوى الأوراق.
هذا ليس موضوعًا يُختزل في تقريرٍ صحفي عابر، ولا حكاية تُروى على عَجَل؛ إنه جرحٌ مفتوح يتجاوز حدود المأساة، ووجعٌ تاريخي يفوق في ثقله لحظة الخروج من الأندلس نفسها.
إنها ليست مجرد كلمات، بل شواهد على أمجادٍ انطفأت، وفرسانٍ ترجّلوا، وقوةٍ تفرّقت حتى صارت أثرًا بعد عين.
لم يبقَ في النهاية سوى ذلك الركن البعيد من الوجدان… حيث يقف التاريخ صامتًا، ولا نملك حياله إلا أن نحدّق طويلًا في ما تبقّى..
عناوين مبكى الذكريات:
ولهذا وجدتني أمام سيلٍ من العناوين، لا أملك رفاهية اختيار واحدٍ منها؛ فكل عنوان كان نزيفًا قائمًا بذاته، وكل صياغة تحمل شيئًا من ذلك الألم العالق في الذاكرة:
الهند… الأندلس التي لم نبكِ عليها
حين سقطت قارة: نهاية الإسلام في الهند بلا جنازة
850 عامًا من المجد… كيف سقطت الهند في صمت؟
من المآذن إلى المعابد: القصة المنسية لسقوط الهند الإسلامية
الهند الضائعة: لماذا لم تصبح جرحًا في الذاكرة الإسلامية؟
لماذا نبكي الأندلس ونتجاهل الهند؟
كيف خرجت الهند من التاريخ الإسلامي دون ضجيج؟
هل كانت مأساة الهند أكبر من أن تُروَى؟
مَن سرق ذاكرة المسلمين في الهند؟
لماذا لا تحظى الهند بما حظيت به الأندلس من الحنين؟
من الإمبراطورية إلى النسيان: تفكك الحُكم الإسلامي في الهند
الهند في الوعي الإسلامي: بين الغياب والتغييب
كيف تُمحى الإمبراطوريات؟
قراءة في النهاية الصامتة للهند الإسلامية
الهند… الفردوس الذي سقط همسًا
مستودع كنوز الدنيا
– هنا يبدأ السؤال المؤلم: لماذا تحوّلت الأندلس إلى مرثيةٍ جماعية، بينما غابت الهند بكل ثقلها الحضاري عن الوجدان الإسلامي؟ هل لأن الأندلس كانت أقرب إلى القلب جغرافيًا، أم لأن سقوطها كان أكثر درامية؟ أم لأن الهند، في اتساعها وتعقيدها، كانت أكبر من أن تُختصر في قصةٍ واحدة؟
الهند المسلمة التي ضاعت
– لا أدري لماذا يتذكّر كُـتّاب ومؤرّخو المسلمين في العالم كله، يوم سقوط الأندلس، وتاريخها (الأندلس = أسبانيا + البرتغال).. يذرفون الدموع، ويشقّون الجيوب، ويلطمون الخدود.. يتباكون عليها في ذكراها: (2 يناير) سنويا،.. ولا يتحدثون عن الهند التي كانت أرضًا إسلامية، لمدة 850 سنة كاملة، وسبقت الأندلس إسلامًا وحضارةً ومجدًا.. بل أن الهند هي الأكبر والأقوى والأعظم شأنًا وتاريخًا.. وهي بحق: بلاد العجائب والغرائب والخيرات، وعماد الزراعة والتجارة في العالم، ومستودع كنوز الدنيا، فهي الفردوس المفقود بحق…؟!
– في مثل هذا اليوم: 30 مارس 1858م، تم عزل السلطان (بهادر شاه) عن الحُكم في الهند، وكان آخر سلاطين الدولة الإسلامية التي حكمت الهند، وبعزله انتهى الحُكم الإسلامي في الهند بعد أن استمر فيها حوالي 850 سنة، ليحكمها بعد ذلك عُـبّاد البقر
– الإسلام الآن هو ثاني أكبر ديانة في الهند، ويعتنقه حوالي 14.2% من السكان.. حوالي 172 مليون نسمة (وفقا لتعداد 2011)
خزّان العالم
– ليست الهند صفحةً في هامش التاريخ الإسلامي كما تُقدَّم أحيانًا، بل هي فصلٌ كامل كُتب بالحبر والدم والحرير والتوابل معًا؛ فصلٌ تتجاور فيه المآذن مع المعابد، والسيوف مع القوافل، والفقهاء مع الشعراء.
هناك، في تلك الأرض التي كانت تُلقَّب في كتب الجغرافيين بـ«خزان العالم»، لم يكن الإسلام مجرد جيشٍ عابر، بل كان زمنًا طويلاً من التشكّل الحضاري، حيث امتزج الوافد بالمحلي حتى صار كيانًا جديدًا لا يشبه بداياته.
– وحين يُستدعى تاريخ الإسلام في الهند، فإن كثيرًا من السرديات التقليدية تختزله في لحظة الفتح أو لحظة السقوط، بينما الحقيقة أن ما بينهما كان عالمًا قائمًا بذاته: مدنٌ تُبنى من الرخام الأبيض وتُزيَّن بالخط العربي، وأسواقٌ تتحدث بالفارسية والعربية والسنسكريتية في آنٍ واحد، وسلاطين يحكمون قارة لا دولة، ويُديرون تنوعًا بشريًا ودينيًا هو الأوسع في زمانه.
فتوحات المسلمين في القارة الهندية
– كانت بداية دخول الإسلام إلى الهند، سنة 44هـ ، على يد القائد الأموي “المُهلّب بن أبي صُفرة”.. وانتشر الإسلام في أراضي الهند انتشارًا كبيرًا، وهو ما دفع الدولة الأموية، لإرسال الفارس الإسلامي “محمد بن القاسم” سنة 93هـ، للسيطرة على الهند، وكان عمره 17 عاما، (وهو ابن عم الحجاج بن يوسف الثقفي) ولكن الهند قارة مترامية الأطراف، وليست مجرّد دولة، فسيطر “ابن القاسم” على مناطق ومدن كثيرة في الهند.. واستمرت فتوحات المسلمين في القارة الهندية تباعا..
(مات محمد بن القاسم الثقفي، في السجن، من شدة التعذيب، لمجرد أن الخليفة “سليمان بن عبد الملك” كان عدوا للحجاج الثقفي، فانتقم الخليفة سليمان من الحجاج، في شخص “محمد بن القاسم” الذي مات وعمره 24 عاما، بعد أن فتح بلاد الهند والسند (السٌِند = باكستان + شمال شبه القارة الهنديّة، وحول نهر السٌِند)، وخرجت الجموع الحاشدة لتوديعه، بل إن البوذيين كانوا يذرفون الدموع عليه لشدة عدله وحُسن معاملته لهم.. وصوّروه بالحصى على جدران بيوتهم)
– في سنة 392هـ، غزا السلطان التركي محمود بن سبكتكين، بلاد الهند، وقضى على الجيوش الهندية، وأسرَ ملك الهند “جيبال”..وكسّرَ أصنام الهند، وأصبحت الهند إسلامية..
يقول “أبو مسعود الندوي” في كتابه: (تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند): “وليعرف كل من اطّلع علي التاريخ أن بلادنا – الهند – تنوّرت بنور الإسلام في القرن الأول من الهجرة، وتشرّفت بأقدام المجاهدين الأولين من العرب”..
لقد بدأ هذا التفكير في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين فكّرَ واليه علي البحرين في تسيير جيشه إلي الهند.
– حتى المراجع والمصادر عن فترة الإسلام في الهند قليلة نسبيًّا، بالمقارنة بالأندلس، والفتوحات الإسلامية الأخرى
المصادر:
1- تاريخ الإسلام في الهند – الدكتور عبد المنعم النمر
2- فتوح البلدان – أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري
3- تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند – مسعود الندوي
4- قصة الإسلام في الهند من الفتح إلى السقوط – د. راغب السرجاني
————
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق